خلف السويسري جياني إنفانتينو مواطنه سيب بلاتر في رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم، ليفتح أعين العالم كله على واقع جديد، هو قدرة وتأثير الأمين العام للمنظمات الرياضية الكبرى على لعب دور رئيسي واستقطاب الأصوات لصالحه، بصورة أكبر من رؤساء اتحادات قارية، فهي المرة الثانية على التوالي التي ينجح فيها موظف تنفيذي يشغل منصب الأمين العام في الفوز برئاسية «فيفا» على الرغم من أن منافسه المباشر، رئيس لأحد أكبر الاتحادات القارية في عالم كرة القدم، وهذا تحديدا ما قام به السويسري بلاتر عندما نجح في الحصول على المنصب للمرة الأولى عام 1998، وكان حينها أميناً عاماً للاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» وتغلب على السويدي ليونارت يوهانسون رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» الذي جاء الدور على أمينه العام هو الآخر، والغريب أنه سويسري الجنسية أيضاً، لينجح بدوره في الوصول إلى كرسي الرئيس في أكبر منظمة رياضية عالمية، على حساب أحد رؤساء الاتحادات القارية الكبرى، المسنود أيضاً من اتحاد قاري آخر هو الأكبر عددا بين الاتحادات القارية، وتحديدا الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «كاف» الذي أعلن عن دعمه غير المحدود للشيخ سلمان بن إبراهيم رئيس الاتحاد الآسيوي، بل بلغت ثقة أفريقيا بنفسها في دعم الشيخ سلمان بن إبراهيم والتوحد خلفه إلى أن أكد سوكيتو باتل نائب رئيس «كاف» قبل ساعات من التصويت أن القارة السمراء ستمنح الشيخ سلمان ما قد يصل إلى 53 صوتاً من جملة 54 تمثل الكيان الأفريقي في الجمعية العمومية، في إشارة إلى الدعم القوي وتوحد الموقف الأفريقي تجاه رئيس الاتحاد الآسيوي، لكن الواقع أثبت غير ذلك، فلم تصل عدد الدول الأفريقية التي ساندت الشيخ سلمان إلى هذا العدد ولا قاربت إليه، باعتراف عدد من ممثلي الدول أنفسهم قبل التصويت وبعده، وحتى النتيجة التي ظهرت في الجولة الأولى أكدت على نجاح انفانتينو والأمير علي بن الحسين في اختراق قبضة عيسى حياتو على القارة السمراء، والخروج بأصوات مؤثرة جداً.

133

حصل الشيخ سلمان على 85 صوتا في الجولة الأولى من التصويت، وعند هذه اللحظة بدا أن الأمور ستتجه في النهاية إلى انفانتينو الذي تقدم على رئيس الاتحاد الآسيوي بفارق 3 أصوات في الجولة الأولى.

على الرغم من أن مجموع أعضاء الكتل الرئيسية التي أعلنت عن دعمها للشيخ سلمان ـ آسيا وأفريقيا وكونكاكاف ـ يصل إلى 133 دولة، وهو ما منح الشيخ سلمان أفضلية الترشيحات من جميع مراقبي الانتخابات قبل إعلان نتيجة الجولة الأولى، التي وصل انفانتينو قبل إعلان نتائجها مرحلة من الشك في حظوظه حتى أعلن عن نيته في الانسحاب ودعم الأمير علي بن الحسين في الجولة الثانية متى ما تصدر الشيخ سلمان ـ كما كان متوقعا ـ الجولة الأولى بفارق كبير من الأصوات، ليحول انفانتينو، التخفيف من خسارته المنتظرة، في الوقت نفسه يستميل مساندو الأمير علي بن الحسين من القارات الأخرى متى ما أظهرت نتيجة الجولة الأولى عن تراجع حظوظ الأمير علي وتقدم انفانتينو، وهو ما حدث بعد الجولة الأولى، لتحسم أصوات مساندي الأمير علي الذين تخلوا عنه في الجولة الثانية المعركة لصالح انفانتينو، ولعل أبرز التحولات كانت الإشارة الواضحة من الجولة الأولى بأن الشيخ سلمان لم ينل شبه إجماع من منطقة أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي «كونكاكاف»، وكذلك في إفريقيا، وأن منطقة «كونكاكاف» تحديدا انقسمت إلى مجموعتين أقرب للمناصفة في الجولة الأولى.

