إذا كان 2010 يُطلق عليه «عام أفريقيا» في أوساط كرة القدم العالمية، فإن ما تركته هذه السنة في الأذهان هو ذلك الاحتفال الرائع بكأس العالم الذي قضى على كافة الشكوك التي سبقت انطلاق هذا الحدث الكروي العالمي. حيث أتت الاستضافة الناجحة لهذه البطولة التي تُقام كل أربع سنوات بمثابة إعلاء من شأن أفريقيا في عيون المجتمع الدولي، ولم يسبق أن تحدث أبناء القارة السمراء بكل هذا الحب والفخر عن أفريقيا التي أثبتت جدارتها بتنظيم العرس الكروي العالمي. ولجنوب أفريقيا خاصة، فقد شكّل المونديال فرصة ثمينة لتغيير الصور النمطية وإرسال تحية محبة ومودة إلى العالم بأسره بطريقة استثنائية.
أما كروياً، فقد أصبحت أفريقيا الآن على مفترق طرق، حيث يبدو أن منتخباتها تكتسب المزيد من المهارات والخبرات وتلوح بشائرها بأنها ستتحول إلى قوة عالمية، لكنها في الوقت نفسه تتعرض لخطر التقهقر مجدداً. فمن خلال مشاركة ستة منتخبات أفريقية في كأس العالم، شكلت سنة 2010 فرصة مثالية لإظهار مدى تطور وضع كرة القدم في القارة السمراء، لكن النتائج على المستطيل الأخضر أتت متفاوتة. ويأخذكم موقع الفيفا في جولة على سنة حافلة بالنجاحات والإخفاقات في عالم كرة القدم الأفريقية.
انتصارات مثيرة
فشلت مصر في التأهل إلى جنوب أفريقيا 2010 بعد ملحق ناري مُنيت فيه بالخسارة من الجزائر عام 2009، لكن العام المنصرم شهد استمرار تألق الفراعنة على الساحة القارية وتربعهم على عرش كأس الأمم الأفريقية للمرة الثالثة على التوالي في إنجاز لم يسبقهم إليه أحد حتى الآن. ويُشهد لأبناء النيل أنه لم يتمكن أي منتخب من الوقوف في وجههم، حيث فازوا في مبارياتهم الست ولم يتجرعوا مرارة الهزيمة في أنغولا.
أما الفريق الذي خرج مهزوماً من المباراة النهائية فقد كان منتخب غانا تحت إمرة المدرب الصربي المخضرم ميلوفان راييفاتش الذي لاحق لاعبيه شبح الإصابات، لكن ظهور جيل جديد من اللاعبين الغانيين - الذين كان معظمهم من النجوم الشبان الذين فازوا بكأس العالم تحت 20 سنة مصر 2009 - وبروز المهارات التهديفية لأسامواه جيان شكلت نذيراً بأن غانا قادمة وبقوة إلى الساحة الكروية العالمية.
النجوم السوداء تسطع
فقد تمكن المنتخب الأفريقي الأفضل في «كأس العالم الأفريقي» من التغلب في مباراته الأولى على صربيا بفضل هدف أتى بتوقيع جيان من ضربة جزاء في الدقائق الأخيرة بالمباراة. وكرر هذا النجم المتألق فعلته بهدف غالٍ جداً للنجوم السمراء سجله في الوقت الإضافي من المباراة مع الولايات المتحدة ليضمن فوز فريقه في لقاء دور الستة عشر. وبفضل هذه الانتصارات تمكنت غانا من تكرار ما نجحت في تحقيقه الكاميرون عام 1990 والسنغال عام 2002 بالتأهل إلى الدور ربع النهائي من كأس العالم .
رغم أن جنوب أفريقيا كانت الدولة المستضيفة الأولى للمونديال التي تفشل في تجاوز الدور الأول، إلا أن منتخب بافانا بافانا ودّع مشجعيه بنصر مشرف بهدفين لهدف على المنتخب الفرنسي الذي سبق وتربع على العرش العالمي، وذلك في ملعب بلومفونتين الذي غصّ بالمشجعين عن بكرة أبيه. لكن الإقصاء من البطولة نتيجة فارق الأهداف لم يغطِّ على شعور الفخر الذي ساد في بلاد قوس قزح باستضافة هذا العرس الكروي، ولم يجعل عُشاق المستديرة الساحرة ينسون ذكريات الفوفوزيلا التي لا يزال صداها يتردد في الأجواء.
وبالنسبة إلى نيجيريا، فقد تمكن منتخبها من احتلال مركز الوصيف في بطولة كأس العالم للسيدات تحت 20 سنة التي استضافتها ألمانيا هذا العام، وهو الإنجاز الأفضل للكرة الأفريقية على صعيد المنتخبات النسائية في البطولات التي ينظمها الفيفا. والانتصار الأهم في تلك البطولة كان بنتيجة ركلات الترجيح على المنتخب الأميركي صاحب اللقب في الدور ربع النهائي الذي سبق وفشلت نجمات نيجيريا الشابات بتجاوز عتبته في النسخ الثلاث الماضية من البطولة.
