تحلق نصف الأميركيين او أكثر بعد مغيب أول من أمس، حول الشاشة الصغيرة لمشاهدة مباراة بطولة كرة القدم لهذا العام، بين فريقي النهائي رافنز من مدينة بلتيمور المجاورة لواشنطن والفورتيناينر من مدينة سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا. وإذا كانت البطولة في أي رياضة حدثا مشحونا بالحماس والتشجيع ومشاعر الانحياز الرياضي، فإن هذه المناسبة في أميركا حدث فريد، من حيث طبيعة هذه اللعبة الغريبة وحجم موازناتها، التي تشكل صناعة ضخمة يتوجها يوم البطولة الذي تصل أرقام كلفته ومشتقاتها إلى مليارات الدولارات.
كرة القدم الأميركية، اسم لغير مسمى. هي لعبة يد وليس فيها دور للقدم إلا في ثلاثة فواصل خاطفة: لحظة بدء المباراة وبدء الشوط وتسجيل النقطة الإضافية بعد اختراق الخط الدفاعي الأخير للخصم. حتى كرتها مختلفة. بيضاوية وليست دائرية. قوانينها معقدة. مدة اللعب ساعة موزعة على أربع وصلات تفصل بين أول اثنتين وآخر اثنتين، فترة استراحة لمدة 15 دقيقة. لكن المباراة تمتد عملياً لثلاث ساعات، لأن الوقت لا يسري إلاّ في لحظات اللعب الفعلي فقط. ليس فيها ما يدنو من براعة ورقي توزيع الكرة في الفوتبول التقليدي المعروف في كل العالم والذي بالكاد بدأت تتعرف عليه أميركا.
أسلوب خشن
لا تشبهه إلاّ من حيث عدد اللاعبين: 11 لكل فريق. لكن فرادتها الحقيقية، في خشونتها. هي صورة من صور العنف الأميركي بثوب رياضي. تعكس ثقافة المنافسة الكاسرة. يطغى فيها العضل على الفن. تبدو أقرب إلى المكابشة ولو في حدود وضمن ضوابط. تحتاج إلى مجموعة من الحكّام في الملعب بالإضافة إلى شبكة كاميرات تلتقط المشهد من كافة الزوايا؛ من أجل ضمان الالتزام بقواعدها. ولأنها عنيفة، فهي تحتاج إلى بنية جسدية قوية، يخضع اللاعب فيها إلى التدريب والتمارين القاسية على مدار السنة؛ بحيث يتحول إلى كتلة من العضلات يتراوح وزنها بين 250 باوند و300 او أكثر.
تاريخ اللعبة
انطلقت كرة القدم الأميركية من الجامعات سنة 1873. بدأت بأربعة فرق، في نيويورك وجوارها. ولا زالت للجامعات الكبرى فرقها الطلابية التي تتبارى بينها عادة يوم السبت في نفس موسم كرة القدم للمحترفين الذي يمتد بين أوائل سبتمبر ومطلع فبراير مبارياته تكون يوم الأحد بالإضافة إلى واحدة مساء الاثنين ، ولا زالت الجامعات تشكل المصدر الذي يمدّ فرق الاحتراف الـ32 باللاعبين. وهذه الفرق موزعة عموماً على الولايات الكبيرة والأغنى بالتجمعات السكانية المدينية. فالطالب المؤهل سرعان ما يجد الفريق المناسب للتعاقد معه. والعائدات المالية مغرية: متوسط البدل الذي يتقاضاه اللاعب المحترف يصل إلى حدود مليوني دولار في السنة. هذا عدا عن المكافآت التي يحصل عليها.
خاصة عند الفوز بالبطولة. أيضاً عدا عن المردود الذي يجنيه من مشاركته في الدعايات التجارية، إذا كان من أصحاب الأسماء البارزة والمحبوبة التي تدفع بالشركات إلى توظيف صورته واسمه. مع ذلك يتقاضى لاعب كرة القدم أقل من اللاعب اللامع في كرة السلة أو في لعبة البايسبول، أو حتى في لعبة الهوكي. نجوم هذه الألعاب يتفوقون على نجوم هوليوود بالشهرة والمداخيل المالية. أحدهم، تعاقد مع فريق "يانكي" للبايسبول في نيويورك، بأجر بلغ 228 مليون دولار لمدة عشر سنوات.
