ماتيوس حارس يتحدى العمر في الـ 70


في زاوية هادئة من ملاعب إسبانيا المتواضعة، حيث لا صخب جماهير عملاقة ولا أضواء كاميرات كبرى، يقف أنخل ماتيوس بين قائمي مرمى نادي كولونغا، لا ليودع اللعبة، بل ليكتب فصلاً جديداً من عشقها، متحدياً الزمن نفسه، ويعود لحراسة العرين في عمر السبعين، وكأن السنوات لم تمر، والجسد لم يتعب.


ولم تكن بداية ماتيوس كغيره من النجوم، ولم يشق طريقه منذ الطفولة في الأكاديميات، ولم تلمع موهبته مبكراً تحت أنظار الكشافين، بل جاءت قصته متأخرة جداً، حين قرر أن يمنح حلمه فرصة أخيرة، فتحولت تلك الفرصة إلى أسطورة صغيرة تروى في الملاعب.


وكل صباح كان ماتيوس يدخل الملعب محاطاً بزملاء يصغرونه بخمسين عاماً، يركضون، يقفزون، يصرخون وهو بينهم، لا يقل حماساً ولا التزاماً، ولم يكن مجرد لاعب، بل درس حي في الإصرار، وأيقونة صامتة تفرض احترامها دون كلمات.


وعندما تبدأ المباراة، وتندفع الكرة نحو مرماه، لا ترى رجلاً سبعينياً، بل حارساً يقرأ الزوايا بخبرة السنين، ويقف بثبات من يعرف أن الشغف لا يشيخ، تصفيق الجماهير لم يكن فقط لإنقاذ هدف بل لرفض الاستسلام.


وتحولت مباريات كولونغا إلى وجهة، ليس لمعرفة النتيجة، بل لرؤية الرجل الذي هزم الوقت، وجاءت الصحافة، والجماهير احتشدت، والدهشة كانت العنوان الأبرز، كيف لرجل في هذا العمر أن يقف صامداً، في مركز يهرب منه اللاعبون قبل الأربعين؟


وفي زمن اعتزل فيه عصام الحضري في أواخر الأربعينيات، وواصل فيه روبرت كارمونا اللعب حتى الرابعة والستين، جاء ماتيوس ليكتب رقماً جديداً خارج الحسابات، رقماً لا يقاس بالعمر، بل بالشغف.


وبالنسبة له لم تكن كرة القدم مجرد لعبة، بل كانت «إكسير حياة»، وبين القائمين كان يجد ما لا يجده في أي مكان آخر نبضاً، طاقة، وسبباً للاستمرار، ويستعيد الحارس الإسباني ذكريات مسيرته الكروية الطويلة في ملاعب الدرجات الدنيا بإقليم أستورياس، كاشفاً عن تفاصيل مرحلة اتسمت بالصعوبة والتحدي، قبل أن يبتعد عن اللعبة لنحو 28 عاماً.


وأوضح ماتيوس أنه خاض تجارب عدة مع أندية مثل تورون وكودال، حيث لعب في الدرجة الثالثة، ثم الدرجة الثانية «ب»، إضافة إلى مشاركته مع فريق كانتيّو في الدرجة الثالثة، مؤكداً أن تلك السنوات كانت سنوات اللعب في ملاعب طينية، في إشارة إلى قسوة الملاعب والظروف المحيطة بكرة القدم في تلك الفترة.


وأضاف: «كنا نعيش أياماً مليئة بالتضحيات، نعمل ونتدرب في ظروف شاقة، وكنت أستيقظ في الخامسة صباحاً، أذهب للعمل في المناجم حتى الظهيرة، ثم أتوجه للتدريبات في الخامسة مساء على ملاعب صعبة للغاية في تورون».


وكشف ماتيوس عن عرض مفاجئ تلقاه مؤخراً من مدرب يدعى سانتي، لإعادته إلى الملاعب من جديد عبر الظهور مع فريق كولونغا في الدرجة الثالثة، قائلاً: «اقترح عليّ فكرة العودة والظهور مجدداً، وقلت له سنرى الأمر مع نهاية الموسم».


وأشار إلى أنه وضع شرطاً أخلاقياً للموافقة على العودة، يتمثل في أن يكون فريقه قد ضمن البقاء، وكذلك الفريق المنافس، حتى لا يؤثر ذلك على نزاهة المنافسة أو يضر ببقية الأندية، واختتم حديثه بالتأكيد على أن القرار سيحسم وفق تطورات المرحلة المقبلة، في قصة تعكس شغفاً متجدداً بكرة القدم رغم مرور السنوات.