انتهت حكاية ليونيل ميسي مع منتخب الأرجنتين، لكن الجدل الذي رافقها منذ بدايتها لن ينتهي بسهولة: هل كان تأثيره على «ألبيسيليستي» أعظم من تأثير دييغو مارادونا؟
بعد 21 عاماً من ارتداء القميص الأرجنتيني، أسدل ميسي الستار على مسيرته الدولية في 31 أغسطس 2026، منهياً واحدة من أطول وأغزر المسيرات في تاريخ الأرجنتين.
207 مباريات و125 هدفاً وثلاثة ألقاب كبرى، بينها كأس العالم 2022 وكوبا أمريكا 2021 و2024، جعلت منه اللاعب الأكثر مشاركة والهداف التاريخي للأرجنتين.
لكن المقارنة مع مارادونا لا تُحسم بالأرقام وحدها. فبينما احتاج ميسي إلى أكثر من عقد ونصف قبل أن يطوي صفحة الانتظار ويقود بلاده إلى الألقاب، اختصر مارادونا المسافة في أربع سنوات مجنونة، بلغت ذروتها في المكسيك عام 1986، عندما تحوّل القميص الرقم 10 إلى مرادف لشخص واحد.
مارادونا.. الظهور المبكر وصعود القائد
ظهر مارادونا مع المنتخب الأول للمرة الأولى وهو في السادسة عشرة، في فبراير 1977 أمام المجر، بعد أشهر قليلة من بدايته الاحترافية مع أرجنتينوس جونيورز. لكنه لم يكن ضمن تشكيلة الأرجنتين في كأس العالم 1978 على أرضها، إذ رأى المدرب سيزار لويس مينوتي أن اللاعب، البالغ 17 عاماً، لا يزال صغيراً على المشاركة في البطولة.
وبعد عام فرض مارادونا نفسه نجماً على الساحة الدولية عندما قاد الأرجنتين إلى لقب كأس العالم للشباب عام 1979 في اليابان، مسجلاً ستة أهداف في ست مباريات، قبل أن يحرز هدفه الأول مع المنتخب الأول أمام اسكتلندا في العام ذاته.
كانت بدايته في كوبا أمريكا 1979 متواضعة، إذ ودعت الأرجنتين البطولة من الدور الأول، لكن مارادونا كان قد بدأ بالفعل في بناء الشخصية التي سترافقه طوال مسيرته: لاعب يستطيع تغيير شكل المباراة بمفرده، وقائد يتحمل ضغطاً استثنائياً عن زملائه.
في مونديال إسبانيا 1982، اصطدم مارادونا بمنتخب أرجنتيني مضطرب وخسر أمام بلجيكا في الافتتاح، قبل أن تتوقف رحلة حامل اللقب في الدور الثاني بالخسارة أمام البرازيل وإيطاليا. سجل مارادونا هدفين في البطولة، لكنه أنهى مشاركته مطروداً أمام البرازيل ثم جاءت المكسيك.
1986.. البطولة التي صنعت الأسطورة
إذا كان ميسي يملك المسيرة الدولية الأكثر اكتمالاً، فإن أي نقاش حول أعظم بصمة فردية في تاريخ الأرجنتين لا يمكن أن يتجاوز مارادونا في مونديال 1986.
كان مارادونا في الخامسة والعشرين، في قمة مستواه، وحمل شارة القيادة في منتخب يقوده المدرب كارلوس بيلاردو. لعب كل دقيقة من مباريات الأرجنتين، وسجل خمسة أهداف وصنع خمسة أخرى، مساهماً بصورة مباشرة في عشرة من أهداف فريقه الأربعة عشر، أي في نحو 71 في المئة من أهداف البطل.
