المغرب والكاميرون... صراع الذاكرة والرهان الذهني بعد انتظار 39 عاماً

هناك مباريات تتجاوز حدود الـ90 دقيقة، وتحمل في طياتها أكثر من مجرد نتيجة، وتنتمي مباراة المغرب والكاميرون، مساء اليوم، ضمن ربع نهائي كأس الأمم الأفريقية، إلى هذه الفئة.
وتحمل مباراة الغد الرقم 4 في تاريخ مواجهات المغرب والكاميرون في الأدوار النهائية لكأس أمم أفريقيا، وتقام بعد 39 سنة من الانتظار، وشهدت المواجهات السابقة فوزين للكاميرون، وتعادلاً واحداً، وآخر مواجهة بين المنتخبين في الأدوار النهائية تعود إلى عام 1992.


ويتوقع متابعة ربع نهائي مشحون بالتوتر، ويُلعب في ملعب تميل مدرجاته إلى «أسود الأطلس» أصحاب الأرض، في مواجهة «الأسود غير المروضة» الذين يدخلون المواجهة بلا عقد، مدفوعين بالإيمان، والقوة الذهنية، وجيل شاب متعطش لإثبات الذات.
ويعرف المنتخب المغربي على أرضه، ويعرف جيداً حجم الرهان، والأمر لا يتعلق فقط ببطاقة عبور إلى نصف النهائي، بل بتأكيد مكانة، ووضع ترسخ منذ مونديال 2022، حيث بات «أسود الأطلس» فريقاً قادراً على فرض الاستحواذ، والتحكم في نسق اللعب، وتحمل ضغط صفة المرشح.


ويقوده المدرب وليد الركراكي، والذي لا يكل من التذكير بفلسفته، وهنا لا تغيير بدافع الخوف، ويقول بثبات وبتماسك بمبادئه التكتيكية: «نكثر من التغييرات، فهذا يعني أننا نشك»، ولذا سيدخل المنتخب المغربي اللقاء بهويته، بتوازنه بين الأطراف، وبأشرف حكيمي الذي يواصل تصاعد مستواه، وبقناعة راسخة بأن التواضع يظل أفضل درع.
وغير أن واقع المنافسة يفرض نفسه، فغرفة العلاج تذكّر دائماً بأن الكمال نادر في البطولات الطويلة، وحمزة إيغامان عاد إلى جاهزيته الكاملة، ورومان سايس في مرحلة استعادة الإيقاع، وسفيان أمرابط ما زال يتعامل مع كاحل متعب، ولا شيء يدعو للقلق، بل هو الإيقاع الطبيعي لمسابقة تتطلب تركيزاً دائماً، و«أصغر خطأ قد يُدفع ثمنه غالياً»، يحذّر الركراكي مدركاً أن مواجهة خصم بهذا الحجم لا ترحم أي هفوة، وقد تتحول كرة واحدة سيئة التقدير إلى مرتدة قاتلة.


وفي الجهة المقابلة، يصل الكاميرون بلا عباءة المرشح، لكن بثقة داخلية واضحة، وبمنتخب في طور البناء، ولكنه بناء واعٍ وصلب، المدرب دافيد باغو لا يدّعي امتلاك فريق مثالي، لكنه يؤكد أن المجموعة تسير في الاتجاه الصحيح، وهناك تفاصيل تحتاج إلى صقل، وانسجام يتطلب وقتاً، لكن العنصر الثابت هو الحالة الذهنية.
بدوره، تواجه الكاميرون بعض المشاكل البدنية، ومنهم دارلين يونغوا، الذي خرج مصاباً أمام جنوب أفريقيا، ما زال تحت المراقبة، و«غرفة العلاج جزء من أي بطولة من هذا النوع»، ويخفف باغو من حدة الأمر، مشدداً على أن الأساس هو الجانب الذهني، والاستعداد للعب فوق الألم من أجل تمثيل الأمة.


وفي الخطاب الكاميروني، فكرة واحدة تتكرر، التاريخ لا يلعب المباريات، والمواجهات السابقة، الإقصاءات القديمة للمغرب على أرضه، كلها تنتمي للأرشيف، و«الماضي لا يضمن المستقبل»، يكررها المدرب، وهو يعيد صفة المرشح إلى المغرب، و«نصف نهائي كأس العالم». فهم المنظمون المستقرون، واللاعبون في ديارهم، لذا هي خطوة ذكية أيضاً لتحرير لاعبيه من الضغط ونقله إلى الطرف الآخر.
وميدانياً تعد المواجهة بصراع أساليب واضح، والمغرب، سيد الكرة بمعدل استحواذ يقارب 65%، صبور، منظم، يجيد توسيع الكتل الدفاعية، وخطير في الكرات الثابتة التي يعمل عليها بدقة، وفي المقابل يتقن الكاميرون اللعب من دون كرة، والانطلاق السريع والقوة في التحولات، ويوضح المدرب الكاميروني: «لا يمكن لأي فريق أن يكون قوياً طوال التسعين دقيقة»، والتحدي سيكون في الصمود خلال فترات التفوق المغربي، ثم الضرب بثبات في لحظات الضعف.


وفي وسط الميدان ستكون المعركة ذهنية بقدر ما هي تكتيكية، والركراكي ينتظر قدراً أكبر من التحرر لدى لاعبيه الأساسيين، خصوصاً في العمق، حيث قد يكبل الضغط أحياناً جودة الأداء. أما الكاميرون فيراهن على بروز قادة جدد، على غرار بِيمون، المدعو لفرض حضوره داخل غرفة الملابس كما فوق أرضية الملعب.
ولن يبقى مجال للخطب، ولا للرموز، ولا حتى للإرث، فقط ربع نهائي بين قوتين أفريقيتين كبيرتين، رؤيتين مختلفتين للعبة، ونوعين من الضغط، والمغرب يلعب من أجل التأكيد، والكاميرون من أجل قلب المعادلة، وكما هو الحال دائماً في مثل هذه المواجهات، قد يُحسم كل شيء بتفصيل صغير، وفي انتقال سريع، كرة ثابتة، أو لحظة صدق ذهني.