ملوك فرنسا الثلاثة.. عندما تتحدث الأساطير


كل جيل في كرة القدم الفرنسية يبدو وكأنه ينتظر ميلاد «ملك» جديد كل عقدين تقريباً، ومنذ أن فتح ميشيل بلاتيني، الباب أمام دخول فرنسا إلى دائرة عمالقة اللعبة، مروراً بسحر زين الدين زيدان في نهاية القرن الماضي، وصولاً إلى انفجار موهبة كيليان مبابي في العصر الحالي، أصبح المنتخب الفرنسي يمتلك رموزاً يتجاوز تأثيرهم حدود الملعب.
واستعرضت صحيفة «لاغازيتا ديلو سبورت»، الثلاثة نجوم في ثلاثة أزمنة مختلفة، مؤكدة أن الثلاث شخصيات لا يمكن مقارنتها بشكل كامل كروياً، وطرحت سؤالاً مهماً.. من هو ملك فرنسا الحقيقي؟


أول ملوك العصر الحديث


كان ميشيل بلاتيني نقطة التحول الكبرى في تاريخ كرة القدم الفرنسية، وقبل ظهوره، كانت فرنسا تمتلك أسماء بارزة مثل ريمون كوبا وجوست فونتين، لكنها لم تكن ضمن القوى الكبرى بشكل مستمر.


وجاء بلاتيني ليغيّر الصورة تماماً، لاعباً يحمل الرقم 10 بمعناه الحقيقي، صانع ألعاب يمتلك الرؤية، والذكاء التكتيكي، والقدرة على صناعة الفارق بالتسجيل والتمرير.


ولم يكن بلاتيني مجرد لاعب مهاري، بل كان قائداً ومفكراً داخل الملعب، يجمع بين صناعة اللعب وإنهاء الهجمات، وهو ما جعله أحد أكثر اللاعبين تكاملاً في تاريخ كرة القدم.


وكان تتويجه ببطولة أوروبا 1984 مع فرنسا لحظة فارقة، بعدما قاد منتخب بلاده إلى أول لقب كبير في تاريخه، كما حصل على الكرة الذهبية ثلاث مرات متتالية بين عامي 1983 و1985، وهو إنجاز يعكس مكانته العالمية.


زيدان عبقرية صنعت الهوية


بعد نحو عقدين، ظهر زين الدين زيدان ليصبح الوجه الجديد لكرة القدم الفرنسية، وكان مختلفاً عن بلاتيني، فهو أقل تهديفاً، لكنه أكثر سحراً في صناعة اللعب وقدرة على التحكم في إيقاع المباراة.


وتميز زيدان بالهدوء، واللمسة الفنية، والقدرة على الظهور في أكبر اللحظات، وكان مونديال 1998 شاهداً على عظمته، بعدما قاد فرنسا للفوز بكأس العالم لأول مرة في تاريخها، وسجل هدفين في النهائي أمام البرازيل.


كما توج ببطولة أوروبا 2000، وفاز بالكرة الذهبية عام 1998، ليصبح رمزاً لجيل ذهبي ضم أسماء مثل تييري هنري، مارسيل ديسايي، ليليان تورام وديدييه ديشامب، وزيدان لم يكن مجرد نجم فرنسي، بل أصبح أيقونة عالمية، سواء كلاعب أم لاحقاً كمدرب حقق ثلاثة ألقاب متتالية لدوري أبطال أوروبا مع ريال مدريد.


مبابي واكتمال الأسطورة


أما كيليان مبابي، فهو يمثل الجيل الجديد من كرة القدم الفرنسية. في عمر 27 عاماً فقط، ويمتلك سجلاً دولياً استثنائياً، إذ توج بكأس العالم 2018، ووصل إلى نهائي مونديال 2022، وسجل أهدافاً جعلته أحد أخطر المهاجمين في العالم.


ويختلف مبابي عن بلاتيني وزيدان في مركزه وأسلوبه، فهو ليس صانع ألعاب كلاسيكياً، لكنه يجمع بين السرعة والقوة البدنية والذكاء الهجومي، حتى أصبح أحد أكثر المهاجمين اكتمالاً في العصر الحديث.


وتكمن خصوصيته في قدرته على اللعب في أكثر من مركز هجومي، ليتوج بطلاً للعالم كجناح هجومي، وتألق كمهاجم صريح، وحمل الرقم 10 الذي ارتبط تاريخياً بالنجوم الكبار، ويمتلك أرقاماً مذهلة مع منتخب فرنسا، إذ أصبح الهداف التاريخي للمنتخب برصيد يتجاوز نجوم الماضي، متفوقاً على حصيلة بلاتيني وزيدان التهديفية.


مقارنة صعبة


من الصعب وضع ترتيب نهائي بين الثلاثي، لأن كل لاعب يمثل مرحلة مختلفة من تطور كرة القدم، فبلاتيني كان العقل والقائد، اللاعب الذي نقل فرنسا إلى مصاف الكبار، وزيدان كان الفنان، صاحب اللحظات التاريخية والشخصية التي صنعت العصر الذهبي، ومبابي هو القوة الهجومية الحديثة، اللاعب الذي يجمع بين السرعة والأرقام والإنجازات المبكرة.


ولكن يبقى هناك معيار حاسم، وهو الإنجازات الكبرى، فإذا نجح مبابي في إضافة لقب عالمي جديد وربما الكرة الذهبية، فقد يدخل بقوة في نقاش الأفضل في تاريخ فرنسا، وربما يتجاوز أساطير سبقوه، وحتى الآن، يبقى العرش مقسوماً بين ثلاثة ملوك.. ملك صنع البداية، وملك صنع المجد، وملك لا يزال يكتب فصوله الأخيرة.