نجوم كبار يبحثون عن نادٍ في «قائمة الانتظار»

ديفيد البا
ديفيد البا
فابينيو
فابينيو
كوتينيو
كوتينيو

لم يعد المشهد سهل التصديق في سوق الانتقالات الأوروبية، بعدما تحولت أسماء كانت حتى وقت قريب من أبرز نجوم أكبر الأندية في القارة إلى لاعبين ينتظرون مكالمة هاتفية تحمل لهم عرضاً جديداً، أو تمنحهم فرصة لفتح صفحة مختلفة في مسيرتهم، وبات الوضع أكثر قلقاً مع دخول سوق الانتقالات مراحله الأخيرة، إذ لا تزال مجموعة من اللاعبين أصحاب التاريخ الكروي الحافل بلا أندية، رغم أن سجلاتهم تزخر بالألقاب والمباريات الكبرى والظهور على أهم ملاعب كرة القدم العالمية، وفي مقدمتها مسابقة دوري أبطال أوروبا.

وتلك الأسماء ليست بحاجة إلى تقديم نفسها للجمهور، فهم نجوم كانوا في سنوات قريبة أبطالاً وشخصيات محورية في غرف ملابس عمالقة القارة، وشاركوا في صناعة أمجاد أندية كبيرة، قبل أن يجدوا أنفسهم في وضع غير متوقع تماماً، وأصبحوا لاعبين بلا عقود رسمية، ووجهاتهم المقبلة لا تزال مجهولة، وفي الوقت الذي تتسابق فيه الأندية لإتمام صفقاتها الأخيرة قبل إغلاق سوق الانتقالات، يبقى هؤلاء النجوم في منطقة رمادية، بين ماضٍ حافل بالإنجازات ومستقبل يحتاج إلى قرار سريع.

ذهب بلا عقود

كانت لسنوات طويلة، أسماء هؤلاء اللاعبين حاضرة في تشكيلات أكبر أندية أوروبا، وجزءاً من فرق تنافست على البطولات المحلية والقارية، وخاضوا مواجهات لا تحتمل الخطأ، وظهروا في النهائيات، ورفعوا الكؤوس أمام جماهير تقدر قيمة كل لحظة وكل انتصار، ولكن كرة القدم لا تمنح ضمانات دائمة، والماضي الكبير لا يعني بالضرورة عقداً جديداً، والبطولات التي رفعها اللاعب لا تضمن له مكاناً في تشكيلة نادٍ آخر.

وفي سوق الانتقالات، تتحكم مجموعة كبيرة من العوامل في القرارات، بعضها فني وبعضها اقتصادي، وبعضها يرتبط بعمر اللاعب وحالته البدنية وراتبه المتوقع وقدرة النادي على دمجه في خططه المستقبلية، وتضم قائمة اللاعبين الأحرار أسماء ثقيلة مثل سيرجيو راموس، داني كارفاخال، جيمس رودريغيز، ديفيد ألابا، ليون جوريتزكا، فيليب كوتينيو، فابينيو، جورجينيو فينالدوم ورياض محرز، وهذه الأسماء تمثل أجيالاً وتجارب كروية مختلفة، لكن ما يجمعها هو الخبرة الكبيرة التي اكتسبها أصحابها من اللعب في أعلى مستويات كرة القدم.

واعتاد هؤلاء النجوم الدخول إلى الملاعب وهم تحت الأضواء، وخوض المباريات وسط ضغط جماهيري وإعلامي هائل، والتعامل مع منافسات تتطلب أعلى درجات التركيز والجاهزية، ولكن اليوم تغير المشهد، وبدلاً من الاستعداد لمباراة أوروبية كبيرة، ينتظر بعضهم معرفة اسم النادي الذي سيمثلونه في المرحلة المقبلة، بينما يترقب آخرون فرصة قد تأتي في الأيام الأخيرة من سوق الانتقالات.

