العنصرية في كرة القدم.. عدالة انتقائية وعقوبات لا تخيف

فينيسيوس جونيور
فينيسيوس جونيور

هل تكفي شعارات «لا للعنصرية» لحماية اللاعبين، أم أن ميزان العدالة في كرة القدم يتبدل وفق شهرة الاسم وقيمة الشعار التجاري؟ الوقائع المتكررة في الملاعب كشفت أن العنصرية باتت ظاهرة ممتدة تعجز اللوائح الحالية عن احتوائها، إذ تتفاوت سرعة القرارات وحدة الإدانة وفقًا لمكانة اللاعب وقيمة النادي الذي يلعب بين صفوفه، ليتم وضع المنظومة أمام اختبار مصداقية شعاراتها وقدرة عقوباتها على الردع.

أكدت تقارير الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» أن معدلات الوقائع العنصرية لم تلمس تراجعًا خلال السنوات الماضية رغم حملات التوعية، بل ارتفعت حدتها مع توسع منصات التواصل الاجتماعي، بعدما انتقلت الإساءات من المدرجات إلى الفضاء الرقمي، لتطارد اللاعبين خارج نطاق السيطرة التقليدية المرتبطة بالمباريات.

وتعتمد لوائح «فيفا» والاتحادات القارية على منظومة عقوبات تشمل الغرامات المالية وإغلاق المدرجات وخصم النقاط، غير أن تقارير حقوقية ترى أن هذه الإجراءات لم تحقق الردع المطلوب، خاصة لدى الأندية الكبرى القادرة على امتصاص الخسائر دون أن يؤثر ذلك على سلوكها المؤسسي، لارتباط العقوبة بطابع مالي لا يمس جوهر المنافسة.

كشفت بيانات منظمة «كيك إت آوت» البريطانية تسجيل أعلى عدد من وقائع العنصرية خلال موسم 2022-2023، فيما أظهرت دراسات صادرة عن «دار نشر جامعة كامبريدج» أن تعامل المؤسسات الكروية مع الظاهرة جاء في كثير من الأحيان رد فعل لضغوط إعلامية فقط.

أشارت تقارير منظمة «هيومن رايتس ووتش» إلى أن فشل الردع يرتبط بغياب معالجة الجذور الثقافية والاجتماعية للعنصرية، وتفاوت تطبيق اللوائح، إضافة إلى خضوع بعض القرارات لاعتبارات تجارية، بينما أقرت تقارير أوروبية بعدم نجاح العقوبات الحالية في كبح سلوك الجماهير.

وأكدت متابعات تاريخية أن العنصرية كانت سلوكًا علنيًا داخل الملاعب الأوروبية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث جرى التعامل مع الإهانات بوصفها جزءًا من أجواء اللعبة، ما تسبب في ترسيخ الأزمة عبر الأجيال.

مع دخول كرة القدم عصر المنصات الرقمية، تحولت الإساءة إلى حملات منظمة عبر الإنترنت... وفي هذا السياق، كشفت بيانات منظمة «كيك إت آوت» البريطانية عن ارتفاع البلاغات المتعلقة بحوادث العنصرية بنسبة تقارب 65% خلال موسم 2022-2023 مقارنة بالموسم السابق، وهو ما يدل على اتساع نطاق الظاهرة.

أظهرت القضايا المرتبطة باللاعبين النجوم تفاوتًا في حجم الإدانة وكذلك في سرعة اتخاذ القرارات، حيث تحظى بعض الوقائع بضغوط إعلامية وجماهيرية تدفع الاتحادات للتحرك العاجل، مقابل حوادث مشابهة للاعبين أقل شهرة يتم التعامل معها في نطاق محدود، وتعد قضية البرازيلي فينيسيوس جونيور، نجم ريال مدريد، دليلاً على هذا التفاوت، بعدما تحولت الوقائع المتكررة ضده إلى قضية عالمية بفعل مكانته وقيمته السوقية.

أكد «معهد رويترز لدراسة الصحافة» أن الشهرة والقيمة السوقية تؤثران مباشرة في تشكيل الرأي العام، ومن ثم في حجم الضغط على أصحاب القرار، ووصفت تقارير حقوقية هذا المسار بـ«العدالة الانتقائية».

تعد حالة البرتغالي المخضرم جوزيه مورينيو، مدرب بنفيكا الحالي، مثالًا لتغير الخطاب الأخلاقي داخل المنظومة الكروية، بعدما انتقل من تبني مواقف رسمية ضد العنصرية إلى موقف دفاعي في واقعة حديثة ارتبطت بلاعب فريقه الأرجنتيني جيانلوكا بريستياني، وجاء ذلك عقب حادثة إساءات عنصرية وجهت من الأخير إلى فينيسيوس جونيور خلال إحدى مباريات دوري أبطال أوروبا، ما يبين تراجع المبادئ المعلنة عند تقاطعها مع المصلحة الشخصية.