نادراً ما تجد فريقاً يتصدر الدوري الإيطالي، ويقدم بداية تفوق التوقعات، ثم يخوض مبارياته على ملعبه أمام مدرجات شبه خالية، لكن هذا هو المشهد الصادم الذي يعيشه لاتسيو، في واحدة من أغرب المفارقات الكروية هذا الموسم.
ففي الوقت الذي يقود فيه جينارو جاتوزو الفريق نحو بداية واعدة، اختار جمهور لاتسيو طريقاً آخر، بمقاطعة ملعب الأولمبيكو وتحويل المدرجات الخالية إلى رسالة احتجاج صريحة ضد مالك النادي كلاوديو لوتيتو، ولعل أكثر ما كشف حجم الأزمة، ومنها التصريح الهادئ والحزين الذي أطلقه غاتوزو عقب التعادل 2 ــ 2 مع ميلان، بعدما فرط فريقه في تقدمه بهدفين.
وقال غاتوزو: «كرة القدم بدون جماهير سيئة للغاية، وأعتقد أنه من الأفضل البقاء في المنزل»، ولم تكن تلك النبرة تشبه غاتوزو الذي اعتاد إطلاق التصريحات النارية والمثيرة للجدل، سواء خلال مسيرته التدريبية أو في مؤتمراته ومقابلاته التلفزيونية، لكنها هذه المرة كانت أقرب إلى الحزن منها إلى الغضب، لأن المدرب وجد نفسه يقود فريقاً متصدراً وسط ملعب يكاد يخلو من أنصاره.
ورغم التعادل أمام ميلان، بقي لاتسيو في صدارة جدول الدوري، ولو مؤقتاً قبل مباراة روما وإنتر، وهو إنجاز لافت لفريق فقد عدداً من عناصره الأساسية خلال الصيف، وبدأ موسمه بخروج مفاجئ من كأس إيطاليا أمام فريق من الدرجة الثانية في أغسطس الماضي، بل إن بداية الفريق تحت قيادة غاتوزو، الذي تولى المهمة بعد رحيله عن تدريب منتخب إيطاليا، بدت أفضل مما كان متوقعاً، خصوصاً أن المدرب لم يكن الخيار الأول لخلافة ماوريتسيو ساري.
ولكن المفارقة أن كل ذلك لم يكن كافياً لإعادة الجماهير إلى الأولمبيكو، فالمشكلة كما يؤكد المشجعون، ليست مع غاتوزو ولا مع اللاعبين، وإنما مع لوتيتو، الذي دخل في صراع طويل مع قطاعات واسعة من جماهير النادي، وتكشف الأرقام حجم المقاطعة، إذ تراجعت مبيعات التذاكر الموسمية من نحو 30 ألفاً في الموسم الماضي إلى أقل من 4500 تذكرة فقط هذا الموسم، وفق موقع «كالتشيو إي فينانزا».
والأكثر دلالة أن مباراة لاتسيو وميلان الموسم الماضي شهدت حضور نحو 50 ألف متفرج، بينما لم يصل الحضور في المواجهة ذاتها السبت، إلى نصف ذلك الرقم، في وقت بدت فيه أصوات جماهير ميلان وكأنها صاحبة الكلمة الأعلى في الملعب.
ومع ذلك، فإن مدرجات الأولمبيكو الخالية لا تعني أن جماهير لاتسيو فقدت شغفها بفريقها، على العكس تماماً، وقبل المباراة، تجمع مئات المشجعين خارج مركز تدريبات الفريق، ثم نظموا موكباً من الدراجات النارية رافق حافلة اللاعبين حتى جسر بونتي ميلفيو القريب من الملعب.
وكانت رابطة المشجعين، قد أعلنت مسبقاً أنها ستتوجه إلى المنطقة لمشاهدة المباراة في أحد المقاهي أو في المنازل، والرسالة كانت واضحة بأن الجمهور لا يقاطع لاتسيو، بل يقاطع لوتيتو.
والدليل أن آلاف المشجعين واصلوا حضور مباريات الفريق خارج أرضه، حتى في المواجهات الودية التي سبقت انطلاق الموسم، في تأكيد على أن علاقتهم بالنادي واللاعبين لم تنقطع، وإنما تحولت إلى احتجاج ضد الرجل الذي يملك القرار في النادي.
والخلاف بين لوتيتو وجماهير لاتسيو ليس وليد الموسم الحالي، ففي يناير الماضي، ظهرت رسالة مفتوحة عبر منصة «تشانج أورج»، اتهمت رئيس النادي بحرمان الجماهير من حقها في الحلم، خلال فترة ملكية تجاوزت عقدين، وحصدت العريضة أكثر من 45 ألف توقيع، وجاء فيها أن النادي لم يرفع كأساً منذ نحو سبع سنوات، كما لم يعد يتعاقد مع لاعبين قادرين على إثارة حماس جماهيره بمختلف أعمارها.
وتتجاوز الانتقادات ملف الصفقات والنتائج إلى قضايا أخرى أكثر حساسية، من بينها طريقة تعامل النادي مع قضية نصب تذكاري لفينتشنزو باباريلي، مشجع لاتسيو الذي قتل عام 1979 خلال ديربي روما بعد إصابته بشعلة أطلقت من مدرجات جماهير روما.
واتهمت الجماهير لوتيتو بمنع ابنة أخ باباريلي من دخول أرض الملعب خلال فعالية أقيمت في نوفمبر الماضي، وهو ما نفاه رئيس النادي، مؤكداً أن المشكلة تمثلت في رغبة أربعة ممثلين عن مجموعات المشجعين المنظمة في دخول الملعب برفقتها.
