حتى زمن قريب كانت الفيفا نموذجا رائعا للديمقراطية في العالم .. بل كانت امبراطورية الديمقراطية و العدالة و النزاهة و القيم النبيلة ... و نكاد نجزم أن ديمقراطية الفيفا بما هي مؤسسة رياضية لا يوجد مثلها في العالم.. و لكن هذه الامبراطورية العظمى تهاوت و سقطت هذه الأيام.. و باتت نموذجا مثاليا للدكتاتورية و الفساد...!
فبمجرد إعلان القطري محمد بن همام ترشحه لرئاسة الفيفا قامت الدنيا و لم تقعد ... و توحد الغرب ضد العرب..!!
نبشت الصحافة الانجليزية في ملفات اختيار قطر لتنظيم مونديال 2022 بعد صمت أكثر من 5 أشهر .. و صحا ضمير نائب رئيس اتحاد الكونكاكاف ليسرد أحداث ضيافة كان أقامها بن همام يومي 10 و 11 مايو الماضي في إطار الترويج لحملته الانتخابية... و اتهمه بالرشوة لشراء الأصوات..
واستأسد بلاتر و ظلم و تجبر في عرشه من أجل إرغام بن همام على سحب ترشحه و الانسحاب من سباق رئاسة الفيفا .. ليبقى بلاتر و حيدا دون منافسة..!! لقد خشي بلاتر الأوروبي الديمقراطي الانتخابات و لجأ الى التزكية !!!
بلاتر القذافي
و هذا المشهد يذكرنا بالانتخابات الزائفة في دولنا العربية حيث غالبا ما يكون المترشح واحدا و نسبة الفوز 99,99 % !! ألم تكن الفيفا النموذج الرائع في الديمقراطية ؟ فلماذا نزعت الثوب الجميل و ارتدت اليوم ثوب الديكتاتورية؟
لماذا خشي بلاتر بن همام ؟ و لماذا توجس من المنافسة؟ أليس كرة القدم منافسة ؟ و أليس الفيفا هو امبراطورية كرة القدم؟؟
قد يكون الجواب عن هذه الأسئلة غاية في البساطة !! إن بلاتر العجوز لا يريد ترك كرسي الرئاسة!!! يريد البقاء به حتى الموت.. تماما مثلما يعشق الحكام العرب كرسي الحكم.. و تماما مثلما تمسك به زين العابدين بن علي لمدة 23 عاما وحسني مبارك 32 عاما و معمر القذافي 42 عاما!!!!
إن أوجه التقارب و التشابه عديدة بين الفيفا و الحكومات العربية الفاسدة ( مثلما كان عليه الحال في تونس و مصر و ليبيا)
و لا شك أن تمسك بلاتر بكرسي رئاسة الفيفا مظهر سيء لا يعكس ديمقراطية الفيفا.. بل أن الرجل رفض حتى مبدأ المنافسة في الانتخابات .. وشن حربا ضروسا على القطري و خلق جدلا كبيرا.. و شوه صورة الفيفا..
و كان على بلاتر أن يرحل قبل أن يفرض الرحيل على بن همام !!!
لكن كلمة أرحل التي كانت عنوان الثورة العربية في تونس و مصر و ليبيا و اليمن أصابت بلاتر بالصداع عندما وجهت إليه إحدى الصحفيات نقلا عن جاك وارنر ( نائب رئيس الفيفا)
يبدو واضحا أن بلاتر يريد البقاء في الفيفا الى الأبد لو كان يسمح له العمر بذلك.. و حب الاستمرار في كرسي الرئاسة ليس من مبادئ الديمقراطية.. و في الحقيقة فإن بلاتر لاح خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده أول أمس أشبه بمعمر القذافي في خطاباته .. وهذيانه وقمعه للحاضرين .. وألم يقل للصحافيين عليكم أن تحترمونني فأنا خدمت الفيفا 35عاما؟؟ و صاح فيهم اصمتوا!!! و يقول لهم : من أنتم ؟!!!!!
لقد سقطت امبراطورية الفيفا .. و تلاشت مثلما سقطت من قبلها و تلاشت امبراطوريات كبيرة كثيرة!!
كما تشوهت صورة الفيفا الناصعة و باتت اليوم سوداء قاتمة .. لقد انقلبت القيم في صلبها .. فالنزاهة تحولت الى تلاعب و الأمانة أصبحت خيانة.. و المصلحة تحولت الى فساد و الشفافية حلت محل الخداع..!!
تحتاج الفيفا بعد الذي حصل اليوم الى كثير من الوقت لتستعيد سمعتها و تلمع صورتها .. وتطهر كرامتها.. لأنه من السهل جدا أن ندمر .. ولكن من الصعب أن نبني و نصلح!!!
