الرغبة موجودة والأهداف غائبة.. معضلة أرسنال قبل الموسم الجديد

الرغبة موجودة والأهداف غائبة.. معضلة أرسنال قبل الموسم الجديد
الرغبة موجودة والأهداف غائبة.. معضلة أرسنال قبل الموسم الجديد

يبحث ميكيل أرتيتا في عيون لاعبي أرسنال عن الجوع نفسه الذي قادهم إلى إنهاء انتظار دام 22 عامًا والفوز بلقب الدوري الإنجليزي، لكنه يدرك أن الرغبة وحدها لن تكفي للاحتفاظ بالبطولة.. فالفريق الذي بلغ القمة بعد سنوات من المطاردة يبدأ الموسم الجديد أمام مشكلة واضحة وهي كيف يرفع إنتاجه الهجومي، بعدما توج بأقل عدد من الأهداف يسجله بطل للمسابقة منذ ليستر سيتي في موسم 2015-2016؟

واستعار أرتيتا طريقة السير أليكس فيرغسون وبيب غوارديولا في تقييم الحالة النفسية للاعبيهما بعد الفوز بالبطولات، إذ تحدث مدرب أرسنال عن مراقبة «الطاقة في أجسادهم وعيونهم والطريقة التي ينظرون بها»، مؤكدًا أنه يريد الشعور بتلك الروح منذ البداية.

واعتاد فيرغسون خلال الحقبة الذهبية لمانشستر يونايتد النظر في أعين لاعبيه كل صيف لمعرفة ما إذا كان النجاح قد زاد رغبتهم أم أشبعها، بينما شبه غوارديولا المسألة خلال تدريبه بايرن ميونيخ عام 2014 بالنظر إلى الحبيب، إذ يمكن رؤية الشغف والاستعداد للاستجابة أو ملاحظة تراجعهما.

وكشف تقرير نشرته صحيفة «ذا أثليتيك» أن التحدي النفسي لا ينفصل عن الحاجة الفنية التي تواجه أرسنال قبل بدء حملة الدفاع عن لقبه في 21 أغسطس الجاري، بعدما استهلك السعي وراء البطولة طاقة أرتيتا وجهازه ولاعبيه على مدار مواسم عدة، خصوصًا منذ موسم 2022-2023 الذي شهد بداية ثلاثة مواسم متتالية أنهاها الفريق في المركز الثاني.

ووصف أرتيتا خلال الموسم الماضي سعي فريقه إلى اللقب بأنه وصل إلى درجة «الهوس»، قبل أن يتحدث بعد التتويج عن مسؤولية البناء على ما تحقق، ورغبته في نقل النادي إلى مستوى آخر، وتكوين مجموعة أفضل تضم لاعبين أكثر جودة، إلى جانب تحديد الجوانب التي تحتاج إلى تطوير من أجل مواصلة النجاح.

وتتجه الأنظار في المقام الأول إلى الهجوم، بعدما سجل أرسنال 71 هدفًا في الدوري خلال الموسم الماضي، وهي أقل حصيلة لبطل المسابقة منذ تتويج ليستر سيتي قبل عشرة أعوام... واعتمد الفريق بدرجة كبيرة على الكرات الثابتة التي سجل منها 25 هدفًا، وهو أعلى رقم يحققه بطل خلال 34 موسمًا من الدوري الإنجليزي الممتاز، بينما اكتفى بـ42 هدفًا من اللعب المفتوح، وهي الحصيلة الأقل بفارق كبير خلال العقد الأخير.

وسجل تشيلسي، صاحب ثاني أقل حصيلة لبطل من اللعب المفتوح خلال هذه الفترة، 61 هدفًا في موسم 2016-2017، ما يعني أن كل فريق آخر توج بالدوري خلال العقد الماضي أحرز من اللعب المفتوح أهدافًا تزيد بنسبة 45% على الأقل عن حصيلة أرسنال. واقترب مانشستر سيتي في موسم 2018-2019 من تسجيل ضعف الرقم، بعدما وصل إلى 80 هدفًا بهذه الطريقة.

وسبق أن سجل مانشستر سيتي 85 هدفًا من اللعب المفتوح خلال موسم 2017-2018، مقابل 63 لليفربول في 2019-2020، و65 لسيتي في الموسم التالي، ثم 70 و71 هدفًا للفريق نفسه في موسمي 2021-2022 و2022-2023 على الترتيب. وأضاف سيتي 70 هدفًا من اللعب المفتوح في 2023-2024، قبل أن يسجل ليفربول 67 هدفًا خلال تتويجه في الموسم التالي.

