مشاهدة الجرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا
في الوقت الذي قدم فيه ميشيل بلاتيني الرئيس السابق للاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) زيادة فعلية في عدد منتخبات البطولة القارية ونجح في تقديم بطولة تتكون من 24 منتخباً فعلياً بواقع نصف مقعد تقريباً لكل دولتين من دول «يويفا»، يبدو أن أمينه العام في ذلك الوقت الرئيس الحالي للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو أراد أن يستفيد من أفكار رئيسه السابق.
ولكن في الوقت نفسه مع الإبقاء على الوضع كما هو عليه، إن لم يكن العودة إلى سنوات بعيدة ناضلت اتحادات قارية عدة لتجاوزها، في واحدة من المقترحات التي تقترب من الخدعة الكبرى، تلك التي يروج لها رئيس «فيفا» حالياً مذكراً بسلفه سيب بلاتر الرجل الذي اعتاد إطلاق أفكار للترضية، قبل كل موسم انتخابي، عندما اقترح وروّج وأصر على ما اسماه «الشبكة الذهبية» لعائلة كرة القدم، وحتى موعد مغادرته المنصب، لم يشرح بشكل واضح، دعك من أن يطبق هذه الشبكة الذهبية، علماً أنه أطلق هذه الفكرة، عندما كان مرشحاً لإعادة انتخابه في مواجهة عيسى حياتو.
وهي الفترة نفسها التي أطلق فيها وعد مشاهدة مجانية للمونديال للدول الفقيرة «وتحديداً أفريقيا» والتي تدفع الكثير من الأموال لمتابعة هذه البطولة الكبرى، التي يريد إنفانتينو أن يستغلها هو الآخر، مروجاً لمقترح يحسبه الظمآن ماء، في الوقت الذي لن يجد غير السراب عندما يدرك البقعة التي اقنعه إنفانتينو بالوصول إليها.
وعد
ومنذ انتخابه كان إنفانتينو يتحدث عن زيادة عدد منتخبات المونديال إلى 48 منتخباً لمنح الفرصة لأكبر عدد من المنتخبات في التأهل إلى «النهائيات العالمية»، مصطحباً في حديثه تجربته عندما كان أميناً عاماً لـ"يويفا"، ولعل الكثير من الدول التي روّج فيها هذه الفكرة، كانت على قناعة بحدوث الأمر، من واقع متابعتها لما يحدث في بطولة الأمم الأوروبية.
وكيف باتت تجمع «كل الدول تقريباً»، ولكن ما حدث بعد ذلك كشف الخدعة قبل أن تتورط الاتحادات القارية في هذا الأمر، وهي وحدها صاحبة القرار في القبول أو الرفض بمقترح سيقضي على المكتسبات التي تحصلت عليها بعد جهد وقتال، في الملعب وخارجه.
16 + 16
قدم إنفانتينو مقترحاً بأن يتأهل 16 منتخباً إلى النهائيات مباشرة، ومن بعد ذلك يلحق بها العدد نفسه عبر تصفية نهائية بنظام الذهاب والإياب، لتظهر الحقيقة الرئيسية، وهي أن عدد المتأهلين إلى المونديال من القارات «الصغيرة كروياً» سيتناقص لا العكس، فكل من يعتقد أن هذا الأمر فرصة من أجل زيادة المقاعد في النهائيات سيصطدم بواقع أن هذه المقاعد ستكون محجوزة بشكل أكبر للدول الأوروبية، وتلك القادمة من أميركا اللاتينية.
وللنظر إلى خارطة المونديال الآن، وتلك التي يمكن أن تحدث إذا اعتمد نظام تأهل 16 مباشرة، و16 عبر ملحق، فحالياً تملك أوروبا 13 مقعداً، ومن بعدها من واقع النسبة والتناسب أميركا اللاتينية، التي تحتل منتخباتها العشرة على 4.5 مقاعد، بينما قارة آسيا بأكملها تنافس على العدد نفسه، وتحصل أفريقيا على 5 مقاعد، بينما 3.5 للكونكاكاف، ونصف مقعد هو نصيب منطقة أوقيينيا.
هذا في ظل نظام 32 منتخباً، ولكن كيف هو الواقع في ظل النظام القديم عندما كان يتأهل 16 منتخباً فقط، وكانت المرة الأخيرة في الأرجنتين 1978، حيث منحت أوروبا 8.5 مقاعد، وأميركا اللاتينية 2.5 مقعد، مع العلم بتأهل حامل اللقب، ألمانيا الغريبة، ودولة الاستضافة، الأرجنتين، بشكل تلقائي.
لتكون المحصلة النهائية للمنتخبات المتأهل إلى النهائيات كالتالي، 10 من قارة أوروبا، التي نجحت في الفوز بنصف المقعد على حساب أميركا اللاتينية، حيث كانت المنافسة منحصرة على نصف المقعد بينهما فقط، بينما حصلت آسيا وأوقيينيا على مقعد واحد في تصفيات مشتركة بنظام المجموعة، وتحددت حصة أفريقيا وكونكاكاف بمقعد واحد لكل اتحاد قاري.