لطالما اعتبر جمهور الرياضة الفيفا أقوى من الأمم المتحدة و تباهى بها وبمبادئها و قوانينها و نزاهتها.. و لكن الفيفا فقدت هيبتها اليوم و باتت سمعتها السيئة على طرف لسان الصغار و الكبار..
و لطالما اعتبر جمهور الرياضة أن بلاتر أقوى من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ومن قبله كوفي عنان..وذلك بفضل سلطته الواسعة حيث يحكم جميع اتحادات الكرة في العالم .. وتعليماته تنفذ بسرعة و صرامة .. واستطاع أن يفرض على الحكومات عدم التدخل في الكرة .. فبات بالتالي لبلاتر دولة داخل كل دولة!!!
و لكن بلاتر فقد الجاه و السلطة اليوم نظرا لحبه المفرط للجاه و كرسي السلطة!!!
الحلم العربي
في عام الربيع العربي نقل القطري بن همام الثورة العربية الى أرجاء الفيفا متحمسا بشجاعة البوعزيزي و متحديا العالم بكل ثقة و اقتدار...مؤكدا أن للعربي حلما و طموحا .. وثقة بنفسه في النجاح و اعتلاء القمم .. و إن كانت رئاسة الفيفا..!!
و لكن ترشح بن همام أصاب العالم بالذهول و الجنون و هو الذي لم يستيقظ بعد من سكرته من فوز قطر بتنظيم مونديال 2022. فلئن اتحد العرب خلف ممثلهم وعزموا على التصويت له بمساندة من آسيا ودول أفريقيا و الكونكاكاف سخر الغرب من الحكاية و بدأ يدبر المكايد و الحيل حتى أسقطه قبل أن تبدأ المعركة.. ليبقى عرش الفيفا حكرا على أوروبا!!
فإذا كان الفيفا يدعي الديمقراطية لماذا كافح في انتخابات 2002و أسقط الافريقي عيسى حياتو.. و عاند و استبسل و أقصى بن همام من انتخابات اليوم؟
أليس للعرب حقا في رئاسة الفيفا؟
أين مبدأ التداول ؟ فالفيفا منذ تأسيسها عام 1904 تداول عليها 10 رؤساء منهم 9 من أوروبا وواحد فقط من البرازيل هو هافلانج!!!
أين ممثلو بقية القارات ..و أين شعار مبدأ التداول الذي طالما ردده بلاتر؟
لماذا يمارس بلاتر مبدأ التداول في احتضان المونديال وأقره في كل القارات فاحتضنت جنوب افريقيا المونديال الأسمر لأول مرة ..ومنح قطر مونديال 2022 ليحل الحدث الكروي الأكبر في العالم للمرة الأولى في الشرق الأوسط و يغلق الباب من حديد في وجه العربي بن همام؟؟
تشويه صورة العرب
بل أن بلاتر و من خلفه ماكينة الإعلام الغربية شوه بن همام بلاتر العربي و قدمه في صورة المرتشي وغير المؤهل لتحمل المسؤولية .. و شخص لا يؤتمن .. لقد حبك سيناريو ذكرني بالسيناريو الأميركي الذي قدم فيه صدام حسين للعالم وهو قابع في حفرة ذو لحية طويلة وسخة ملطخة بالتراب..!!!
كل هذا لأن بن همام تحمل على نفقته مصاريف اجتماع برؤساء اتحادات دول الكونكاكاف خصصه للتعريف بحملته الانتخابية!!
ألم يفعل بلاتر مثله و أكثر ؟ وهو الذي يجوب العالم و يقابل رؤساء الدول و تسلم الهدايا وسلم الهدايا؟؟؟ ألم يوعد بلاتر رؤساء الاتحادات المحلية ببناء الملاعب و توفير التجهيزات الرياضية في حال صوتوا له؟ ألا يعد ذلك ضربا من ضروب الرشوة؟
بل أن بلاتر يروج لحملته الانتخابية بأموال الفيفا و هذا خرق للقانون أشد فظاعة مما قام به بن همام!! فإكرام بن همام لضيوفه يمكن أن نعتبره من كرم الانسان العربي .. أما الحواسيب و الملايين التي وزعها بلاتر حسب ما رواه جاك وارنر فما هو مبرره؟؟
لقد انتهى زمن الفيفا .. وسقطت الديمقراطية و اليوم تدشن بداية عهد جديد وهو عهد الديكتاتورية..بانتخابات تقام بزيوريخ بمترشح واحد هو بلاتر..!!
فأي مستقبل للفيفا ؟؟ و أي مستقبل لكرة القدم؟؟
