«الكنوز الخفية» مواهب خارج رادار الكبار

عبد القادر خوسانوف
عبد القادر خوسانوف
محمد قدوس
محمد قدوس
كاورو ميتوما
كاورو ميتوما
داريو أوسوريو
داريو أوسوريو
زادوك يوهانا
زادوك يوهانا


لم تعد الموهبة الكروية بحاجة إلى هدف استثنائي في بطولة كبرى، أو ظهور مفاجئ بقميص منتخب وطني، حتى تلفت أنظار العالم، فالكاميرات تلاحق اللاعبين في الملاعب والأكاديميات، وقواعد البيانات ترصد أدق تفاصيل الأداء، فيما دخل الذكاء الاصطناعي على خط اكتشاف المواهب، لتصبح خريطة كرة القدم أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى، ولكن وسط هذا التطور التكنولوجي الهائل، يظل السؤال قائماً.. هل انتهى زمن الكنوز الكروية الخفية، أم أن العالم لا يزال يخبئ مواهب تنتظر من يكتشفها؟
وتقدم قصة التشيلي داريو أوسوريو، البالغ 22 عاماً، نموذجاً مثيراً لهذا السباق. فالجناح الذي خاض 25 مباراة دولية مع منتخب بلاده، لم يكن مجهولاً عندما كان لاعباً في جامعة تشيلي، إذ دخل دائرة اهتمام أندية أوروبية بارزة، بينها ميلان ولايبزيغ وسالزبورغ، إلى جانب أندية إنجليزية وألمانية.
وانتقل أوسوريو إلى ميتييلاند الدنماركي وهو في التاسعة عشرة، قبل أن يصل إلى كريستال بالاس هذا الصيف، على سبيل الإعارة، مع خيار شراء مقابل 24 مليون جنيه إسترليني، ويؤكد كريستيان كيير، المدير الرياضي لميتييلاند، أن النادي لم يعثر على اللاعب مصادفة، بل تابعه فترة طويلة قبل التعاقد معه، وهي قصة تختصر طبيعة التحول في سوق اكتشاف المواهب، فالنجاح لم يعد مرتبطاً فقط بالعثور على لاعب لا يعرفه أحد، بل برصده مبكراً، وفهم إمكاناته، والتحرك قبل أن يتحول إلى هدف تتنافس عليه الأندية الكبرى.
البيانات تسبق الشهرة
شهدت آليات اكتشاف اللاعبين تحولاً جذرياً، بعدما تجاوزت الأندية مرحلة انتظار البطولات الكبرى، أو متابعة المواهب التي تفرض نفسها مع المنتخبات الوطنية، وأصبح بالإمكان مراقبة اللاعبين منذ سنواتهم الأولى، ومقارنة مستوياتهم، وتحليل تطورهم، وتحديد مدى ملاءمتهم لاحتياجات الفريق.
وتوفر منصات متخصصة، مثل «إيبول»، قواعد بيانات ضخمة، تضم مئات الآلاف من اللاعبين الشباب، وتجمع آلاف نقاط البيانات من المباراة الواحدة، بما يسمح بتحليل مؤشرات دقيقة، تشمل التمريرات التقدمية والمسافات المقطوعة والخصائص الفنية والبدنية.
ويقول سام تيرنر رئيس العمليات في المنصة، إن أكثر من 60% من أندية الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى، إلى جانب غالبية أندية الدوري الإنجليزي الممتاز، تستخدم المنصة للوصول إلى أكثر من 400 ألف لاعب شاب، في 42 سوقاً حول العالم.
وبدلاً من البحث العشوائي، تستطيع الأندية تحديد مواصفات فنية وبدنية بعينها، أو البحث عن لاعب يشبه في خصائصه لاعباً آخر نجح في منظومة الفريق، وهكذا، تحولت عملية اكتشاف المواهب إلى مزيج من التحليل الرقمي، والمقارنة المستمرة، والتوقع المدروس لإمكانات التطور، ولكن وفرة البيانات لا تعني أن الكمبيوتر أصبح صاحب القرار النهائي.
الأرقام لا تكفي
رغم أهمية التكنولوجيا، يؤكد كيير أن البيانات تمنح الأندية أدوات موضوعية للمقارنة، لكنها لا تستطيع وحدها حسم قرار التعاقد، وخلف الأرقام لاعب له شخصية وظروف اجتماعية وعائلية وثقافية، وقدرة متفاوتة على التأقلم مع بلد جديد وضغوط الاحتراف، فضلاً عن مدى انسجامه مع أسلوب لعب الفريق ومتطلبات مدربه.