وجاء تراجع أرسنال ضمن انخفاض عام في المعدلات الهجومية للمسابقة، إذ بلغ متوسط التسجيل في الموسم الماضي 2.75 هدف للمباراة، مقارنة بـ2.93 في الموسم السابق و3.28 في 2023-2024. وانخفض متوسط أهداف اللعب المفتوح إلى 1.8 هدف، بعدما وصل إلى 2.15 ثم 2.38 في الموسمين السابقين، لكن أرسنال كان من أكثر الفرق ارتباطًا بهذا الاتجاه، وليس فريقًا تأثر بتراجع المسابقة ككل فحسب.

وسجل المهاجمون أرقامًا متواضعة قياسًا بفريق بطل، إذ تصدر فيكتور غيوكيريس قائمة المساهمات التهديفية برصيد 15، بواقع 14 هدفًا وتمريرة واحدة، يليه لياندرو تروسارد وبوكايو ساكا برصيد 12 لكل منهما. وأحرز تروسارد ستة أهداف وصنع مثلها، بينما سجل ساكا سبعة وصنع خمسة.

وأضاف إيبيريشي إيزي تسع مساهمات، بسبعة أهداف وتمريرتين، وهو العدد نفسه الذي حققه لاعب الوسط ديكلان رايس، ثم جاء الظهير يوريان تيمبر بثماني مساهمات، ومارتن أوديغارد وميكيل ميرينو وقلب الدفاع غابرييل بسبع لكل منهم.

وتبدو الفجوة أكبر عند مقارنة هذه الأرقام بما قدمه نجوم آخر بطلين قبل أرسنال. فقد أسهم محمد صلاح في 47 هدفًا خلال تتويج ليفربول، بعدما سجل 29 وصنع 18، وأضاف لويس دياز 18 مساهمة، وكودي غاكبو 14، ودومينيك سوبوسلاي 12، وأليكسيس ماك أليستر عشرًا، وترينت ألكسندر أرنولد وديوغو جوتا تسع مساهمات لكل منهما.

وقاد إرلينغ هالاند مانشستر سيتي قبل ذلك بـ32 مساهمة، سجل خلالها 27 هدفًا وصنع خمسة، بينما وصل فيل فودين إلى 27 مساهمة، وخوليان ألفاريز إلى 20، ورودري إلى 17، وبرناردو سيلفا إلى 15، وكيفن دي بروين إلى 14، وجيريمي دوكو إلى 11.

ويمنح هذا القصور أرسنال فرصة واضحة للتحسن، خصوصًا أن آخر فريقين دافعا عن اللقب تعرضا لانخفاض كبير في التسجيل... وتراجعت حصيلة ليفربول من 86 هدفًا في موسم تتويجه إلى 63 في الموسم الماضي، كما انخفض إنتاج مانشستر سيتي سابقًا من 96 إلى 72 هدفًا، أما أرسنال، فيبدأ من 71 هدفًا، ما يتيح له مساحة أكبر لرفع رقمه إذا وجد حلولًا هجومية إضافية وحافظ على جاهزية ساكا وكاي هافرتز.

واتجه النادي إلى سوق الانتقالات، لكنه أبرم صفقته الأكبر في خط كان قويًا بالفعل، بعدما تعاقد مع البرازيلي برونو غيمارايش من نيوكاسل مقابل 75 مليون جنيه إسترليني. ويضيف اللاعب جودة جديدة إلى وسط يضم رايس وأوديغارد وميرينو وإيزي ومارتن زوبيميندي ومايلز لويس سكيلي.

وضم أرسنال أيضًا المدافع الإكوادوري بييرو هينكابي من باير ليفركوزن بصورة نهائية بعد نجاح إعارته في الموسم الماضي، وتعاقد مع الجناح اليوناني كريستوس تزوليس من كلوب بروج، إلى جانب الحارس إيلان ميسلييه ليكون بديلًا لديفيد رايا.