حيث اتجهت دولة الكاريبي إلى دعم الشيخ سلمان، بينما ساندت دولة شمال الاتحاد ـ أميركا وكندا والمكسيك ـ مع مجموعة أخرى منطقة الوسط، الأمير علي بن الحسين، وهو الأمر الذي شكل دهشة وصدمة في الوقت نفسه لأعضاء الكاريبي الذين اعتقدوا بأن المنطقة ستصوت ككتلة واحدة، وكانت المفاجأة في الجولة الثانية بتحول المجموعة التي قادتها أميركا وكندا بأكملها لصالح انفانتينو، في الوقت نفسه، تحولت الدول الأفريقية التي دعمت الأمير علي بن الحسين وجيروم شامبين إلى صالح الأمين العام للاتحاد الأوروبي.

ضغط

ولعبت أميركا دورا كبيرا في الضغط المكثف على بقية دول منطقة «كونكاكاف» والذي أثمر في النهاية عن التحول الجوهري في مسار الانتخابات، بعد أن انهارت عملية التصويت ككتلة واحدة في الجولة الأولى وكان نتيجته حصول الأمير علي بن الحسين والفرنسي جيروم شامبين على 34 صوتا، من مجموع أصوات كان يفترض قبل الجولة الأولى أنها ستذهب لصالح الشيخ سلمان بن إبراهيم.

وبين الجولتين دارت مناقشات بين سونيل غولاتي رئيس الاتحاد الأميركي والأمير علي بن الحسين ثم ابتعدا عن الأنظار، وخرجا من القاعة التي عقدت فيها الجمعية العمومية لدقائق عدة، وقال غولاتي بعد أن ألقى انفانتينو خطابه الأول كرئيس للفيفا «لم نستطع قول أي شيء لمساندي الأمير علي قبل التحدث معه شخصيا.».

مشيرا إلى أن الخطة الأميركية كانت تقوم على نقل أصوات «كونكاكاف» الداعمة إلى الأمير علي بن الحسين إلى انفانتينو في الوقت المناسب، وتحديدا متى ما شعرنا بأن فرص الأمير علي ستتراجع في الجولة الثانية، مضيفا أخطرنا الأمير علي بن الحسين بهذا الأمر، كان يجب علينا أن نعلمه بأننا لن نواصل دعمه في المرحلة الثانية، وسنتحول إلى انفانتينو الذي أخبرناه قبل يوم الانتخابات أننا سنساند الأمير علي لكن أعطيناه تأكيدا بمساندته عندما يحل الوقت المناسب».

ولم يكن ذلك مفاجأة، لكن لم يتوقع أحد الدور الذي لعبه تحالف المسؤولين الأميركيين مع اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي (الكونكاكاف) ومن بينهم رئيس الاتحاد الكندي في تحويل دفة التصويت في صالح انفانتينو، وعمل غولاتي بمساعدة المحامي سمير غاندي والذي عمل على مجموعة إصلاحات الفيفا والكونكاكاف على مساعدة انفانتينو من خلال إقناع اتحادات عدة في تغيير تصويتهم لصالح المسؤول السويسري الفائز بالانتخابات.

25

وكان من المتوقع أن يحصل الشيخ سلمان على 25 صوتا من كتلة اتحاد دول الكاريبي لكن حدث انقسام في أصواتهم في الجولة الأولى فيما قررت عدة اتحادات مساندة انفانتينو في الجولة الثانية.كما تراجعت اتحادات أفريقية أخرى ساندت الشيخ سلمان في الجولة الأولى وتحولت نحو انفانتينو، وقال نيك مويندوا وهو مسؤول كيني إن اتحادات أخرى مثل كينيا قررت نقل مساندتها من الشيخ سلمان إلى انفانتينو في الجولة الثانية مع إحساسهم باقتراب الأمين العام للاتحاد الأوروبي لكرة القدم من الفوز.

وصدق توقع الليبيري موسى بيليتي يوم الخميس عندما أشار إلى وجود انشقاقات كبيرة داخل الاتحاد الأفريقي الذي كان يساند الشيخ سلمان وتفضيل اتحادات عدة مساندة الأمير علي بن الحسين ومن بعده إنفانتينو في حالة تراجع حظوظ الأمير علي بن الحسين.

تدخل

كان الضغط الكبير الذي مارسه سونيل غولاتي رئيس الاتحاد الأميركي مثالاً آخر على التدخل الأميركي في أزمات الفيفا، واتهمت وزارة العدل الأميركية عدد من مسؤولي الكونكاكاف. وتتولى شركة المحاماة الأميركية كوين ايمانويل اوركوهارت أند سوليفان الإشراف على التحقيقات.