في الوقت الذي تشهد فيه كرة القدم الإيطالية تحقيقات متواصلة حول ملف التحكيم يسلط المشهد الأوروبي الضوء على اختلافات واسعة في أنظمة إدارة الحكام بين الدوريات الكبرى في إنجلترا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا، بين نماذج تعتمد على الاستقلالية الكاملة، وأخرى تربط التحكيم بالاتحادات أو الدوريات، وصولاً إلى تباين كبير في الرواتب والهيكلة الإدارية.
وأجرت صحيفة «لاغازيتا ديلو سبورت» الإيطالية تحقيقاً عن نظم ورواتب الحكام في عدد من الدوريات الأوروبية الكبرى بداية من إنجلترا، وأوضحت أن شؤون التحكيم هناك تدار عبر شركة «بجيمول»، وهي جهة مستقلة ممولة من الدوري الإنجليزي الممتاز، ودوري كرة القدم الإنجليزي، والاتحاد الإنجليزي لكرة القدم.
ورغم هذا التمويل المشترك فإن الحكام لا يتبعون الاتحاد مباشرة، بل يعملون ضمن منظومة مستقلة أنشئت لفصلهم عن إدارات المسابقات، وتحولت مهنة التحكيم إلى عمل احترافي منذ عام 2001، مع تقسيم الحكام إلى فئات حسب المستوى.
ويتقاضى حكام المجموعة الأولى، وهم أفضل 19 حكماً، متوسط راتب يبلغ نحو 210 آلاف يورو سنوياً، بينما يمكن للحكام البارزين مثل مايكل أوليفر وأنتوني تايلور الوصول إلى 300 ألف يورو سنوياً، أما الحكام المساعدون الـ29 في المجموعة الأولى فيحصلون على نحو 125 ألف يورو سنوياً.
ويشرف على المنظومة هوارد ويب، الحكم الدولي السابق، الذي تولى رئاسة الشركة في أغسطس 2022، بينما يضم النظام نحو 84 حكماً متعاقداً، لإدارة مباريات الدوري الممتاز، ومنذ 2024 تم منع الحكام الإنجليز من إدارة مباريات خارجية، لتفادي تضارب المصالح.
وفي إسبانيا تقع مسؤولية التحكيم تحت إشراف اللجنة الفنية للحكام، والتابعة للاتحاد الإسباني لكرة القدم، وحكام الدوري الإسباني «لا ليغا» يتمتعون بوضع احترافي كامل، حيث يتقاضى كل حكم راتباً ثابتاً يبلغ نحو 145 ألف يورو سنوياً، إضافة إلى 4.900 يورو لكل مباراة، بينما يحصل حكام تقنية الفيديو على 2,950 يورو لكل مباراة.
ويضم الدوري الإسباني 20 حكماً محترفاً، وهو نفس عدد فرق الليغا، إضافة إلى 22 حكماً في الدرجة الثانية، كما تمتد منظومة اللجنة الفنية للحكام إلى اللجان الإقليمية، التي تدير التحكيم على جميع المستويات، من الدوريات الكبرى حتى كرة القدم الهواة.
وفي فرنسا يخضع الحكام لإشراف المديرية الفنية للتحكيم التابعة للاتحاد الفرنسي لكرة القدم، وأصبح التحكيم هناك مهنة احترافية منذ عام 2016، ويتقاضى حكام دوري الدرجة الأولى، وعددهم 20 حكماً، راتباً سنوياً يبلغ نحو 145 ألف يورو، مع مطالبات نقابية بزيادة 10 % خلال ثلاث سنوات، أما الحكام المساعدون وعددهم 27 حكماً فيتقاضون نحو 60 ألف يورو سنوياً، في حين يحصل حكام الدرجة الثانية على حوالي 38 ألف يورو.
وتبرز في فرنسا أيضاً إشكالية مالية بين الاتحاد ورابطة الدوري، حيث تصرف الرواتب عبر الرابطة، التي تفضل أن يتحملها الاتحاد، ما يخلق توتراً تنظيمياً مستمراً، ورغم ذلك تواصل فرنسا تقديم أسماء بارزة، حيث اختار الاتحاد الدولي لتاريخ وإحصاءات كرة القدم، الحكم الفرنسي كليمنت توربان، أفضل حكم في العالم لعام 2025.
وفي ألمانيا تتشارك رابطة الدوري الألماني، والاتحاد الألماني لكرة القدم، إدارة ملف التحكيم عبر نموذج مشترك، وتم إنشاء شركة «دي إف بي» للتحكيم عام 2022، وهي تابعة للاتحاد بنسبة 51 % مقابل 49 % لرابطة الدوري، وتتولى تعيين الحكام، تدريبهم، وإدارة تقنية الفيديو، مع وجود حق اعتراض من رابطة الدوري على بعض التعيينات.
ويعتبر الحكام الألمان محترفين من الناحية التنظيمية، رغم أن معظمهم يواصلون أعمالاً أخرى خارج كرة القدم، ويضم النظام هذا الموسم 24 حكماً في الدرجة الأولى، و19 في الدرجة الثانية.
وتتراوح الرواتب بين 68 ألف يورو سنوياً للحكام الأقل خبرة، و78 ألف يورو لمن تجاوزوا خمس سنوات خبرة، وتصل إلى 88 ألف يورو لحكام الفيفا، إضافة إلى مكافآت لكل مباراة تصل إلى 6,000 يورو للحكم الرئيسي.
وانتهت الصحيفة الإيطالية في تقريرها إلى أن المقارنة بين الدوريات الأربعة تكشف أن التحكيم في أوروبا لا يخضع لنموذج واحد، بل لمزيج من الاستقلالية والارتباط المؤسسي، مع فروق واضحة في الرواتب والهيكلة والسلطة التنظيمية، وبينما تصل الرواتب في إنجلترا إلى 300 ألف يورو سنوياً، تبقى الأنظمة الأخرى أقل من ذلك بكثير، لكنها تعتمد على نماذج مختلفة في الإدارة والتطوير، ما يعكس تعدد الرؤى في إدارة أحد أكثر عناصر اللعبة جدلاً وتأثيراً.
