لماذا تحول مشجعو أرسنال إلى واحدة من أكثر القواعد الجماهيرية إثارة للجدل في كرة القدم الإنجليزية؟، وهل أصبحت الاحتفالات الصاخبة، والجدل المتواصل على منصات التواصل الاجتماعي، والشعور المتزايد بالأحقية، أسباباً كافية لتحويل جماهير النادي اللندني إلى هدف دائم لانتقادات المنافسين؟ أم أن وراء هذه الصورة عوامل أعمق ترتبط بتحولات ثقافة كرة القدم الحديثة، وطبيعة الجمهور، وطريقة صناعة النجومية والجدل في العصر الرقمي؟
فتحت مجلة "تو تو فور" هذا الملف في قراءة تحليلية ترصد أسباب تصاعد العداء تجاه جماهير أرسنال، مشيرة إلى أن الظاهرة لم تبدأ مع المدرب ميكيل أرتيتا، رغم أن حقبته شهدت زيادة واضحة في حدة الانتقادات، وإنما تمتد جذورها إلى عقود سابقة، عندما ارتبط النادي بصور نمطية تتعلق بأسلوب لعبه، وسلوكه داخل الملعب، وطبيعة جمهوره.
وتتداخل في تشكيل هذه الصورة عوامل عدة، من بينها الانتشار الواسع لقناة "أرسنال فان تي في"، والحضور الطاغي لجماهير النادي على منصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن الجدل الذي رافق أسلوب أرتيتا التكتيكي واحتفالات الفريق، وصولاً إلى تساؤلات تتعلق بالتحيزات الاجتماعية والعرقية في نظرة بعض الجماهير إلى النادي.
إشعال الجدل
رغم أن ميكيل أرتيتا قاد أرسنال إلى استعادة مكانته التنافسية والتتويج بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز لموسم 2025-2026، فإن النجاح لم يضع حداً للانتقادات، بل أسهم، وفقاً للكاتب، في زيادة حدة العداء تجاه النادي وجماهيره.
ويرى ستانلي أن شخصية أرتيتا على خط التماس، وانفعالاته المبالغ فيها، وبعض خياراته التكتيكية، إلى جانب الأسلوب الذي اعتمده الفريق، أصبحت من أبرز أسباب استياء الجماهير المحايدة، كما أثار اعتماد أرسنال على الكرات الثابتة، وطبيعة احتفالات لاعبيه، انتقادات بشأن مدى جاذبية الأداء، رغم النتائج الإيجابية التي حققها الفريق.
ولكن هذه الصورة، بحسب الكاتب، لا يمكن اختزالها في المدرب الحالي، إذ إن الجدل حول أرسنال وجماهيره يعود إلى سنوات طويلة، وتحديداً إلى حقب سابقة شهدت انتقادات لأسلوب لعب الفريق وشخصيته داخل الملعب.
الصور النمطية
يستعيد التقرير محطات من تاريخ أرسنال، عندما ارتبط الفريق باتهامات تتعلق بالتحايل، والاعتماد على مصيدة التسلل، وتقديم كرة قدم تفتقر إلى الإثارة.
ويشير أحد مشجعي النادي، بيلي هوارد برايس، إلى أن الهتافات التي كانت تستهدف أرسنال، والانتقادات التي لاحقت الفريق في حقبة المدرب جورج غراهام، تؤكد أن الجدل حول النادي أقدم بكثير من ظهور منصات المشجعين على الإنترنت، أو انتشار الصورة المرتبطة بجماهير شمال لندن.
كما يرى شاي أولوبونا، أحد مشجعي أرسنال، أن بعض الانتقادات الموجهة إلى الفريق في الموسم الماضي ارتبطت بأسلوب لعبه الذي وصفه منتقدوه بالجامد، إلى جانب التركيز على الكرات الثابتة والاحتفالات المتكررة.
ومع ذلك، فإن استمرار هذه الانتقادات لا يعني بالضرورة أن أداء الفريق وحده هو المسؤول عن الصورة السلبية لجماهيره، إذ يعتقد الكاتب أن الانتشار الإعلامي الواسع لمشجعي النادي لعب دوراً أساسياً في تضخيمها.
نقطة التحول
يمثل ظهور قناة "أرسنال فان تي في" عام 2012، بإدارة روبي لايل، إحدى المحطات المهمة في تطور العلاقة بين جماهير النادي وبقية مشجعي كرة القدم الإنجليزية.
وتحولت القناة إلى منصة بارزة تنقل ردود فعل الجماهير عقب المباريات، وتقدم نقاشات حادة وانفعالات مباشرة، ما جعلها واحدة من أشهر منصات المشجعين في بريطانيا خلال العقد الماضي، وألهم ظهور تجارب مماثلة لدى جماهير أندية أخرى.
