تبدو فكرة خوض انتخابات رئاسة ريال مدريد أقرب إلى محاولة اقتحام نادٍ مغلق أكثر منها منافسة إدارية طبيعية، فالنادي الذي اعتاد تقديم نفسه باعتباره ملكاً لأعضائه، يعيش منذ سنوات حالة استثنائية تجعل مجرد التفكير في منافسة فلورنتينو بيريز الرئيس الحالي أمراً بالغ التعقيد، ليس بسبب شعبيته فقط، وإنما لأن الطريق المؤدي إلى صندوق الاقتراع نفسه أصبح مليئاً بالشروط التي يصعب تجاوزها.
أعاد بيريز هذا الأسبوع ترتيب خريطة الإدارة داخل ريال مدريد بإعلانه الدعوة إلى انتخابات مبكرة رغم أن ولايته الحالية تمتد حتى عام 2029، وهي خطوة بدت مفاجئة حتى داخل الأوساط الرياضية، خصوصاً أنها جاءت في توقيت يعيش فيه الفريق سلسلة من الاضطرابات بعد موسم كارثي على مستوى النتائج، إلى جانب حالة الغموض المتعلقة بالمدرب المقبل، ومستقبل مشروع إعادة بناء الفريق.
وحرص رئيس ريال مدريد خلال المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه القرار على توجيه رسالة مباشرة إلى كل من يفكر في منافسته، حين قال: «من يتحرك في الخفاء يمكنه الترشح للرئاسة ومواجهتي، ثم يقرر الأعضاء».. لكن خلف هذه الدعوة بدا واضحاً أن بيريز يدرك جيداً حجم العقبات التي تمنع ظهور منافس حقيقي.
وفرضت لوائح ريال مدريد الحالية شروطاً مالية وإدارية معقدة على أي مرشح محتمل، بعدما تم تعديل النظام الأساسي للنادي في 2012، أي بعد ثلاث سنوات فقط من عودة بيريز إلى الرئاسة، وتشترط القواعد الجديدة أن يكون المرشح إسباني الجنسية، وعضواً بالنادي لمدة 20 عاماً على الأقل، إلى جانب تقديم ضمان بنكي يثبت امتلاكه ثروة شخصية تعادل 15% من ميزانية النادي السنوية.
وتحول هذا الشرط المالي تحديداً إلى العقبة الأكبر أمام أي محاولة للمنافسة، بعدما ارتفعت ميزانية ريال مدريد هذا الموسم إلى 1.25 مليار يورو، ما يعني أن أي مرشح يحتاج إلى إثبات امتلاك نحو 187 مليون يورو من أمواله الخاصة فقط حتى يقبل ترشحه.
ولم يخف بيريز يوماً قناعته بهذا التوجه، بل دافع عنه علناً عند إقرار التعديلات قبل سنوات، مؤكداً أن الهدف هو منع أي شخص من الوصول إلى رئاسة النادي عبر دعم خارجي أو تحالفات مالية، وقال وقتها إنه لا يريد أن تتحكم «أموال الروس» في ريال مدريد.
لكن هذا التبرير لم يقنع كثيرين داخل النادي، إذ رأى رؤساء سابقون أن التعديلات صممت بالأساس لتقليل فرص ظهور منافسين، وقال فيسنتي بولودا، الذي تولى رئاسة النادي لفترة مؤقتة عام 2009، إن هذه القواعد «تبعد النادي عن أعضائه»، بينما سخر رامون كالديرون، رئيس ريال مدريد السابق، من الأمر بقوله إن الشروط ربما كان يجب أن تتضمن أيضاً أن يبدأ اسم المرشح بـ«فلو»، في إشارة إلى فلورنتينو.
ولم يعرف ريال مدريد منافسة انتخابية فعلية منذ عام 2004، إذ فاز بيريز في كل الانتخابات التالية بالتزكية، أعوام 2009 و2013 و2017 و2021 ثم 2025، بعدما فشل أي مرشح آخر في استيفاء الشروط المطلوبة أو قرر الانسحاب مبكراً.
واختلف الوضع تماماً عما كان عليه النادي في التسعينيات وبداية الألفية، حين كانت انتخابات الرئاسة معارك مفتوحة، ففي عام 2000 قلب بيريز الطاولة على لورينزو سانز بعدما وعد الجماهير بالتعاقد مع لويس فيغو من برشلونة، وهو الوعد الذي غير مسار الانتخابات بالكامل، وقاد بيريز إلى الرئاسة لأول مرة.
ويبدو أن أي منافس جديد يحتاج اليوم إلى ما هو أكثر من برنامج انتخابي أو شعبية جماهيرية، إذ بات مطالباً أولاً بإثبات قدرته المالية قبل الحديث عن مشروعه الرياضي أو الإداري.
وبرز اسم إنريكي ريكيلمي، رجل الأعمال المتخصص في قطاع الطاقة المتجددة، باعتباره الشخصية الأقرب لخوض السباق، خصوصاً بعدما أكد امتلاكه القدرة المالية المطلوبة، لكنه طالب بتمديد فترة الترشح، بعدما حدد ريال مدريد يوم 23 مايو موعداً نهائياً لتقديم الطلبات.
ودارت تكهنات حول إمكانية دخول رافاييل نادال في مشروع انتخابي مشترك مع ريكيلمي، قبل أن ينفي أسطورة التنس الإسباني أي علاقة له بالأمر، بينما بقيت الصورة العامة تشير إلى أن بيريز لا يزال الطرف الأقوى داخل النادي، إدارياً أو اقتصادياً أو حتى جماهيرياً.
ولم تأت الانتخابات المبكرة بمعزل عن ملفات أخرى داخل ريال مدريد، إذ يواصل النادي تحركاته لإعادة ترتيب الفريق بعد موسم محبط، سواء عبر البحث عن مدرب جديد، أو حسم ملفات التعاقدات وتجديد العقود، وفي مقدمتها مستقبل النجم البرازيلي فينيسيوس جونيور، بينما كشفت تقارير عن وجود اتصالات بالفعل مع ممثلي المدرب جوزيه مورينيو بشأن عودة محتملة إلى سانتياغو برنابيو.
ويتحرك بيريز في هذه المرحلة باعتباره الرجل الذي لا يزال يرى نفسه الأقدر على إدارة النادي، حتى مع تصاعد الانتقادات الجماهيرية خلال الموسم الحالي، ووصول الهتافات المطالبة برحيله إلى مدرجات البرنابيو.
لكن المفارقة تبقى أن ريال مدريد، النادي الذي يملكه أعضاؤه نظرياً، يبدو عملياً أقرب إلى مؤسسة يصعب الاقتراب من قمتها دون امتلاك نفوذ مالي هائل، وهو ما يجعل الانتخابات تبدو في كل مرة إجراءً شكلياً أكثر من كونها منافسة حقيقية، بينما يبقى السؤال معلقاً حول ما إذا كان أحد سيملك يوماً القدرة، والرغبة، في كسر هذه المعادلة؟.