وسعى أرتيتا إلى إحداث نقلة أكبر في الهجوم عبر التعاقد مع فينيسيوس جونيور، الذي تصدر قائمة أهدافه الصيفية، لكن الصفقة كانت صعبة منذ البداية وانتهت آمال أرسنال بعدما وقع الجناح البرازيلي عقدًا جديدًا مع ريال مدريد لمدة ست سنوات، ويكشف التحرك نحوه نوعية اللاعب الذي أراده المدرب: جناح من الصف الأول عالميًا يبلغ 26 عامًا ويمر بأفضل فترات مسيرته.

ويصعب العثور على لاعب آخر يمنح أرسنال الضمانات الهجومية نفسها، خصوصًا مع تركز عدد كبير من أفضل المهاجمين لدى مجموعة محدودة من الأندية الأوروبية.. وأكد دوري أبطال أوروبا في الموسم الماضي قوة الخيارات الهجومية لدى برشلونة وريال مدريد وبايرن ميونيخ وباريس سان جيرمان، قبل أن تعزز هذه الفرق صفوفها بضم أنتوني غوردون ويان ديوماندي وإسماعيل صيباري وماغنيس أكليوش على الترتيب.

وحتى إذا نجح أرسنال في ضم برادلي باركولا من باريس سان جيرمان أو خوليان ألفاريز مهاجم أتلتيكو مدريد، فلن يكون من السهل مساواة قوته الهجومية بتلك التي تملكها الأندية الأربعة.

ويركز النادي على الجناح الأيسر بعد رحيل تروسارد إلى بشكتاش واستمرار الغموض حول مستقبل غابرييل مارتينيلي، الذي لم يواصل التطور بالمعدل المتوقع بعد بدايته الواعدة. غير أن فشل صفقة فينيسيوس لم يتبعه ظهور بديل واضح حتى الآن.

وانتقل غوردون ومورغان روجرز، اللذان كانا ضمن الخيارات المتاحة في بداية الصيف، إلى برشلونة وتشيلسي على الترتيب، كما انضم ديوماندي، القادر على اللعب في الجناحين، إلى ريال مدريد. ورفض يوفنتوس استفسارًا من أرسنال بشأن كينان يلدز، بينما يحظى باركولا باهتمام جدي من ليفربول، رغم أنه لا يقدم الضمانات نفسها التي كان سيمنحها فينيسيوس.

ويراهن أرتيتا أيضًا على تطور العناصر الموجودة. ويمكن لغيوكيريس وإيزي تقديم موسم أكثر تأثيرًا بعد زيادة انسجامهما عقب انتقالهما في صيف 2025، كما أصبح إيثان نوانيري وماكس داومان أكثر خبرة بعام إضافي، ويبقى استمرار ساكا وهافرتز بعيدين عن الإصابات شرطًا أساسيًا لزيادة الفاعلية.

وأثار بيع تروسارد، البالغ 31 عامًا، بعض الاستغراب بالنظر إلى مساهمته في التتويج، لكن تعويضه بتزوليس الأصغر منه بسبع سنوات يتماشى مع خطة المحافظة على قوة الفريق لسنوات أطول. وأظهر الجناح اليوناني مؤشرات جيدة خلال المباريات التحضيرية، إلا أن حجم المهمة قد يدفع أرتيتا إلى المطالبة بإضافة هجومية أخرى قبل إغلاق سوق الانتقالات.

ولا توجد قاعدة واحدة لتطوير فريق بطل، كما تؤكد تجربة مانشستر سيتي خلال تتويجه بالدوري ست مرات في سبعة مواسم. واكتفى النادي أحيانًا بصفقة أو اثنتين من العيار الثقيل، مثل رياض محرز في 2018، ورودري وجواو كانسيلو في 2019، وجاك غريليش في 2021.

وتعاقد سيتي في صيف 2023 مع أربعة لاعبين هم يوشكو غفارديول وماتيوس نونيز وماتيو كوفاسيتش ودوكو، ثم اكتفى بعد اللقب الرابع تواليًا بضم سافينيو، وكان يبلغ 20 عامًا، واستعادة قائده السابق إيلكاي غوندوغان في صفقة انتقال حر وهو في الثالثة والثلاثين، قبل أن يزيد نشاطه خلال فترات الانتقالات الأربع التالية.