ولكن اتساع انتشار هذه المنصات أسهم أيضاً في ترسيخ صورة نمطية عن جماهير أرسنال، خصوصاً مع انتشار المقاطع المثيرة للجدل، التي تحظى بمشاهدات واسعة وتعيد إنتاج الانطباعات السلبية عن مشجعي النادي.
ويرى ستانلي أن جماهير الأندية الكبرى تضم، بطبيعة الحال، شخصيات متعصبة ومثيرة للجدل، لكن ضخامة القاعدة الجماهيرية لأرسنال، إلى جانب نشاطها المكثف على الإنترنت، جعلت هذه النماذج أكثر ظهوراً وانتشاراً.
وهنا تتشكل حلقة متبادلة، إذ يشعر بعض مشجعي أرسنال بأنهم مستهدفون بالانتقاد والسخرية، فيردون بمزيد من التفاعل والانفعال عبر المنصات الرقمية، ما يمنح منتقديهم مادة إضافية للهجوم عليهم، ويؤدي إلى اتساع دائرة الاستياء.
جماهير جديدة
لا يقتصر الجدل على أسلوب اللعب أو الحضور الرقمي، بل يمتد إلى التحولات التي شهدتها القاعدة الجماهيرية للنادي، وطبيعة المشجعين الذين انضموا إليه خلال السنوات الأخيرة.
ويشير نيك ماندولوس، مشجع ريدينغ، إلى أن بعض جماهير أرسنال تبدو وكأنها تنظر إلى مشجعي الأندية الأخرى بتعالٍ، وهو ما يغذي السخرية المتبادلة، خصوصاً في الفضاء الرقمي.
ومن جانبه، يربط بيت ماكنليس، مشجع ليفربول، الصورة السلبية بانتشار أرسنال بين متابعي كرة القدم الجدد، معتبراً أن بعض المشجعين الذين انضموا حديثاً إلى اللعبة لا يمتلكون المعرفة الكافية بتاريخها وتفاصيلها، لكنهم يشاركون في النقاشات بصوت مرتفع وثقة كبيرة.
وتبقى هذه الآراء انطباعات فردية لا تعكس بالضرورة حقيقة جماهير النادي بأكملها، لكنها تكشف جانباً من طبيعة الصراع بين الأجيال المختلفة من المشجعين، وبين من يرون أنفسهم أصحاب ارتباط تاريخي بأنديتهم، ومن يتابعون كرة القدم عبر المنصات الرقمية الحديثة.
التحيزات العرقية
تطرح المجلة تساؤلاً أكثر حساسية حول احتمال ارتباط بعض مظاهر العداء تجاه أرسنال بتحيزات اجتماعية وعرقية، مشيرة إلى أن النادي يمتلك قاعدة جماهيرية متنوعة، ويرتبط بدرجة كبيرة بالثقافة البريطانية مقارنة بأندية أخرى في الدوري الإنجليزي الممتاز.
ولا يقدم التقرير هذا العامل باعتباره تفسيراً وحيداً أو حاسماً للانتقادات الموجهة إلى جماهير أرسنال، لكنه يرى أن تجاهل احتمال تأثير التحيزات اللاواعية في تشكيل بعض المواقف قد يؤدي إلى قراءة غير مكتملة للظاهرة.
وبذلك، تضع المجلة النقاش في إطار أوسع يتجاوز كرة القدم، ليشمل طبيعة الصور النمطية المتداولة في المجتمع، وكيف يمكن أن تتداخل مع الانطباعات التي تتشكل حول جماهير الأندية الرياضية.
صناعة الكراهية
تخلص المجلة إلى أن العداء تجاه جماهير أرسنال لا يرتبط بسبب واحد، بل هو نتاج تفاعل بين تاريخ النادي، وطبيعة أدائه في بعض الفترات، وشخصية مدربه الحالي، والانتشار الواسع لمنصات المشجعين، والتحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها كرة القدم الإنجليزية.
كما ترى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تضخيم الظاهرة، عبر منح المحتوى الأكثر استفزازاً وانتشاراً مساحة أكبر من النقاشات الهادئة والمتوازنة، ما يجعل المشجع المتعصب أكثر حضوراً من المشجع العادي في الصورة العامة.
وفي هذا السياق، لا تبدو كراهية جماهير أرسنال حقيقة مطلقة بقدر ما تعكس صورة تشكلت عبر سنوات من الجدل والمواجهات الرقمية والانطباعات المتراكمة.
وبينما يواصل النادي حصد النجاحات داخل الملعب، تبقى جماهيره في قلب معركة أخرى خارجه، معركة تتعلق بالهوية والانتماء والصورة العامة، وتكشف كيف أصبحت منصات التواصل الاجتماعي قادرة على تحويل سلوكيات فئة من المشجعين إلى حكم واسع على قاعدة جماهيرية بأكملها.