ويرى منتقدو لوتيتو أن اهتمامه لا ينصب دائماً بالدرجة الكافية على لاتسيو، في ظل انشغالاته السياسية والاستثمارية، فقد انتُخب عضواً في مجلس الشيوخ الإيطالي عام 2022، كما خاض تجربة استثمارية ناجحة مع ساليرنيتانا، التي اشتراها عام 2011 وساعدها على الصعود من الدرجة الرابعة إلى الدوري الإيطالي خلال عقد واحد، قبل أن يضطر إلى بيعها بسبب تضارب المصالح.
وفي الصيف الحالي، أتم لوتيتو أيضاً صفقة الاستحواذ على ريجينا، أحد أندية الدرجة الرابعة، رغم تعديل القواعد لاحقاً لمنع امتلاك شخص أو جهة فريقين في الدرجات الثلاث الأولى، وهنا يتساءل جمهور لاتسيو: هل أدت هذه الاستثمارات إلى تراجع اهتمام لوتيتو ببناء فريق قادر على المنافسة على البطولات؟
ولاتسيو لم يكن قادراً أصلاً على إجراء تعاقدات خلال الصيف الماضي، بعدما فرض عليه حظر انتقالات بسبب عدم استيفائه متطلبات السيولة التي حددها الاتحاد الإيطالي لكرة القدم، وكان لوتيتو قد اعترض على هذه القواعد، معتبراً أنها لا تأخذ في الحسبان نجاح النادي في العمل من دون تراكم ديون كبيرة مستحقة.
ولتجاوز القيود، اضطر لاتسيو إلى بيع مجموعة من لاعبيه المهمين، ومنهم تاتي كاستيلانوس وماتيو غندوزي في يناير، ثم ماريو جيلا وأليسيو رومانيولي وإيفان بروفيديل في الصيف، ولكن بعد رفع الحظر، تحرك النادي بذكاء في سوق الانتقالات، فتعاقد مع قلب الدفاع دانيلو دوخي من يونيون برلين مجاناً، واستعار ألبرت غودموندسون من فيورنتينا، كما ضم لاعب الوسط دافيدي فراتيسي من إنتر.
وتبدو صفقة فراتيسي، تحديداً، واحدة من أكثر صفقات لاتسيو ذكاءً، فالنادي حصل على اللاعب، البالغ 26 عاماً، مقابل 5 ملايين يورو فقط على سبيل الإعارة، مع أحقية شراء بقيمة 10 ملايين يورو العام المقبل، والمفارقة أن إنتر كان قد دفع أكثر من ضعف هذا المبلغ عندما تعاقد مع فراتيسي بعد موسمه الاستثنائي مع ساسولو في 2023، لكنه ظل خلال السنوات الثلاث التالية أسيراً لمنافسة قوية في خط الوسط إلى جوار نيكولو باريلا وهاكان تشالهان أوغلو وغيرهما.
أما في لاتسيو، فاختار اللاعب دوراً مختلفاً، قائلاً إنه تعمد الانتقال إلى نادٍ يضع على عاتقه مسؤولية كبيرة، وكانت البداية مثالية، إذ سجل في أول ثلاث مباريات له، بداية من هدف الفوز على بولونيا وجنوى، ثم هدف افتتاح الانتصار 2 ـ 1 خارج الأرض على أودينيزي.
ولكن في مواجهة ميلان، لم يكن فراتيسي ولا بقية لاعبي لاتسيو بحاجة فقط إلى مهاراتهم للحفاظ على الفوز، بل كانوا بحاجة إلى أصوات جماهيرهم أيضاً، وبدأ لاتسيو المباراة بقوة، وكان بإمكانه أن يحسم المباراة مبكراً، لكن ميلان عاد بقوة بعد ثلاثة تغييرات أجراها بين الشوطين، وانتهت بالتعادل 2 ـ 2.
وفي ملعب كان يفترض أن يهتف فيه عشرات الآلاف للاتسيو، بدت أصوات جماهير ميلان وكأنها صاحبة الأرض، وعلق زاكاني قائلاً: «ربما لو كان جمهورنا هنا لكنا تمكنا من الصمود، لكن التعادل نتيجة عادلة في النهاية».
أما غاتوزو، فحاول أن يبقي المسافة بينه وبين الأزمة الإدارية، مؤكداً امتنانه للجماهير التي حضرت إلى مركز التدريب قبل المباراة لإظهار دعمها للاعبين، وقال: «لا أعتقد أن أحداً راضٍ عن هذا الوضع، والجميع يريد الحضور إلى الملعب، وأن يكون هناك 50 ألف شخص، أو 55 ألفاً».
وأضاف أن الجماهير التي حضرت إلى مركز التدريب جاءت لأنها تقدر ما يقدمه اللاعبون، وإصرارهم وعدم استسلامهم وارتداءهم قميص لاتسيو بفخر، ثم اختصر جوهر الأزمة بجملة واحدة: «كرة القدم ليست كرة القدم بدون الجماهير»، وهكذا وجد غاتوزو نفسه أمام مهمة مزدوجة؛ قيادة فريق ينافس على صدارة الدوري، ومحاولة إبقاء الروح حاضرة في نادٍ يعيش حرباً صامتة بين جماهيره ومالكه.
وفي الوقت الذي تصنع فيه النتائج عادةً المصالحة بين المدرجات والفريق، تبدو معركة لاتسيو مختلفة، فالفريق ينتصر، لكن الجمهور لا يعود، لأن المعركة هذه المرة ليست مع اللاعبين، وإنما مع من يجلس في مقعد الإدارة.