ولهذا، يجمع ميتييلاند بين مشاهدة المباريات ومقاطع الفيديو، وشبكات الكشافين، والاستكشاف المباشر، وتحليل البيانات، في محاولة لتكوين صورة متكاملة عن اللاعب قبل اتخاذ القرار، وتبرز هنا مفارقة سوق الانتقالات الحديثة، فكلما زادت المعلومات المتاحة، ارتفعت أهمية سرعة التحرك، فاللاعب الذي يحتاج إلى موسم كامل لإثبات قدراته قد يصبح، قبل نهايته، هدفاً لأندية تملك إمكانات مالية أكبر وشبكات استكشاف أوسع، ولم يعد التحدي مقتصراً على معرفة أين توجد الموهبة، بل بات يشمل تحديد الوقت المناسب للتعاقد معها، والسعر الذي يعكس إمكاناتها الحالية والمستقبلية، والبيئة التي تسمح لها بالتطور.
خريطة جديدة للمواهب
لم تعد خريطة البحث عن اللاعبين محصورة في الأسواق التقليدية، مثل البرازيل والأرجنتين وفرنسا وغرب أفريقيا، فمناطق كانت بعيدة نسبياً عن دائرة الضوء، أصبحت تقدم أسماء تصل إلى أعلى مستويات اللعبة، وتبرز أوزبكستان ضمن الأسواق التي تستحق المتابعة، مع ظهور لاعبين مثل عبد القادر خوسانوف، مدافع مانشستر سيتي، الذي يعكس مساره قدرة المواهب القادمة من آسيا الوسطى على الوصول إلى كرة القدم الأوروبية.
وفي اليابان، ساهم تطور منظومة التدريب والانتقال من كرة القدم المدرسية والجامعية والقاعدية إلى الاحتراف، في ظهور لاعبين مثل كاورو ميتوما، الذي أصبح اسماً معروفاً في الدوري الإنجليزي الممتاز، كما تتجه الأنظار إلى أذربيجان، التي تعمل على تطوير شبكاتها المحلية لاكتشاف المواهب، بينما لا تزال أجزاء واسعة من أمريكا اللاتينية تحتفظ بمخزون من اللاعبين الذين لا يصلون بسهولة إلى الأندية الأوروبية، رغم ما يمتلكونه من إمكانات فنية، وتكشف هذه النماذج أن الأسواق الجديدة لا تعني بالضرورة ظهور المواهب من العدم، وإنما اتساع دائرة البحث، لتشمل مناطق لم تحظَ تاريخياً بالقدر نفسه من الاهتمام.
فرصة العبور
إذا كانت التكنولوجيا قد وسعت حدود الاستكشاف، فإن أفريقيا تظل واحدة من أبرز المناطق التي تحمل فرصاً كبيرة أمام الأندية الباحثة عن المواهب، ويرى توماس راندولف مؤسس شركة «ديلب هاليكسي»، أن أعداداً كبيرة من اللاعبين الأفارقة الموهوبين لم يحصلوا تاريخياً على الفرصة التي يستحقونها، ليس بسبب نقص الإمكانات، وإنما نتيجة صعوبات الوصول، والتحديات اللوجستية، والصراعات في بعض المناطق، وتركيز الكشافين على المدن والأسواق المعروفة.
وتعمل الشركة مع أندية أوروبية على متابعة لاعبين تتراوح أعمارهم بين 14 و21 عاماً، وتضم منصتها أكثر من 19 ألف لاعب في أفريقيا، ما يتيح للأندية مراقبة المواهب عن بُعد، ثم إرسال الكشافين لمشاهدتها مباشرة، عندما تبرز مؤشرات تستحق المتابعة، زمن النماذج التي يسلط راندولف الضوء عليها، النيجيري زادوك يوهانا، الذي وصل إلى برايتون بعد تجربة في السويد، قادماً من أكاديمية صغيرة نسبياً في شمالي نيجيريا.
كما يشير إلى مناطق في السنغال ومالي وتوغو وغينيا بيساو وبوركينا فاسو وبنين، حيث يمكن أن توجد مواهب لا تزال خارج نطاق الاهتمام التقليدي للأندية الكبرى، وتقدم بنين مثالاً لافتاً، مع ظهور رومين غاندونو، المهاجمة البالغة 15 عاماً، التي شاركت مع منتخب بلادها الأول، وأثارت اهتمام أندية أوروبية كبيرة، في صورة تعكس كيف يمكن لموهبة استثنائية أن تتجاوز حدود بيئتها المحلية، عندما تتوافر لها فرصة الظهور.
طرق مختلفة للاحتراف
في الماضي، كان وكلاء اللاعبين يمثلون بوابة رئيسة أمام كثير من المواهب الأفريقية للوصول إلى أوروبا، أما اليوم، فقد أصبحت الأندية أكثر قدرة على التواصل المباشر مع اللاعبين عبر قواعد البيانات، ومقاطع الفيديو، والبطولات، وشبكات الأكاديميات، وتظل بطولات كأس العالم للناشئين، من أبرز منصات اكتشاف المواهب، لأنها تجمع لاعبين من دول مختلفة، أمام عدد كبير من الكشافين، في فترة زمنية قصيرة.
