قبل نحو أسبوعين من انطلاق الألعاب الأولمبية الأولى في أميركا الجنوبية وتحديداً في البرازيل، التقطت مدينة ريو دي جانيرو المنظمة أنفاسها، لكن في مواجهة أسوأ أزمة اقتصادية في 80 عاماً وارتفاع معدل الجريمة، حيث تغيب علامات الفرح عن وجوه البرازيليين.

في الواقع، أصبحت الملاعب جاهزة، وتزين الألوان والأعلام الأولمبية «المدينة الساحرة» التي يقطنها 5ر6 ملايين وتنحشر في مضيق بين المحيط وجبال رائعة مع كل هذا التباين الجذاب بين شوارع ميسورة تهدهد الشواطئ واخرى شعبية فقيرة ترتسم عليها علامات البؤس والحرمان.

وتنتظر التجارة المحلية بدءا من الفندق 5 نجوم مرورا بالمخزن الصغير الذي يبيع الادوات الاولمبية «المصنوعة في الصين» بفارغ الصبر قدوم نحو 500 الف سائح من زوايا الأرض.

ويُعرف عن البرازيليين انهم عشاق لكرة القدم، لكنهم ايضا هواة للرياضة بمختلف انواعها، ورغم الوضع الرمادي المعاش يوميا، ما من شك في ان الالعاب الأولمبية ستشكل فاصلا سعيدا من فواصل وحلقات حياتهم.

ومن شأن الديكور المخصص لأكبر حدث رياضي على وجه هذه البسيطة (10500 رياضي في 42 لعبة) ان يحبس انفاس مئات ملايين المشاهدين.

معارضة

وعبر نصف البرازيليين عن معارضتهم لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية قبل أقل من ثلاثة أسابيع على انطلاقها في ريو دي جانيرو تخوفا من التكلفة الهائلة، وذلك وفقا لنتائج استطلاع للرأي.

وزادت نسبة المعارضين للضعف مقارنة بنتيجة نفس الاستطلاع في 2013.

ويعتقد 63 % من المشاركين في الاستطلاع الذي أجراه معهد داتافوليا ونشرت نتائجه صحيفة فوليا دي ساو باولو أن نفقات الأولمبياد ستكون أكبر من أرباحها، بينما كانت النسبة 38 % قبل ثلاثة أعوام.

وستستضيف ريو الأولمبياد بتكلفة 40 مليار ريال (12.3 مليار دولار) وسط حالة ركود عميقة تدخل عامها الثاني وزادت نسبة البطالة إلى 11 %.

مخاوف

هناك خليط من الاعمال الإجرامية في ارتفاع مستمر، وبطالة متصاعدة بقفزات، وفيروس زيكا وافلاس ولاية ريو دي جانيرو وفضائح الفساد وازمة سياسية تاريخية ستفضي على الارجح الى اقالة الرئيسة ديما روسيف بعد انتهاء الالعاب مباشرة، كل هذا مجتمعا لا يمكن ان يدع الفرحة ترتسم على شفاه البرازيليين.

وتختصر الالعاب بالنسبة الى كثيرين بعملية الهاء مكلفة جدا، وفيليبي (31 عاما)، المنقذ على شاطئ كوبيكابانا واحد من هؤلاء، «شفطت الالعاب الاولمبية المال الذي كان بالإمكان استخدامه في تحسين حياة الناس بدل ان نقيم تغييرات تجميلية جميلة للغرباء».

سحر وفوضى

على بعد امتار معدودة، وتحت شمس شتوية معتدلة، حيث تصل الحرارة الى 23 درجة مئوية، يقف عشرات العمال منتصبين كحبال مشدودة لانهاء هيكل معدني هائل مؤقت لحرم لعبة الكرة الطائرة الشاطئية مرتفع واشبه ببناء شاهق من عدة طبقات.

والمشاكل التي تمت مواجهتها في بناء هذا الصرح تلخص التحدي الكبير لتنظيم الالعاب في ريو دي جانيرو، هذه المدينة التي تتسم بالسحر والفوضى في آن معا.

