من «رحلة الـ 16 يوماً» إلى «معركة الكرات».. حكايات من أول مونديال 1930

لم تكن النسخة الأولى من كأس العالم التي استضافتها الأوروغواي عام 1930، مجرد بداية لبطولة كروية، بل كانت أيضاً مسرحاً لقصص إنسانية وطرائف تاريخية، لا تزال تروى حتى اليوم. شكّلت نسخة عام 1930 نقطة الانطلاق لأكبر بطولة كروية في العالم، حيث أُقيمت بين 13 و30 يوليو، وانتهت بتتويج أصحاب الأرض على حساب الأرجنتين في النهائي.


وجاء تنظيم البطولة بمبادرة من رئيس الاتحاد الدولي آنذاك، الفرنسي جول ريميه، الذي دفع نحو إنشاء مسابقة عالمية، وهو القرار الذي أُقرّ في 28 مايو 1928. وبعد عام، تم اختيار الأوروغواي لاستضافة الحدث، احتفالاً بمرور مئة عام على استقلالها، إضافة إلى تعهدها بتحمل تكاليف سفر وإقامة المنتخبات، وبناء ملعب جديد هو ملعب سنتيناريو، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تزامنت مع أزمة الكساد العالمي، عقب انهيار أكتوبر 1929.


شاركت 13 دولة فقط، بينها تسع من القارة الأمريكية، وأربع من أوروبا، في ظل صعوبات السفر الطويل بحراً، الذي كان يستغرق أسبوعين ذهاباً ومثلهما إياباً.
وشهدت البطولة انطلاقها بمباراتين أُقيمتا في توقيت واحد، حيث فازت فرنسا على المكسيك 4-1، والولايات المتحدة على بلجيكا 3-0. وسجّل الفرنسي لوسيان لوران أول هدف في تاريخ كأس العالم. حققت النسخة الأولى نجاحاً رياضياً وجماهيرياً، حيث قُدّمت مباريات بمستوى فني مرتفع، وجذبت أكثر من 500 ألف متفرج، عبر 18 مباراة.


رحلة 16 يوماً

انطلقت سفينة الركاب الإيطالية «كونتي فيردي»، التي صُنعت في غلاسكو، حاملةً أربعة منتخبات إلى أوروغواي. بدأت الرحلة من جنوة، وعلى متنها المنتخب الروماني، ثم التقطت اللاعبين الفرنسيين في فيلفرانش سور مير. وصعد على متن السفينة أيضاً ثلاثة حكام، ورئيس فيفا جول ريميه، الذي كان يحمل كأس العالم في حقيبته. بعد ذلك، انضم المنتخبان البلجيكي والبرازيلي في برشلونة وريو دي جانيرو على التوالي. استغرقت الرحلة 16 يوماً، حرص خلالها اللاعبون على الحفاظ على لياقتهم بالركض على طوابق السفينة العشرة، بينما استمتعوا في المساء بعروض كوميدية وموسيقية.


قمصان بيضاء

في النسخة الأولى من كأس العالم عام 1930 في الأوروغواي، ارتدى «السيليساو» القميص الأبيض، شأنه شأن منتخبي بوليفيا وتشيلي، اللذين يُعرفان اليوم بلقبي «لا فيردي» «الخضر» و«لا روخا» «الحمر».


لاعب و10 رياضات
بريغينيو، صاحب أول هدف للبرازيل في تاريخ كأس العالم، من أعظم الرياضيين متعددي المواهب في التاريخ. فقد تألق أيضاً في ألعاب القوى، كرة السلة، الغطس، هوكي العجلات، التجديف، السباحة، تنس الطاولة، الكرة الطائرة، وكرة الماء. وفي أحد أيام عام 1925، حقق بريغينيو لقبه الثالث في سباق 600 متر سباحة في ريو دي جانيرو، ثم استقل سيارة أجرة إلى ملعب «لارانجيراس»، وفي أول ظهور له مع نادي فلومينينسي، ساعدهم على الفوز بلقب «تورنيو إينيسيو».


بطولة بطابع شبابي
اتسمت البطولة الأولى بطابع شبابي لافت، إذ كان المكسيكي مانويل روساس والروماني نيكولاي كوفاتش، وكلاهما في الثامنة عشرة، من أصغر الهدافين في تاريخ المسابقة. كما دخلت يوغوسلافيا التاريخ بأصغر معدل أعمار لفريق مشارك «21 عاماً و7 أيام». وعلى صعيد المدربين، واجه الأرجنتيني خوان خوسيه تراموتولا «27 عاماً»، نظيره المجري جيورجي أورث «29 عاماً»، بينما بقي الأوروغوياني ألبرتو سوبيسي أصغر مدرب يحرز اللقب بعمر 31 عاماً.


شجاعة لا تنسى
في نصف النهائي أمام الأرجنتين، تعرض الأمريكي رالف تريسي لكسر في ساقه، لكنه رفض مغادرة الملعب، في مشهد يجسد روح التحدي في تلك الحقبة. ولم يخرج إلا بين الشوطين، بعد إقناع من زميله جيمس جنتل. الأخير، الذي كان الوحيد في الفريق الذي يتحدث الإسبانية، حقق لاحقاً ميدالية برونزية أولمبية، لكن في لعبة هوكي الميدان، وليس كرة القدم، خلال أولمبياد لوس أنجلوس 1932.


نصفا نهائي بنسخة واحدة
شهدت البطولة نتيجتين متطابقتين في نصف النهائي: فازت الأرجنتين على الولايات المتحدة 6-1، وتغلبت الأوروغواي على يوغوسلافيا بالنتيجة نفسها، في تكرار نادر، لم يتحقق سوى خمس مرات لاحقاً في تاريخ كأس العالم.


هداف بيد واحدة
من بين أبرز شخصيات النهائي، المهاجم الأوروغوياني هيكتور كاسترو، الذي سجل هدفاً في الفوز 4-2 على الأرجنتين، كان يُلقب بـ «إل مانكو» «ذو الذراع الواحدة». فقد بُترت يده اليمنى في حادث بمنشار كهربائي، عندما كان في الثالثة عشرة، لكنه واصل مسيرته، ليصبح أحد رموز المنتخب.


معركة الكرات
لم تخلُ المباراة النهائية من جدل، إذ أصر كل من المنتخبين الأرجنتيني والأوروغوياني على اللعب بالكرة الخاصة به. ومع تعذر التوصل إلى اتفاق، تدخل رئيس الاتحاد الدولي آنذاك، جول ريميه، وقرر استخدام كرة لكل شوط.
تفوقت الأرجنتين في الشوط الأول «2-1» بكرتها المصنوعة في إسكتلندا، قبل أن تقلب الأوروغواي النتيجة في الشوط الثاني «3-0»، باستخدام كرتها المصنعة في إنجلترا، لتحرز أول لقب في تاريخ البطولة.


مدينة واحدة تستضيف العالم
أقيمت جميع مباريات البطولة في مدينة واحدة، هي مونتيفيديو، وعلى ثلاثة ملاعب فقط، في تناقض صارخ مع بطولات لاحقة استضافتها عشرات المدن والملاعب.