وفي ربع النهائي أمام إنجلترا، كتب مارادونا إحدى أكثر صفحات كرة القدم إثارة للجدل والجمال في آن واحد: «هدف سجله بيده»، وبعده بأربع دقائق هدفه الشهير الذي راوغ خلاله عدداً من لاعبي إنجلترا قبل أن يهز الشباك، وهو الهدف الذي اختاره جمهور الاتحاد الدولي لكرة القدم لاحقاً «هدف القرن».
وفي نصف النهائي سجل هدفي الفوز على بلجيكا، قبل أن يصنع في النهائي أمام ألمانيا الغربية الهدف الحاسم لخورخي بوروتشاغا، ليحمل الكأس في استاد أزتيكا.
لم يكن مارادونا مجرد أفضل لاعب في البطولة، بل كان مركز الثقل النفسي والفني لمنتخب كامل.
ميسي.. الموهبة التي تأخرت عن المجد
دخل ميسي المنتخب الأول عام 2005 وهو في الثامنة عشرة، وسجل هدفه الدولي الأول أمام كرواتيا في 2006. وفي العام نفسه أصبح أصغر لاعب أرجنتيني يسجل في كأس العالم.
منذ أن ارتدى القميص الرقم 10، بعد اعتزال خوان رومان ريكيلمي دولياً، أصبحت الأرجنتين تبني مشروعها حوله، لكن السنوات الأولى لم تكن سهلة.
في مونديالَي 2010 و2014، ثم كوبا أمريكا 2011، اصطدم ميسي بانتقادات متزايدة بسبب عجز المنتخب عن حصد لقب. وفي 2014، قاد الأرجنتين إلى النهائي، وخسر أمام ألمانيا، لكنه حصل على الكرة الذهبية لأفضل لاعب في البطولة.
ثم جاءت الضربة الأقسى.
خسر ميسي نهائي كوبا أمريكا 2015 أمام تشيلي، ثم خسر النهائي ذاته أمام المنافس نفسه في نسخة 2016. وبعد ثلاث هزائم متتالية في نهائيات كبرى خلال ثلاث سنوات، أعلن اعتزاله الدولي لفترة قصيرة، قبل أن يعود ويحمل المنتخب نحو مونديال 2018.
كان ذلك الانسحاب المؤقت نقطة تحول. ففي التصفيات المؤهلة إلى روسيا، كانت الأرجنتين مهددة بالغياب عن كأس العالم، لكن ميسي سجل ثلاثية أمام الإكوادور حسمت بطاقة التأهل.
من عقدة النهائيات إلى عصر الألقاب
بدأت مرحلة ميسي الذهبية مع الأرجنتين في كوبا أمريكا 2021. في ماراكانا، قاد المنتخب إلى الفوز على البرازيل وإحراز أول لقب كبير له مع المنتخب الأول، منهياً انتظاراً دام 28 عاماً.
كان ميسي نجم البطولة، بعدما أسهم بهدف أو تمريرة حاسمة في تسعة من أهداف الأرجنتين الـ12. وبعد عام، أضاف لقب «الفيناليسيما» على حساب إيطاليا.
ثم جاءت اللحظة التي طال انتظارها: كأس العالم 2022 في قطر.
قاد ميسي الأرجنتين إلى اللقب العالمي بعد 36 عاماً من تتويج مارادونا في المكسيك. سجل سبعة أهداف وصنع ثلاثة، وأصبح أول لاعب يفوز بالكرة الذهبية لكأس العالم مرتين. وفي النهائي أمام فرنسا، سجل هدفين في مباراة انتهت 3-3 قبل أن تحسمها الأرجنتين بركلات الترجيح.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فازت الأرجنتين بكوبا أمريكا 2024، ليصبح ميسي قائد جيل حصد ثلاثة ألقاب كبرى متتالية خلال فترة قصيرة.
وفي كأس العالم 2026 ظهر للمرة السادسة في النهائيات، وسجل ثمانية أهداف، قبل أن يخسر المنتخب الأرجنتيني أمام إسبانيا 0-1 بعد التمديد في النهائي. وبذلك أنهى ميسي مسيرته المونديالية بعدد قياسي من المشاركات بلغ 34 مباراة، فيما وصل رصيده الدولي مع الأرجنتين إلى 207 مباريات و125 هدفاً و68 تمريرة حاسمة.