انتظار الفرصة

ربما تكون المفارقة الأكبر في هذه القصة أن بعض هؤلاء اللاعبين لم يكونوا مجرد أسماء عابرة في دوري أبطال أوروبا، بل كانوا جزءاً من قصص البطولة نفسها، بعدما لعبوا في أصعب الملاعب الأوروبية، وواجهوا أقوى الفرق، وتقاسموا غرف الملابس مع عدد من أعظم نجوم اللعبة، كما عاشوا لحظات لا يستطيع سوى عدد محدود من اللاعبين الوصول إليها، وشاركوا في مباريات كبيرة، وعرفوا معنى الضغط عندما تكون الكأس على بُعد 90 دقيقة فقط، ورفعوا ألقاباً تحولت إلى جزء من تاريخ أنديتهم.

ولكن سوق الانتقالات لا يعرف العاطفة، والأندية تنظر إلى المستقبل أكثر مما تنظر إلى الماضي، والمدرب يبحث عن اللاعب الذي يناسب أسلوبه الحالي، والإدارة تضع في حساباتها تكلفة الصفقة ومدتها، ومدى قدرة اللاعب على تقديم الإضافة المطلوبة، ولهذا يمكن للاعب كان قبل سنوات بطلاً في دوري أبطال أوروبا أن يجد نفسه اليوم مضطراً إلى الانتظار.

المثال الأبرز

يبرز بول بوغبا كأحد أبرز الأمثلة على هذا الوضع المفاجئ، فاللاعب الفرنسي، الذي ارتبط اسمه طوال مسيرته بمباريات كبيرة وأندية بارزة، أصبح لاعباً حراً بعد فسخ عقده مع موناكو في 19 أغسطس الماضي، بسبب قلة مشاركاته في مباريات الموسم الماضي، وبذلك دخل بوغبا قائمة اللاعبين الذين يمكنهم التفاوض بحرية مع الأندية الراغبة في الحصول على خدماتهم، في انتظار تحديد المحطة الجديدة في مسيرته.

ورغم أن مستقبله لا يزال غير محسوم بشكل رسمي، فإن المؤشرات تبدو أقرب إلى انتقاله إلى أحد أندية الدوري الأمريكي لكرة القدم، وربما تمثل هذه الخطوة محطة جديدة ومختلفة تماماً للاعب الوسط الفرنسي، الذي اعتاد المنافسة في أجواء الكرة الأوروبية، قبل أن يجد نفسه أمام احتمال خوض تجربة جديدة خارج القارة، وتكشف حالة بوغبا عن جانب مهم من طبيعة سوق الانتقالات الحالي، فحتى الأسماء التي تمتلك تاريخاً كبيراً يمكن أن تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم خياراتها عندما تقل فرص المشاركة أو تتغير الحسابات الفنية للأندية.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا.. لماذا لا تجد هذه الأسماء أندية بسهولة؟ الإجابة ليست مرتبطة بعامل واحد، ففي كرة القدم الحديثة، أصبح قرار التعاقد مع لاعب يعتمد على منظومة كاملة من الحسابات. والنادي لا يسأل فقط.. ماذا حقق اللاعب في الماضي؟ بل يسأل أيضاً.. ماذا يستطيع أن يقدم الآن؟ وكم موسماً يمكنه الاستمرار؟ وهل يتناسب راتبه مع ميزانية الفريق؟ وهل يناسب أسلوب المدرب؟ وهل يمكن الاعتماد عليه بدنياً طوال الموسم؟

ولهذا أصبح العمر والحالة البدنية والراتب والتخطيط طويل الأجل عوامل يمكن أن تعرقل انتقالات حتى اللاعبين أصحاب الجودة العالية، واللاعب الذي كان يمثل صفقة استثنائية قبل سنوات قد يصبح بالنسبة إلى بعض الأندية استثماراً محفوفاً بالمخاطر، خصوصاً إذا كان النادي يبحث عن مشروع طويل الأمد وليس مجرد إضافة قصيرة المدى، حسب تقرير نشرته صحيفة «ماركا» الإسبانية.