وقدم ليفربول نموذجًا مختلفًا في الصيف الماضي، بعدما أنفق قرابة 450 مليون جنيه إسترليني على تسعة لاعبين، بينهم فلوريان فيرتز وألكسندر إيزاك وهوغو إيكيتيكي، رغبة في استثمار قوة الفريق عقب إحراز اللقب. لكن رحيل عناصر مؤثرة أفقد التشكيلة توازنها، وتركها أضعف في أكثر من مركز، إلى جانب الأثر الإنساني والرياضي الذي خلفه رحيل ديوغو جوتا في ظروف مأساوية.

وعانى ليفربول خلال الموسم، ولم يكفِ احتلال المركز الخامس والتأهل بصعوبة إلى دوري أبطال أوروبا لإنقاذ المدرب أرني سلوت من الإقالة. ويقدم ذلك تحذيرًا لأرسنال من أن كثرة الصفقات لا تضمن تطور البطل إذا أضرت بتوازن المجموعة.

ويمتلك أرسنال أسسًا عمرية وبدنية أكثر استقرارًا. واقتصرت قائمة اللاعبين الذين تجاوزوا الثلاثين في فريق الموسم الماضي على الحارس الاحتياطي كيبا أريزابالاغا، وكريستيان نورغارد الذي انتقل إلى إيفرتون، وتروسارد. ويتراوح عمر أغلب عناصر المجموعة الأساسية بين 23 و29 عامًا، لذلك يبدو التعاقد مع غيمارايش، الذي يكمل عامه التاسع والعشرين في نوفمبر، إضافة آمنة لا ترتبط بحل قصير المدى.

وتبقى بعض المخاوف المتعلقة بظهر ويليام ساليبا وأوتار ساكا العضلية، لكن الفريق يبدو قويًا من الناحية البدنية وقادرًا على مواصلة الضغط. غير أن متطلبات الموسم ستزداد بعد مشاركة عدد كبير من اللاعبين حتى الأسبوع الأخير من كأس العالم.

وشملت القائمة رايا وزوبيميندي وميرينو مع إسبانيا، ورايس وإيزي وساكا ونوني مادويكي مع إنجلترا، لذلك لم يبدأ هؤلاء استعداداتهم مع أرسنال إلا يوم الاثنين الماضي. ويحتاج أرتيتا إلى إدارة عودتهم بعد موسم طويل، بالتزامن مع محاولة استعادة الطاقة النفسية التي تطلبها الوصول إلى القمة.

وجاء اللقب بعد خمسة أعوام من التطور المستمر، بصورة تشبه تتويج ليفربول بقيادة يورغن كلوب في 2020. واقترب الفريقان سابقًا من التفوق على مانشستر سيتي رغم أرقام قوية، إذ جمع أرسنال 89 نقطة في موسم 2023-2024، بينما حصد ليفربول 97 نقطة في 2018-2019 و92 نقطة في 2021-2022 من دون الفوز بالبطولة.

ويواجه أرتيتا الآن مهمة منع التتويج من التحول إلى نهاية دورة طويلة. ولم ينجح في الاحتفاظ بلقب الدوري الإنجليزي خلال عصر المسابقة سوى مانشستر يونايتد بقيادة فيرغسون ست مرات، وتشيلسي مع جوزيه مورينيو مرة واحدة، ومانشستر سيتي تحت قيادة غوارديولا أربع مرات، بينما عجز أرسنال آرسين فينغر وليفربول كلوب عن تكرار اللقب في الموسم التالي.

وتستحق نتائج أرسنال خلال المواسم الأربعة الماضية التقدير، بعدما جمع 84 ثم 89 و74 و85 نقطة في الدوري، كما بلغ نصف نهائي دوري أبطال أوروبا ثم المباراة النهائية خلال الموسمين الأخيرين. ومع ذلك، ما زال الفريق بحاجة إلى التطور حتى يصل إلى المستوى الذي يريده أرتيتا.

وتؤكد الأرقام أن الرغبة موجودة وأن الأساس قوي، لكن الاحتفاظ باللقب سيتوقف أيضًا على قدرة أرسنال على تحويل سيطرته إلى أهداف أكثر من اللعب المفتوح. يستطيع أرتيتا أن يبحث عن الجوع في عيون لاعبيه، غير أن وجهًا هجوميًا جديدًا قد يكون الوسيلة الأسرع للحفاظ على تلك الطاقة، ورفع مستوى المنافسة، ومنح البطل ما افتقده حتى في موسم تتويجه.