هذه هي الطريقة التي وزع بها «فيفا» المنتخبات في ذلك الوقت، ولن تتغير الآن، بمعنى أن نصيب آسيا وأوقيينيا سيتحول من 4.5 مقاعد و0.5 مقعد إلى مقعد واحد فقط، لتفقد 5 مقاعد عليها أن تبحث عنها في التصفيات النهائية، وكذا الحال بالنسبة لأفريقيا وكونكاكاف، فمن الواضح أن أوروبا لن تقبل بتقليل حصتها عن 9 متأهلين مباشرة، ولن تهدر أميركا اللاتينية الحصة التي تحصلت عليها قبل سنوات.
حقائق
ستقدم أوروبا وأميركا اللاتينية دفاعاتها عن حقها في السيطرة على ما يزيد على نسبة 80% من الدول الضامنة للتواجد في النهائيات، من واقع سيطرة القارتين على التتويج بالبطولة، بل والمربع الذهبي، الذي لم يتم اختراقه من خارجها إلا مرة واحدة في البطولات الأخيرة، عندما حلت كوريا الجنوبية في المركز الرابع عندما نظمت البطولة بالمشاركة مع اليابان في 2002، وهذا واقع لا يقبل الجدال، وطبيعي أن تطالب ليس فقط بالمقاعد المضمونة.
بل حتى بحصة الأسد من المقاعد المؤهلة للنهائيات، على الأقل بحيث تضمن أوروبا تواجد 14 منتخباً في المجموعات، بينما لن تقبل أميركا اللاتينية بتواجد أقل من 6 منتخبات عندما تنطلق البطولة، بل ربما تريد أن تصل إلى سبعة مقاعد معتمدة على أن القارة اللاتينية تملك من الألقاب ما يساوي تقريباً عدد منتخباتها العشرة.
إذ جمعت البرازيل والأرجنتين وأوروغواي تسعة ألقاب منذ بدء البطولة العالمية، في الوقت الذي تتصاعد فيها نتائج المنتخبات الأخرى، حيث نجحت 4 من أصل 5 منتخبات لاتينية في التأهل إلى دور الثمانية في مونديال 2010 في جنوب أفريقيا.
بينما تواجدت ثلاثة منتخبات في الدور نفسه في مونديال البرازيل بعدما أقصت البرازيل في طريقها إلى نصف النهائي منتخبي كولومبيا وتشيلي، اللذين كان بإمكانهما المضي بعيداً لولا المواجهة المباشرة مع أكثر المنتخبات حصولاً على اللقب، وصاحب الأرض في الوقت نفسه.
سنعود إلى سنوات بعيدة، وتبدأ القارات الصغيرة كروياً في البحث عن التأهل وهي ظاهرياً تملك سبعة مقاعد، كما وعد إنفانتينو أفريقيا وآسيا، ولكنه في الحقيقة لا تملك سوى مقعد واحد مضمون، بينما يكشف تاريخ المنافسات التأهيلية، عن نجاح شبه كامل للمنتخبات الأوروبية واللاتينية، وحتى منتخبات كونكاكاف، عندما تلعب في الملحق في مواجهة دول من قارة آسيا أو منطقة أوقيينيا.
الموت المفاجئ
البحث عن مقعد في تصفية نهائية، هو بمثابة الموت المفاجئ، وهذا هو المصطلح الذي استخدمته الصحافة الإيطالية، عندما أمر «فيفا» بمواجهة بين المكسيك المتأهلة إلى النهائيات والولايات المتحدة الأميركية، التي لم تعرب عن رغبتها في المنافسة في مونديال 1936 في إيطاليا، ولكنها حضرت قبل افتتاح البطولة بيومين، ليقرر «فيفا»، مباراة فاصلة بين البلدين والغريبة أن الولايات المتحدة هي من تمكن من التأهل.
هذا ما يريد إنفانتينو إعادته من جديد، أن تبحث عن مقعد قبل لحظات من بداية البطولة، أي أن تقاتل في التصفيات لتحصل على نصف مقعد يضعك في مواجهة مع منتخبات أوروبية أو لاتينية، فكلاهما لن يقبل بأن يضعهما «فيفا» في مواجهة مباشرة، بل سيصران على تفادي بعضهما البعض محتجين بأنهما الأفضل من ناحية النتائج طوال تاريخ المونديال، وهي حجة رياضية معتبرة، لذا فإن المتضررين بشكل واضح، هم من سيفقدون مقاعد التأهل المباشر، وبالتحديد قارات آسيا وأفريقيا.
ستحصل سبعة منتخبات من آسيا وأفريقيا على فرصة التأهل إلى المونديال، ولكن خلاف المقعد الوحيد المضمون في نظام 16 منتخباً، كم من هذه المنتخبات سيضمن مقعده في النهائيات.