ولكن الطريق إلى الاحتراف الأوروبي ليس مفتوحاً بالدرجة نفسها أمام الجميع، إذ تفرض لوائح انتقال اللاعبين القاصرين وتصاريح العمل قيوداً على بعض المسارات، ما يدفع الأندية والأكاديميات إلى البحث عن طرق قانونية مناسبة لتطوير اللاعبين، وإعدادهم للمنافسة على أعلى المستويات.
ويقدم نوردشيلاند الدنماركي نموذجاً لافتاً في هذا المجال، من خلال ارتباطه بأكاديمية «رايت تو دريم» في غانا، التي وفرت مساراً للاعبين الأفارقة الواعدين نحو الكرة الأوروبية، ومن بينهم محمد قدوس وسيمون أدينغرا وكمال الدين سليمانا، كما وسع ميتييلاند نطاق استكشافه وتطويره للمواهب، عبر شراكات خارج الدنمارك، من بينها شراكة في نيجيريا، ليصبح محطة في المسار الاحترافي للاعبين الشباب، قبل انتقال عدد منهم إلى مسابقات أكبر.
وتكشف هذه التجارب أن اكتشاف الموهبة لا ينتهي عند تحديد اسمها أو تسجيلها في قاعدة بيانات، بل يبدأ بعد ذلك تحدٍّ آخر، وهو توفير التدريب المناسب، والرعاية، وفرص المشاركة، وخطة التطور التي تنقل اللاعب من الإمكانات إلى الإنجاز.
فرنسا تخفي مفاجآتها
يعتقد البعض أن العثور على موهبة مجهولة، يتطلب السفر إلى قرى بعيدة أو أسواق كروية لم تحظَ بالاهتمام، لكن المفاجآت يمكن أن تظهر أيضاً في قلب أوروبا، ففرنسا، ولا سيما منطقة باريس، لا تزال تضم مخزوناً كبيراً من المواهب، رغم أنها من أكثر البيئات الكروية استكشافاً.
وتضم منطقة إيل دو فرانس أكثر من ألف نادٍ، ونحو 270 ألف لاعب، فيما تتيح مسابقات الشباب مواجهة أندية الهواة للأكاديميات المحترفة، ما يمنح الكشافين فرصة لمشاهدة لاعبين لا ينتمون بالضرورة إلى أنظمة الأندية الكبرى، وأحياناً، تتفوق فرق هواة على أكاديميات لأندية بارزة، مثل باريس سان جيرمان ولانس وليل ونيس، في نتائج تذكر بحقيقة مهمة، والتفوق في المراحل العمرية المبكرة لا يضمن التفوق في المستقبل.
وأفضل لاعب في الثانية عشرة من عمره، ليس بالضرورة أفضل لاعب في الثامنة عشرة، كما أن التأخر في النمو البدني أو التطور الفني، قد يحجب موهبة لا تظهر إمكاناتها الحقيقية إلا في مرحلة لاحقة، ومن هنا، فإن الاعتماد الحصري على الأكاديميات المعروفة والمنتخبات الوطنية، قد يؤدي إلى إغفال لاعبين يحتاجون إلى وقت أطول حتى يلفتوا الأنظار.
الجوهرة الخفية
تبدو كرة القدم العالمية اليوم أقرب إلى خريطة مفتوحة، تتداخل فيها خبرة الكشافين مع قواعد البيانات والذكاء الاصطناعي، وتحليل الفيديو وشبكات الأكاديميات العابرة للحدود، ومع ذلك، لم تختفِ فكرة «الجوهرة الخفية»، بل تغير معناها، والموهبة المجهولة لم تعد بالضرورة لاعباً لا يعرفه أحد، وإنما قد تكون لاعباً تراقبه جهة محدودة، لكنه لم يدخل بعد دائرة المنافسة بين الأندية الكبرى، أو لاعباً يمتلك إمكانات واضحة لم تتح له البيئة المناسبة لإظهارها.
وبينما تتسابق الأندية على اكتشاف المواهب في أعمار أصغر، تزداد أهمية التمييز بين اللاعب الذي يقدم أرقاماً جيدة في الوقت الحالي، واللاعب القادر على التطور وتحمل متطلبات المنافسة مستقبلاً، ويختصر نموذج ميتييلاند هذه الفلسفة، في التركيز على تطوير اللاعب، وتوفير بيئة متخصصة لكرة القدم، ثم فتح الطريق أمامه للوصول إلى المستوى الأعلى.
ولم يعد اكتشاف الكنوز الكروية مهمة كشاف يحمل دفتر ملاحظاته، ويتنقل بين الملاعب فقط، بل أصبح عملية متكاملة، تحتاج إلى بيانات دقيقة، وشبكات واسعة، ومشاهدة مباشرة، وخبرة بشرية، وسرعة في اتخاذ القرار، فالكنوز لا تزال موجودة، لكن السباق الحقيقي لم يعد لمن يعثر عليها فحسب، بل لمن يكتشف قيمتها مبكراً، ويمنحها فرصة النمو، ويتحرك قبل أن تتحول الموهبة الواعدة إلى صفقة بالملايين.