فجر القطري محمد بن همام مفاجأة من العيار الثقيل، بعد أن صافح خيوط الشمس الذهبية، أمس الأحد، بإعلان انسحابه من سباق الترشح لرئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، أمام الرئيس الحالي السويسري جوزيف بلاتر، ورغم الأجواء الربيعية التي تشهدها العاصمة السويسرية زيورخ، فإن أوراق ترشيح ابن همام تناثرت بين شوارع أجمل مدن العالم، لتحول المنظر إلى خريف حار ألهبته سخونة الاستدعاء الذي قدمته لجنة الأخلاق بالفيفا لابن همام وجاك وارنر ومن بعدهما بلاتر، ليحوم الشك المبرر حول امكانية عقد صفقة تاريخية بين تلك الأطراف، الكل يخرج منها بأقل الأضرار وبمكاسب من النوع الكبير..!!
إعلان ابن همام انسحابه المفاجئ، وهو الذي كان قبلها بأربع وعشرين ساعة يؤكد أنه ماض نحو كرسي الفيفا، يؤكد أن الأمور كادت تصل لتسونامي حقيقي، وهو الوصف الذي أطلقه جاك وارنر، عندما ألهب قلوب الصحافة العالمية بهذا التصريح، مؤكداً أنه سيفتح دفاتر قديمة وحديثة ستسقط رقاباً لا حدود لها داخل منظمة الفيفا الكروية، التي فاحت رائحة الفساد فيها وأصبحت عرضة كبيرة للنقد والشكوك المتلاحقة.
قطوف من بيان ابن همام:
«انطلقت أهدافي بشكل واضح لتعزيز قضية الديمقراطية داخل كرة القدم، من خلال الالتزام بالشفافية والمساءلة، وبتوسيع عمليات صنع القرار.
وبالإضافة إلى ذلك، كنت أرغب في إثارة النقاش حول التغيير في كرة القدم، لخير كرة القدم.
كنت أريد أن يكون المستقبل مشرقاً.
يحزنني أن الترشح للأسباب التي كنت أؤمن بها، كان له ثمن باهظ وهو تآكل سمعة الفيفا. ليس هذا ما كان في ذهني للفيفا، وهو أمر غير مقبول.
لن أسمح للاسم الذي أحببته أن يتشوه، بسبب التنافس بين شخصين.
اللعبة نفسها والناس التي تحبها حول العالم، يجب أن يتم وضعهم في الاعتبار أولاً. لهذا السبب أعلن انسحابي من انتخابات الرئاسة. وأنا لن أضع طموحي الشخصي قبل كرامة كرة القدم وسلامتها.
علاوة على ذلك، أعتقد أن ترشيحي كان حافزاً للنقاش داخل الفيفا وأدى إلى تغيير في جدول الأعمال.
إن انسحابي ليس له علاقة بالتحقيق التي أجرته لجنة الأخلاق، سأظهر كافة أدلة براءتي.
أعد هؤلاء الذين وقفوا من قبل معي بأنني سوف أمشي مرفوع الرأس، وسنواصل الكفاح من أجل مصلحة اللعبة.
أود أن أقدم شكري وتقديري لجميع الجمعيات الأعضاء والأفراد الذين ساندوني.
لدي شكر خاص لصديقي وزميلي جاك وارنر على دعمه غير المحدود. يؤسفني أن أكون سبب معاناة يمر بها، لكنني أعده أنني سوف أكون معه في السراء والضراء.
إنني أتطلع إلى العمل عن كثب مع زملائي لاستعادة سمعة كرة القدم، في ما ينبغي أن نكونه، حماة للعبة، من خلال الشفافية والنزاهة والمساءلة».
لماذا خاف ابن همام من الحقائق..؟
في بيانه يقول محمد بن همام «يحزنني أن الترشح للأسباب التي كنت أؤمن بها، كان له ثمن باهظ وهو تآكل سمعة الفيفا. ليس هذا ما كان في ذهني للفيفا، وهو أمر غير مقبول».
هذا التلويح العلني يؤكد ان الفيفا يعاني من تصدعات رهيبة، ثمن الإعلان عنها باهظ الى حد اتخاذ قرار كبير وتاريخي مثل قرار الانسحاب من منافسة بلاتر، كما يكشف ان أموراً كثيرة يحارب متنفذي الفيفا إبقاءها طي الكتمان، حتى لا تتعرى حقيقة هذه الإمبراطورية المهيمنة على اكبر اقتصاد كروي بالعالم..
هل عقد ابن همام صفقة مع بلاتر؟؟
سؤال مطروح وبقوة لمن يعرف جوزيف بلاتر جيداً، وانجرافه نحو الدبلوماسية الرياضية الهادئة، لكن الامر مختلف مع ابن همام، فهو يحمل جينات العربية حادة، لا يمكن ان يرضخ معها لأي ضغوط. ونقطة ضعفه الوحيدة تقع في تقديره لمسؤولين محددين لا يمكن ان يقول لهم «لا» مهما كانت الظروف المحيطة به، وهو الأمر الذي يعزز توجه ابن همام لتفيذ نصائح أو مطالب جانبية تزامناً مع المسار الذي يقول (باب يجيك منه ريح صكه واستريح)..!!
شفافية فيفا على المحك..!!
هل يمكن اعتبار انسحاب ابن همام أمراً طبيعياً؟؟ الاجابة حتماً: لا..!!