وفي المقابل، قد يرى نادٍ آخر أن الخبرة الكبيرة للاعب يمكن أن تكون عاملاً حاسماً، خصوصاً إذا كان يحتاج إلى شخصية قيادية داخل غرفة الملابس أو لاعب يعرف كيفية التعامل مع المباريات والضغوط الكبرى، وهنا تحديداً تبدأ لعبة الانتظار في سوق انتقالات لا ينتظر أحداً، وتزداد صعوبة الموقف كلما اقترب موعد إغلاق سوق الانتقالات، إذ تكون الخيارات واسعة في الأسابيع الأولى، والأندية تتحرك في أكثر من اتجاه، واللاعب يستطيع دراسة عروض متعددة ومقارنتها.

أما في الأيام الأخيرة، فتتغير المعادلة، عندما تبدأ الأندية في إغلاق قوائمها، وتصبح المساحات المتاحة أقل، بينما يزداد عدد اللاعبين الذين يبحثون عن فرصة، وبالنسبة إلى اللاعبين الأحرار، قد يكون الوضع مختلفاً نسبياً، لأنهم يستطيعون الانضمام إلى أي نادٍ في أي وقت وفقاً للقواعد واللوائح المعمول بها، لكن المشكلة الأساسية تبقى في إيجاد النادي الذي يرى أن التعاقد معهم يمثل قيمة حقيقية، ولذلك، فإن انتظار المكالمة لا يعني بالضرورة نهاية المسيرة، لكنه يعكس مرحلة حساسة تتطلب من اللاعب دراسة خياراته بعناية.

راموس وكارفاخال

وجود سيرجيو راموس وداني كارفاخال، ضمن قائمة الأسماء التي تبحث عن وجهة جديدة يكشف حجم المفارقة، وكلاهما ارتبط اسمه بريال مدريد، أحد أكبر الأندية في تاريخ كرة القدم، وعاشا سنوات من المنافسة على أعلى المستويات، وراموس كان واحداً من أبرز المدافعين في جيله، بينما أصبح كارفاخال خلال مسيرته أحد الأسماء المعروفة في مركز الظهير الأيمن، واليوم يواجهان واقعاً مختلفاً، بعدما أصبح البحث عن النادي الجديد جزءاً من المرحلة المقبلة في مسيرتيهما، وهذه ليست مجرد مسألة انتقال من نادٍ إلى آخر، بل تمثل بالنسبة إلى لاعبين بهذا الحجم محاولة لإيجاد المكان المناسب الذي يسمح لهما بإضافة فصل جديد إلى مسيرتيهما.

والأمر نفسه ينطبق على ديفيد ألابا وليون جوريتزكا، وهما من الأسماء التي ارتبطت بمستويات المنافسة العليا في أوروبا، وألابا امتلك خبرة كبيرة في أكثر من مركز، بينما عرف جوريتزكا بمسيرته مع أحد عمالقة الكرة الألمانية، ووجود لاعبين بهذه الخبرة ضمن قائمة الانتظار يوضح أن المشكلة لا تتعلق دائماً بقدرة اللاعب على اللعب، وإنما قد تكون نتيجة تداخل مجموعة من العوامل الفنية والاقتصادية والزمنية، والصفقة الناجحة بالنسبة إلى النادي ليست بالضرورة التعاقد مع اللاعب الأكثر شهرة، بل مع اللاعب الذي يناسب احتياجاته في اللحظة المناسبة.

بداية جديدة

تضم القائمة أيضاً أسماء مثل فيليب كوتينيو، فابينيو وجورجينيو فينالدوم، وهي أسماء عاشت بدورها تجارب بارزة في كرة القدم الأوروبية، وكوتينيو ارتبط اسمه بسنوات من التألق والمباريات الكبيرة، بينما ترك فابينيو وفينالدوم بصماتهما في فرق تنافست على أعلى الألقاب، ولكن مسيرة لاعب كرة القدم تمر بمراحل مختلفة، وقد يجد اللاعب نفسه في مرحلة يحتاج فيها إلى إعادة بناء مسيرته من جديد، سواء من خلال الانتقال إلى دوري مختلف أو قبول دور فني مختلف أو البحث عن مشروع يمنحه فرصة المشاركة بصورة أكبر، وهنا تظهر أهمية الاختيار الصحيح، والعقد الجديد لا يجب أن يكون مجرد توقيع يضع حداً لفترة الانتظار، بل قد يكون القرار الذي يحدد شكل السنوات الأخيرة من مسيرة اللاعب.