مارادونا: قمة أعلى.. ميسي: مسيرة أطول
مارادونا لم يملك مسيرة دولية طويلة مثل ميسي، لكنه امتلك بطولة يصعب تكرارها. ففي مونديال 1986، لم يكن مجرد نجم بين نجوم منتخب متوج، بل كان العامل الأكثر حسماً في الطريق إلى الكأس. سجل وصنع وواجه الرقابة الفردية والضربات المتتالية، وتحول إلى القائد الذي يمنح زملاءه الثقة ويحمل عنهم الضغط. وتؤكد «فيفا» أن مارادونا أسهم بشكل مباشر في 71 في المئة من أهداف الأرجنتين خلال البطولة.
أما ميسي، فبصمته أوسع زمنياً وأكثر تنوعاً. لعب ست نسخ من كأس العالم، وقاد الأرجنتين إلى نهائيين عالميين، وفاز بلقب واحد، كما أحرز لقبين في كوبا أمريكا، إضافة إلى «الفيناليسيما». وهو الهداف التاريخي للمنتخب والأكثر مشاركة، فضلاً عن امتلاكه الرقم القياسي في التمريرات الحاسمة الدولية.
وهناك فارق آخر مهم: مارادونا قاد الأرجنتين إلى لقب واحد كبير في مسيرته مع المنتخب الأول، هو كأس العالم 1986، بينما احتاج ميسي إلى سنوات طويلة من الإخفاقات قبل أن ينهي الانتظار، ثم دخل في مرحلة هيمن فيها المنتخب الأرجنتيني على الألقاب الكبرى.
الحكم.. لمن البصمة الأقوى؟
إذا كان السؤال هو: من ترك أعظم بصمة في بطولة واحدة؟ فالإجابة تميل بوضوح إلى مارادونا.
مونديال 1986 كان بطولة مارادونا بامتياز؛ خمسة أهداف وخمس تمريرات حاسمة، و71 في المئة من أهداف الأرجنتين شارك فيها مباشرة، مع لحظات أصبحت جزءاً من الذاكرة الكروية العالمية.
أما إذا كان السؤال: من ترك البصمة الأكبر والأكثر اكتمالاً في تاريخ المنتخب الأرجنتيني؟ فالكفة تميل إلى ميسي.
فميسي لم يكتفِ بمجاراة إرث مارادونا، بل تجاوز معظم أرقامه القياسية الدولية، وأصبح الهداف التاريخي والأكثر مشاركة، وفاز بكأس العالم وكوبا أمريكا مرتين، وخاض ست نسخ من المونديال، قبل أن يرحل عن المنتخب وهو يحمل في سجله ثلاثة ألقاب كبرى، بينما كان مارادونا قد ترك القميص الدولي بعد مسيرة بلغت 91 مباراة و34 هدفاً.
لذلك، ربما يكون الحكم الأكثر إنصافاً هو أن مارادونا كان صاحب البصمة الأكثر انفجاراً، وميسي صاحب البصمة الأكثر استدامة واكتمالاً.
مارادونا أعاد الأرجنتين إلى قمة العالم في لحظة تاريخية واحدة، وميسي أعاد بناء العلاقة بين المنتخب وجمهوره بعد سنوات من الإحباط، ثم قاده إلى ثلاثية من الألقاب الكبرى.
وبين الأسطورتين، لا تبدو المسألة في النهاية صراعاً على إرث واحد بقدر ما هي فصلان متكاملان من تاريخ «ألبيسيليستي»: مارادونا صنع أسطورة القميص الرقم 10، وميسي أنهى مسيرته وهو يحمل أرقامها القياسية وألقابها الأحدث.