دراماتيكية الأحداث التي تكشفت منذ إعلان ابن همام ترشحه للفيفا، تؤكد ان السيطرة المطلقة على الامور كانت لبلاتر، على اعتبار رئاسته للفيفا، وتمتعه بمزايا المنصب، وان ابن همام ما كان ليرشح نفسه إلا عندما أدرك أن ورقة بلاتر في طريقها للسقوط، خاصة وأن الأخير لم يكن متحمساً جداً لأن تفوز قطر بتنظيم كأس العالم 2022، علاوة على ان ابن همام رجل ناجح وسجله العملي مميز، ومن هذا المنطلق أصبح التوتر سيد الموقف، لتتصاعد الأمور حتى وصلت للمنطقة المحظور على اعضاء وكبار الفيفا الحديث عنها، والتي تتضمن التشكيك بنزاهة الفيفا المالية والإدارية وهو الخط الاحمر الذي اشتعل ليمارس كل طرف لعبته الانتخابية، وبالطبع نجح صاحب الكرسي الوثير بلاتر، وآثر ابن همام الانسحاب قبل ان تصل الأمور خلال اجتماع الجمعية العمومية للفيفا إلى حد ربما يخرج عن سياق المتوقع، ساعده بذلك ضغوط اللحظات الأخيرة ودخول «أبناء الحلال» للصلح والاتفاق «الجنتلمان» على مزايا المرحلة المقبلة لكل الاطراف..!!
اليوم يجب ان يكون خطاب الفيفا شفافاً عبر لجنة الاخلاق ليعرف العالم ماذا حصل بالضبط، وهو المحك الذي سيشهد على شفافية الفيفا من عدمها..!!
هل دفع ابن همام رشوة لأعضاء الكاريبي؟؟
بحكم الصداقة والزمالة اتجه بن همام للاتحاد الكاريبي، الذي يرأسه الترينيدادي جاك وارنر، اتحاد الكونكاكاف، (اميركا الشمالية والوسطى والبحر الكاريبي) للاجتماع بالأعضاء وعرض برنامجه الانتخابي وبحسب ما تم نشره رسمياً فإن ابن همام دفع كافة أتعاب الاجتماع للاعضاء، بمعرفة بلاتر، كرئيس للفيفا، وفق ما قاله وارنر، بعد الكشف عن ذلك، وقتها لم يعارض بلاتر، بل وضعها في مدونة ملاحظاته ليكشفها في الوقت المناسب وقد نجح أيما نجاح..!!
ابن همام رجل ذكي وسياسي رياضي محنك، اجتاز اختبارات انتخابية عدة في القارة الآسيوية رغم ان عاصفة المعارضة كانت اقوى مالياً ومعنوياً، لكنه يتمتع بالذكاء والدقة في المسارات الانتخابية، ولذلك كان تكتيكه ناجحاً من خلال مسار الاتجاه للفيفا، الأمر الذي أربك بلاتر وجعله يؤكد أن فوز ابن همام يعني رجوع الفيفا لمربع الصفر..!!
الأكيد ان في جعبة الطرفين ما يملأ صفحات التاريخ الرياضي ويثيره، لكن المدهش أن يصلا الى حد إزكام الأنوف بأخطر القضايا، وهي (الرشوة)، ما يعني أن الأمر خطير جداً وستفك شفرته لا محالة إلا إن كان الجميع متواطئاً في المشكلة؟؟
تسونامي الحقائق.. هل ينفجر؟؟
هدد وارنر بأن الفيفا سيتعرّض لموجة تسونامي تهز عرشه. وأكد وارنر مجدداً بأنه لا وجود «لأي ذرة خطأ من جانبه». وقال في تصريحات إعلامية «سأقول لكم شيئاً، سترون تسونامي حقيقياً في الأيام المقبلة سيضرب الفيفا وسيصدم العالم».
وتابع «لقد حان الوقت لكي اخرج عن سكوتي وسترون. الأمر قادم وثقوا بكلامي، لأنكم سترونه الآن والاثنين».
وكرر وارنر تصريحاته ومفادها، «أنه لم يقم بأي شيء خاطئ وأنّه غير معني باجتماع الأحد».
وأضاف متوجهاً بكلامه إلى الصحافيين «ليقوموا بعملهم، فلا مشكلة لدي على الإطلاق، لكنني سأخرج مرفوع الرأس لأنني وأكررها للمرة الألف لم ارتكب أي ذرة خطأ».
وكشف «أنا موجود في الفيفا منذ 29 عاماً على التوالي، وكنت أول شخص من البشرة السوداء الذي مكث في الاتحاد الدولي على هذا المستوى، لقد جئت من أصغر دولة على الإطلاق ودخلت اللجنة التنفيذية. ليس هناك دولة أصغر من ترينيداد وتوباغو ممثلة في اللجنة التنفيذية للفيفا. أنا أملك نفوذاً ربما أكثر من رئيس الاتحاد الدولي نفسه، وبالتالي لدي حسادي».
كانت هي كلمات وارنر قبل اعلان ابن همام الانسحاب والعالم يترقب ان يواصل التسونامي الإعلامي انفجاره حتى بعد انسحاب ابن همام التاريخي، لأن وارنر اكد بما لا يدع للشك مجالاً، ان منظومة الفيفا منظومة فاسدة لا يتم التعامل مع وقائعها سوى بالتهديدات الفضائحية، حيث تنكمش المصالح وتتمدد وفقاً لتلك التهديدات وجديتها.
