كشفت الأزمة التي اندلعت بين النجم الفرنسي كيليان مبابي والصين، بسبب صورة ساخرة جمعته بالزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ، عن قصة بدأت بمزحة على مواقع التواصل الاجتماعي قبل أكثر من ثلاث سنوات، وتطورت إلى خسارة مهاجم ريال مدريد عقودًا إعلانية، وتعليق بث مباريات الدوري الإسباني في الصين، فيما ظهرت تفاصيل جديدة بشأن هوية صاحب الصورة، وحقيقة علاقة مبابي وأصدقائه بتصميمها، إلى جانب تطورات الموقف الصيني ومصير المقاطعة بعد اعتذاره الرسمي.
وكشف الفرنسي يونس خليفي، صاحب حساب «frenchaicovers» على منصة «إكس»، أنه يقف وراء أحد المقاطع الساخرة التي صورت مبابي على هيئة ماو تسي تونغ، موضحًا أن العمل الذي نشره في أغسطس 2023 كان في الأصل مجرد مزحة لإضحاك أصدقائه، دون أن يتوقع أن يتحول بعد ثلاث سنوات إلى أزمة تطال اللاعب وناديه والكرة الإسبانية.
وأوضح خليفي، وهو مدرس للتاريخ والجغرافيا في شمال فرنسا ومشجع لباريس سان جيرمان، في تصريحات لمجلة «So Foot» الفرنسية، أنه فوجئ بالانتشار الكبير للمقطع، بعدما استيقظ ليجد اسمه مرتبطًا بأزمة تجاوزت كرة القدم، ودفعته إلى التساؤل عن احتمال تعرضه لملاحقة قانونية من جانب مبابي.
وقال ساخراً إنه استيقظ ليكتشف أنه تسبب في أزمة دبلوماسية، مضيفاً أنه شعر بالقلق في البداية من احتمال مطالبة اللاعب بتعويضات مالية، قبل أن يبحث في الأمر ويطمئن نسبيًا إلى موقفه القانوني.
وأكد أن هدفه كان إضحاك أصدقائه، معربًا عن أسفه للتداعيات التي تعرض لها مبابي، رغم عدم وجود نية للإساءة من جانبه، ومشيراً إلى أنه لم يتخيل أن يصل تأثير عمل ساخر إلى حقوق بث الدوري الإسباني والعقود التجارية للاعب.
وتعود جذور الصورة إلى موجة من الرسوم الساخرة التي انتشرت خلال فترة مبابي مع باريس سان جيرمان، عندما اعتاد بعض المشجعين تصويره في هيئة قادة سياسيين وعسكريين، في إشارة ساخرة إلى النفوذ الكبير الذي كانوا يعتقدون أنه يتمتع به داخل النادي الفرنسي.
ولم يكن مبابي أو أصدقاؤه، وفق المعلومات المنشورة، وراء إنتاج العمل الذي أثار الأزمة، إذ اقتصر دور اللاعب على تداوله والتعليق عليه، بينما تعود صناعة المحتوى الساخر إلى مستخدمين مستقلين على الإنترنت.
بدأت الأزمة الحالية عندما انتشر، يوم 26 أكتوبر الجاري، مقطع من مقابلة سابقة لمبابي مع البرنامج الفرنسي «The Bridge»، صورت في أبريل الماضي، وسُئل خلالها عن أكثر الصور الساخرة التي أضحكته على الإنترنت، واختار مبابي صورة يظهر فيها وجهه مركبًا على جسد شخصية صينية ترتدي زياً رسمياً، وقال إنه يعتقد أن الشخصية كانت «ديكتاتورًا صينيًا»، مضيفًا أنه يستخدم الصورة كثيرًا مع أصدقائه أثناء التواصل عبر الإنترنت.
ورغم أن اللاعب لم يذكر ماو تسي تونغ بالاسم، فإن الصورة المعروضة في المقطع كانت تشير إلى الزعيم الذي أسس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، ما أثار غضبًا في الصين، حيث يتمتع ماو بمكانة تاريخية وسياسية خاصة.
وسرعان ما تحولت التصريحات إلى أزمة تجارية ورياضية، بعدما أعلنت ثلاث شركات صينية على الأقل إنهاء تعاونها مع مبابي، وهي مجموعة «دونغبينغ» للمشروبات، وشركة «مينغنيو» لمنتجات الألبان، وشركة «ميلكغراوند» للأجبان، مؤكدة رفضها أي تصريحات أو تصرفات تمس المشاعر الوطنية الصينية.
وامتدت الإجراءات إلى وسائل الإعلام، إذ أعلنت مجموعة الصين للإعلام تعليق بث مباريات الدوري الإسباني وغيرها من المباريات المرتبطة بمبابي، إلى جانب إزالة إعلاناته، بينما فرضت منصات تواصل اجتماعي صينية قيودًا على حساباته.
ودخل الاتحاد الصيني لكرة القدم على خط الأزمة، بعدما تقدم باحتجاج رسمي إلى ريال مدريد، مطالبًا اللاعب والنادي باعتذار علني، في وقت سارعت فيه رابطة الدوري الإسباني إلى التبرؤ من التصريحات، مؤكدة أنها تعبر عن موقف شخصي للاعب ولا تمثل المسابقة.
وأمام تصاعد ردود الفعل، أصدر مبابي اعتذاراً رسمياً الثلاثاء الماضي، أقر فيه بأن تعليقه لم يكن موفقًا، وأنه أدرك حجم الأذى الذي تسببت فيه كلماته للصينيين داخل البلاد وخارجها. وأكد النجم الفرنسي احترامه الكبير للشعب الصيني وتاريخه، مشددًا على أنه لم يقصد الإساءة إلى أي شخص، وأنه يشعر بالأسف لما حدث.
كما قدم رئيس رابطة الدوري الإسباني خافيير تيباس اعتذاراً، قبل أن ينضم ريال مدريد إلى جهود احتواء الأزمة الأربعاء، معرباً عن أسفه للتصريحات ومؤكداً احترامه للشعب الصيني.
وجاء أول رد رسمي صيني على اعتذار مبابي أمس الأربعاء، عندما أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غو جياكون أن بلاده تأخذ اعتذار اللاعب على محمل الجد، دون أن يعلن انتهاء الأزمة أو رفع الإجراءات المتخذة ضده.
وذكرت وكالة «أسوشيتد برس»، أن مباريات فريق مبابي ظلت غير متاحة للمشاهدين في الصين حتى الأربعاء، رغم الاعتذارات المتتالية، فيما أكدت مجموعة الصين للإعلام تلقيها اعتذار ريال مدريد، دون الإعلان عن موعد لاستئناف البث.
وبذلك، لم يؤد اعتذار مبابي حتى الآن إلى إعلان رسمي بإنهاء المقاطعة أو استعادة عقوده الإعلانية، رغم إقرار وزارة الخارجية الصينية بتلقيه بجدية، لتظل الأزمة مفتوحة على تطورات جديدة.