ومن بين الأسماء اللافتة كذلك رياض محرز، الذي خاض سنوات طويلة في أعلى مستويات الكرة الأوروبية، ووجوده ضمن قائمة اللاعبين الذين لم يجدوا وجهة رسمية بعد يضيف المزيد من المفاجأة إلى المشهد، خصوصاً أن اسمه ظل مرتبطاً دائماً بالمباريات الكبيرة والبطولات الكبرى، ولكن وجوده ضمن هذه القائمة يؤكد مرة أخرى أن كرة القدم الحديثة لا تتوقف عند اسم اللاعب أو سجله، بل تضع أمامها مجموعة من الحسابات الجديدة في كل فترة انتقالات.

أبواب محتملة

مع اقتراب إغلاق سوق الانتقالات، تبرز الأندية التركية وأندية أمريكا الجنوبية باعتبارها الأكثر ارتباطاً بالتعاقدات المحتملة مع عدد من هؤلاء اللاعبين، وتبدو هذه الدوريات بالنسبة إلى بعض النجوم فرصة لاستعادة الحضور والمشاركة، بينما يمكن للأندية نفسها الاستفادة من خبرة لاعبين سبق لهم اللعب في أعلى مستويات أوروبا، وهنا تظهر معادلة المصالح المشتركة.

يريد اللاعب عقداً ومشروعاً يضمن له الاستمرار، والنادي يبحث عن لاعب قادر على تقديم الإضافة دون الحاجة إلى سنوات طويلة من التأقلم، ولكن السؤال يبقى.. هل ستتقدم الأندية بالفعل بخطوة الاستثمار في هذه الأسماء، أم أن بعض النجوم سيضطرون إلى الانتظار لفترة أطول؟

والقصة في النهاية ليست عن لاعبين فشلوا في الوصول إلى القمة، بل عن نجوم وصلوا إليها بالفعل، ثم وجدوا أنفسهم أمام واحدة من أصعب مراحل مسيرة لاعب كرة القدم.. ماذا يفعل اللاعب الذي لعب في نهائيات دوري أبطال أوروبا عندما لا يجد عقداً جديداً؟ وكيف يتعامل النجم الذي رفع الألقاب مع حقيقة أن بعض الأندية باتت تفضل مشروعاً أصغر سناً وأكثر قابلية للاستمرار؟

هذه الأسئلة تفرض نفسها بقوة مع اقتراب الموعد النهائي لسوق الانتقالات، والبعض يأمل في الحصول على عرض كبير يتناسب مع اسمه وتاريخه، بينما قد يتعين على آخرين إعادة النظر في شروطهم أو وجهتهم أو حتى طبيعة الدوري الذي يمكن أن يواصلوا فيه مسيرتهم، وفي كرة القدم، يمكن أن تتغير الحياة المهنية للاعب بمكالمة واحدة قد تكون كافية لإنهاء أسابيع من الانتظار.

وهذا هو حال مجموعة من النجوم الذين اعتادوا أن تكون هواتفهم محملة بالعروض، لكنهم يجدون أنفسهم الآن في الطرف الآخر من المعادلة، ونجوم مثل راموس، كارفاخال، جيمس رودريغيز، ألابا، جوريتزكا، كوتينيو، فابينيو، فينالدوم ومحرز، إضافة إلى بوغبا، يحملون تاريخاً لا يمكن تجاهله، لكنهم في الوقت نفسه أمام سوق لا ينظر فقط إلى ما قدموه بالأمس، بل إلى ما يمكن أن يقدمونه غداً.

إنها مفارقة كرة القدم الحديثة: قد تنتقل من أكبر ملاعب أوروبا إلى قائمة الانتظار في غضون أشهر، وقد يصبح النجم الذي اعتاد خوض النهائيات لاعباً ينتظر معرفة موعد مباراته المقبلة، ومع بدء العد التنازلي، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً.. أي نادٍ سيقرر الاستثمار في هؤلاء النجوم الذين لا يزال بإمكانهم تقديم الكثير؟