وكثيرا ما تعطلت الاعمال بسبب الأحوال البيئية والمناخية، وادت الامواج العاتية الى الاضرار بقاعدة هذا البناء ما استلزم اقامة جدار رملي بطول 300 متر لحمايته، وتعمل البلدوزرات باستمرار على تعزيزه، وذات صباح، وجدت بالقرب منه جثة متفسخة لسيدة.

بالتأكيد، استطاعت ريو دي جانيرو اسكات المشككين في قدرتها على انهاء الاعمال في المواعيد المحددة، وعموما ضمن الميزانيات الموضوعة لها، باستثناء مضمار منافسات الفروسية الذي تأخر قليلا بسبب افلاس منفذه، ولم يكن بالامكان اجراء اي اختبار حقيقي عليه.

تلوث

ويبقى خليج غوانابارا عبارة عن «بالوعة» تصب فيها المياه المبتذلة على الرغم من الوعود المخيبة للآمال بإزالة التلوث منه بنسبة 80 في المئة، وهذا يعرض المتنافسين في رياضة الشراع للجراثيم في حال السقوط في البحر او حتى اهدار ميدالية بسبب الهروب من كيس بلاستيكي في الطريق.

وبعيد افتتاح مضمار بني على الكورنيش البحري لاقامة سباقات الدراجات الهوائية ضمن الالعاب الاولمبية، انهار جزئيا بعد ان ضربته موجة عاتية فقتل اثنان من المارة بالمكان، في حين تشكلت بعض الحفر على طريق بحري آخر.

وأخيراً وفي افضل الحالات، لن يفتتح خط جديد للمترو يعتبر استراتيجيا بالنسبة الى الحركة خلال الالعاب قبل الاول من اغسطس مع تخفيض السعة بسبب عدم اجراء اختبارات كافية عليه.

وقال عمدة ريو دي جانيرو ادواردو باييس «كل شيء يشغل بالي»، واسر لوكالة فرانس برس انه «متعجل لأن يبدأ الاولمبياد، ومتعجل ايضا لأن ينتهي»، واعدا أن «يأخذ اجازة دون اجر لمدة عام».

اغتيالات

وتؤكد البلدية انها عملت على تحويل المدينة خلال عدة عقود على ان تكون الأطراف الأساسية مكاناً للبنى التحتية الجديدة التي تشكل مدخلا للنقل العام لنحو 63 في المئة من البرازيليين في 2017 مقابل 19 بالمئة فقط عام 2009.

وتضاعفت السعة الفندقية في مدينة ريو دي جانيرو، وافتتحت قاعة جديدة في المطار الدولي، وتم جزئيا انعاش منطقة الميناء التي كانت مهجورة بشكل دائم.

وهناك سبب آخر يدعو للقلق ويتمثل في امن المتفرجين-السياح، حيث ارتفعت عمليات الاغتيال الى اكثر من 13 في اليوم الواحد منذ مطلع العام الحالي اي بزيادة 14 في المئة عن نفس الفترة من العام الماضي.

وحصلت ولاية ريو مؤخرا على مساعدة مالية طارئة من ولاية برازيليا لدفع رواتب عناصر الشرطة، لكن العصابات المسلحة لمروجي المخدرات تنمو وتتمدد.

والخشية في المقام الأول من العنف-المتطرف اكثر من خطر الاغتيالات، وصحيح انه لم يطل البرازيل حتى الآن، لكن متطرفاً فرنسياً هدد في نوفمبر بعيد اعتداءات باريس قائلا «البرازيل، انت هدفنا القادم».

يضاف الى ذلك ان معتقلاً سابقاً في غوانتانامو رحل الى الاوروغواي، دخل بشكل غير شرعي الأراضي البرازيلية دون ان يترك أثراً.

وسيسهر على امن الألعاب اكثر من 85 الف شرطي وعسكري، اي اكثر مرتين من العدد الذي خصص لأولمبياد لندن 2012.