وهل هي جاهزة للدخول في معارك مع منتخبات أوروبا، وأميركا اللاتينية، التي ستدفع بثلاثة على الأقل من كبارها إلى التصفيات، بينما سيتواجد على الأقل 6 منتخبات أوروبية بينها حتماً أسماء كبيرة، وبالطبع فإن الفرصة الأوروبية واللاتينية أكبر في زيادة عدد منتخباتها في النهائيات مقارنة بالاتحادات القارية الأخرى.
2002
هي القرعة الأجمل والأروع، كانت تلك العناوين الرئيسة للصحافة في جمهورية أيرلندا، عندما منحتهم القرعة مواجهة المنتخب الإيراني، الممثل الثالث لقارة آسيا في تصفيات مونديال 2002، والذي حصلت فيه القارة على 2.5 مقعد فقط.
إذ خصم «فيفا» مقعدين من حصة القارة لصالح المستضيفين كوريا الجنوبية، واليابان، وعلى الرغم من الاحتجاج الآسيوي، الذي اعتبر الأمر بمثابة عقوبة على منح القارة استضافة المونديال للمرة الأولى، إلا أن «فيفا» أصر على عدم انتقاص نصف مقعد من القارة الأوروبية لتمثل آسيا في نهاية الأمر بأربعة منتخبات فقط نصفهم مستضيف للبطولة.
وخلال تلك الفترة كان الصراع على أشده بين ألمانيا وجنوب أفريقيا لاستضافة المونديال، فتقدم ليونارت يوهانسون رئيس الاتحاد الأوروبي بمقترح للاتحاد الآسيوي بالتنازل عن نصف مقعد في مواجهة مباشرة مقابل أن يضمن أصوات ممثلي آسيا الأربعة لصالح ألمانيا في التصويت من أجل الاستضافة، بعد أن رفض الاتحاد الأفريقي التنازل عن نصف مقعد.
معتبراً أن تثبيت تواجد خمسة منتخبات على الأقل بشكل دائم أكثر فائدة من الحصول الآن على الاستضافة، وهذا ما حدث حيث استضافت جنوب أفريقيا البطولة التالية، وتواجدت ستة منتخبات أفريقيا في النهائيات، حيث لم يستطيع «فيفا» خصم مقعد الاستضافة من نصيب أفريقيا، كما حدث قبل دورتين في آسيا.
وقرر «يويفا» عدم الأخذ بالتصنيف لمنح أعلى المتأهلين إلى الملحق أفضلية مواجهة ممثل آسيا، وهو المقترح الذي أصرت عليه المنتخبات الأوروبية، لتحصل أيرلندا على المنافس «الأضعف» بعد القرعة ونجحت بالفعل في التأهل على حساب إيران.
110
على إنفانتينو أن يثبت رغبته في زيادة حقيقية للمنتخبات من القارات الأخرى ويصدر قراراً بتثبيت مقاعد آسيا وأفريقيا، مع منحها الفرصة في الزيادة عبر الملحق، وليس العكس، أي أن تحصل كل قارة على خمسة مقاعد مباشرة قابلة إلى أن تصل إلى 14 مقعداً، على أن تجنبها القرعة المواجهات المباشرة، لأن ذلك يعني زيادة القارتين بمقعدين فقط بدلاً عن أربعة، كما عليه أن يفرض مواجهات مباشرة بين منتخبات أوروبا وأميركا اللاتينية في الملحق.
حينها يمكن أن تملك المنتخبات الآسيوية والأفريقية الفرصة في زيادة مقاعدها، أما أن تلهث وتقاتل كل قارة من أجل مقعد أو مقعدين مباشرين، ومن بعد ذلك تواجه بقية منتخباتها الموت المفاجئ في مواجهة منتخبات لاتينية أو أوروبياً، فحتماً هي وسيلة واضحة من أجل ترسيخ المونديال أكثر وأكثر عند وضعه الحالي.
بل سيكون الوضع أكثر ألماً على 110 دول تمثل أكثر من نصف عدد الدول الأعضاء في كونغرس «فيفا»، خاصة إذا اعتمد إنفانتينو على الطريقة المسيطرة على «فيفا» الآن، وهي منح أوروبا وأميركا اللاتينية نسبة 50% من أي زيادة للمقاعد المباشرة في النهائيات.
بدلاً عن تصفيات وصولاً إلى العدد النهائي الحالي، كان على إنفانتينو أن يعمل على زيادة فعلية لعدد المنتخبات، ولكن الخوف من تأثير الأندية الكبرى، وغضب الدوريات العريقة من طول فترة المنافسة، وإرهاق النجوم الكبار في مواجهات مع لاعبين من «دول فقيرة كروياً» هو ما فرض على إنفانتينو أن يدعو إلى استعادة فكرة الموت المفاجئ بدلاً عن أن يفتح الباب أمام قارات تستحق زيادة مقاعدها، فلا يعقل أن تتنافس 10 دول على 4.5 مقاعد، بينما 45 دولة تحصل على العدد نفسه.
