وجّه القرار المعلن من لجنة «الأخلاق» في الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» بإيقاف الرئيس المستقيل سيب بلاتر ورئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا» ميشيل بلاتيني ضربة قوية إلى آمال القارة العجوز، حيث ظهر بوضوح أن أوروبا هي الخاسر السيئ جداً الذي لا يقبل بالقوانين إلا إذا كانت تخدم مصلحته.
فقد أطلقت القارة العجوزة دعوة غريبة بضرورة تأجيل الانتخابات، وبثقلها في فيفا تحولت الدعوة إلى قرار إلزامي على تنفيذية الاتحاد الدولي بضرورة دراسة تأجيل انتخابات الرئاسة التي ستنعقد في فبراير المقبل إلى مايو المقبل في كونغرس فيفا السنوي الذي سيعقد في المكسيك، وطبيعي أن يوافق المكتب التنفيذي لفيفا على القرار في اجتماعه المنتظر في العشرين من هذا الشهر، خاصة مع مساندة متوقعة من اتحاد أميركا اللاتينية «الكونميبول» الذي كان أوروبياً أكثر من أوروبا نفسها.
أو ربما كان البيان الذي أصدره أمس هو بيان تنفيذية «يويفا»، ولكن وقعه بالنيابة عنها حليفها «الكونميبول»، عندما طالب لجنة «الأخلاق» بمراجعة عقوبة بلاتيني تحديداً، دون أن يذكر عقوبة بلاتر التي صدرت في القضية نفسها، وهي المرة الأولى التي يتدخل فيها اتحاد أميركا اللاتينية في مثل هذه القرارات، بل إن الاتحاد المعني لم يتدخل ولم يطلب أي تأجيل للانتخابات عندما اعتقلت قياداته قبل 48 ساعة من بداية جلسة الكونغرس التي انتخبت بلاتر للمرة الخامسة، لأن الأمور حينها كانت تجري كما يشاء «يويفا»، وأتى اعتراض «الكونميبول» على العقوبة بشكل غريب جداً.
إذ لم يكتف البيان الصادر عنه بطلب تأخير الانتخابات، بل اشترط أن ترفع العقوبة عن بلاتيني ويمنح الحق في الترشح، بل ذيل الاتحاد بيانه بفقرة أكد فيها أنه لا يرى أصلح من بلاتيني عندما ذكر تحديداً أنه الرجل المناسب لقيادة «فيفا» إلى مستقبل مشرق، وأن الأجدر أنها حالة «الفساد» التي يعانيها «فيفا».
تناقض
وجاء بيان «الكونميبول» ليكشف عن تناقض غريب في التعامل مع الصراع ضد الفساد الذي ضرب أروقة المنظمة الرياضية الدولية، ففي الوقت الذي قبل اللاتين بكل قرارات لجنة الأخلاق حول أعضاء من دولهم، فإنهم يرون أن هذه اللجنة كانت مستعجلة عندما أوقفت بلاتيني.
وكان على اللجنة أن تنفذ ما يطلب منها فقط، فإيقاف الأعضاء اللاتين رياضياً بقرار من لجنة الأخلاق جاء على خلفية تحقيقات قامت بها أميركا وسويسرا، وهي الخلفية نفسها التي استندت إليها عندما أوقفت بلاتر وبلاتيني، لكن «الكونميبول» يرى أنها محقة فيما يتعلق ببلاتر، وظالمة لبلاتيني، المرشح المفضل لهم الآن لخلافة بلاتر.
وبما أن أيام الرئيس الحالي قد انتهت فعلياً، أو في الحد الأقصى في فبراير المقبل، فإن «الكونميبول» لم يهتم بعقوبته، بل ركز على الحليف الجديد الذي وعد أولاً وقبل كل شيء بأن يرفع من عدد منتخبات كأس العالم، لتحصل أميركا اللاتينية ذات الدول العشر على ستة مقاعد في المونديال.
تحدٍّ
أما موقف الاتحاد الأوروبي «يويفا» الرسمي فكان أكثر غرابة من موقف «الكونميبول»، فقد ركلت اللجنة التنفيذية للاتحاد الأوروبي القرار، وهي تؤكد أن لا داعي لأن يخلف أحد بلاتيني، على الرغم من إيقافه، وأنها لم تقم بتطبيق القانون بضرورة تصعيد نائب الرئيس، في حال غياب الرئيس.
معتبرين أن لجنة الأخلاق دانت الفرنسي دون حق، وأغرب أمر أن تنفيذية «يويفا» هي أول من هتف بحياة لجنة الأخلاق عندما كانت توقف الأعضاء من إفريقيا وأميركا اللاتينية والكونكاف، معتبرة أن قرار فيفا إنشاء «لجنة الأخلاق» هو الأفضل في السنوات العشرين الأخيرة.
لكن يبدو أن تنفيذية «يويفا» لم تكن تعلم بأن هناك فساداً في أوروبا، ليس ذلك فحسب، بل في قمة الهرم الأوروبي، وفي المرشح الذي قدمته رمز للنزاهة والأمانة، وتبين أنه يمكن أن يغض الطرف عن حق بلاتر في منحه مليوني يورو مقابل وظيفة مؤقتة لا يقدم «فيفا» لمن يشغلها أكثر من 83 ألف يورو في السنة.
إعادة عرض
ويبدو أن الدعوة إلى التأجيل تهدف بداية إلى ما يسمى في عالم السوق بـ«إعادة العرض»، حيث يحتاج البائع إلى وقت يغير فيه شكل السلعة ويعرضها مرة أخرى متى أصابها البوار في العرض الأول، ويسعى «يويفا» إلى إعادة عرض بلاتيني بطريقة جديدة، لكن تبقى الحقيقة أنه حتى لو صدر قرار بإلغاء عقوبة الفرنسي، فإن سمعته ومكانته لن تعودا كما السابق أمام العالم النزيه.
لكن لا أميركا اللاتينية ولا أوروبا تعترفان بالعالم من حولهما، ولا تريدان للنزاهة أن تصل إلى قمة الهرم في «فيفا» متى ما كان من يملكها من خارج الاتحاديين المسيطرين على الرئاسة منذ نشأت فيفا.
بديل
كشفت مصادر مقربة من تنفيذية «يويفا» عن أن الفكرة الرئيسية من تأجيل الانتخابات تهدف إلى البحث عن بديل في حالة استمرار حرمان بلاتيني، الذي لن يستطيع تنظيم حملة انتخابية في فترة العقوبة، وحتى إذا اتصل بأي اتحاد من أجل توضيح موقفه من الإدانة فإن ذلك يدخل في نطاق ممارسة نشاط متعلق بكرة القدم وهو المحظور عنه، وبالتالي سيتعرض لعقوبة جديدة.