مازيمبي يتألق
أما على صعيد الأندية، فقد كانت كأس العالم للأندية البطولة الوحيدة التي تمكنت فيها أفريقيا من مجاراة بقية فرق العالم. فبعد سنوات من النتائج المخيبة للأمل، أصبح تي بي مازيمبي أول فريق غير أوروبي أو جنوب أميركي يصل إلى المباراة النهائية من هذه البطولة بعد أن تمكن من التغلب على إنترناسيونال البرازيلي بهدفين نظيفين في نصف النهائي.
وقد أتت مشاركة قائد المنتخب الكاميروني صامويل إيتو في كأس العالم متواضعة للغاية، كما هو الحال مع زملائه في الفريق الذين خرجوا من المنافسات باحتلالهم المركز الأخير في ترتيب مجموعتهم دون أن يحصدوا أية نقطة. لكن نجاحات إيتو مع نادي إنتر ميلان، الذي اكتسح الميادين الأوروبية، كانت كافية لجعله يظفر بجائزة «أفضل لاعب في أفريقيا» للمرة الرابعة، وهو إنجاز قياسي في القارة السمراء.
نجوم جدد
ما من شكّ في أن المهاجم المصري محمد ناجي «جدّو» كان أبرز اسم سطع نجمه خلال كأس الأمم الأفريقية في أنغولا، ورغم أنه لم يسبق أن سجل للفراعنة سوى هدف واحد، إلا أنه تمكن من هزّ الشباك خمس مرات من خمس مشاركات كلاعب بديل، بما في ذلك هدف الفوز في المباراة النهائية.
أما أسامواه جيان ابن الخامسة والعشرين، فمن المؤكد أنه سينظر إلى عام 2010 على أنه الأفضل في مسيرته الكروية القصيرة، فبعد أن سجل ثلاثة أهداف في كأس الأمم الأفريقية، بما في ذلك هدفا الفوز في مباراتين، شارك جيان في كأس العالم مع تشكيك البعض بقدراته ومواهبه الكروية. لكن مع غياب القائد الفذّ للمنتخب مايكل إيسيان، تحوّل جيان إلى أمل غانا ومن ثم ورقتها الرابحة، حيث سجل ثلاثة أهداف في المونديال وساهم في زيادة ثقة فريقه إلى حدٍّ كبير.
مواهب
وقد وقفت إلى جانب جيان في صفوف المنتخب الغاني مجموعة ممتازة من المواهب الواعدة، أبرزها لاعبا خط الوسط أندريه أيو «ديدي» وكوادوو أسامواه، اللذان يبلغان من العمر 21 و22 عاماً على التوالي. وقد وصل أيو، وهو ابن عبيدي بيليه أسطورة النجوم السوداء، إلى القائمة النهائية للاعبين المرشحين لنيل جائزة هيونداي لأفضل لاعب شاب، بينما تم اختيار أسامواه نهاية هذه السنة كأفضل لاعب واعد من قبل اتحاد كرة القدم الأفريقي .
تشابالالا يعلن بدء المنافسة النارية
لم يفتتح سيفيوي تشابالالا سجل التهديف في كأس العالم فحسب، بل استهل من خلال هدفه في شباك المكسيك مشوار جنوب أفريقيا كدولة مضيفة بأجمل صورة ممكنة. وقد بدا من خلال هذا الهدف، أن أحفاد مانديلا ربما يتمكنون من التغلب على الخصوم والتأهل عن مجموعة صعبة، لكن رغم فشل أبناء قوس قزح في تجاوز العقبة الأولى، إلا أن تلك كانت لحظة كافية لجعل مواطني جنوب أفريقيــا يتذوقون طعم النصر.
جيان يسجل من ركلة الترجيح
بعد ثلاثة أسابيع من هدف تشابالالا، شهد ملعب سوكَر سيتي لحظة أخرى سيخلدها التاريخ. فبعد دقائق من فشله في ترجمة ضربة جزاء إلى هدف في الدقيقة الأخيرة من الوقت الإضافي في مباراة ربع النهائي أمام أوروجواي (وهو هدف كان كفيلاً بجعل غانا الدولة الأفريقية الأولى التي تصل إلى الدور نصف النهائي في تاريخ كأس العالم) سجل جيان هدفاً من أول ركلة ترجيح لفريقه. ورغم أن النجوم السمراء خرجت من المنافسات بعد دقائق قليلة، إلا أن أحداً لا يستطيع سوى أن يرفع القبعة للأداء المشرف لهذا المهاجم المغوار وأن يتذكر دائماً هذه اللحظات التي وحّدت القارة السمراء بأجمعها وراء جيان ورفاقه.
