لم يترك دييغو أرماندو مارادونا بسلام، لا في حياته ولا بعد رحيله، وربما كانت هذه هي اللعنة الأشد التي لازمته منذ أن خرج إلى العالم في 30 أكتوبر 1960، وحتى غادره في 25 نوفمبر 2020، في ظروف لا تزال غامضة، كأنها الفصل الأخير من قصة رفضت أن تروى بوضوح.
وفي حياته، كان مارادونا كل شيء، مجداً كروياً لا يمس، معبوداً شعبياً، ورمزاً تجاوز حدود الرياضة ليصبح أسطورة إنسانية، وكثيرون نادوه بأعظم لاعب في تاريخ كرة القدم، وربما لم يبالغوا، ولكن المجد لم يأت بلا ثمن، وكأن مارادونا أبرم صفقة خفية تتضمن بنودها عبقرية خارقة في الملعب، مقابل حياة شخصية ممزقة خارجه.
وعرف مارادونا الفقر في بداياته حسب ما أشارت صحيفة «لاغازيتا دييلو سبورت» الإيطالية، ثم عرف الإدمان لاحقاً، حين تحولت المخدرات والكحول من هروب عابر إلى سجنٍ كامل، وعانى من عجزٍ مؤلم عن منح الحب لمن حوله كما ينبغي، ومن علاقات عائلية مشوشة، وسوء تفاهم مع أبنائه تحول مع الوقت إلى نزاعات حقيقية.
وعاش مارادونا حياة صاخبة، مفرطة، قبلها بوعي، بل وغاص فيها أحياناً بلا حساب، متجاوزاً حدود الجسد والطبيعة، وكأنه في سباق دائم مع الوقت، وحين جاء الموت، ظن الجميع أن النهاية ستكون رحيمة، وأن الباب أغلق أخيراً على الألم، وأن مارادونا، بعد كل هذا الصخب، سينعم بالهدوء حتى من اختلفوا معه، ومن جرحهم أو خيبهم، تشاركوا الفكرة نفسها، الآن فقط، سيتوقف عن المعاناة.
ولكن الموت لم يكن خاتمة، بل بداية حرب جديدة، ومنذ يوم اختفائه، تفجرت النزاعات حول إرثه، أبناؤه، زوجاته، شركاؤه، محاموه، وكل من دار في فلكه، دخلوا في صراع مفتوح على ممتلكاته، واسمه، وذكراه، كأن الجسد غاب، لكن المعركة بقيت، وكأن مارادونا، حتى وهو في قبره، ما زال وقوداً لصراعات لا تنتهي.
وتحول الميراث إلى ساحة قتال، لا مكان فيها للاحترام، أطراف تتنازع، ملفات تفتح، اتهامات تتطاير، وكل طرف يدعي الحق في قطعة من أسطورة لم تعد قادرة على الدفاع عن نفسها في مشهد يشبه كثيراً حياته، فوضوي، مؤلم، ومليء بالتناقضات.
وكان مارادونا في حياته رجلاً عاش على الحافة، محبوباً حد التقديس، ومداناً حد القسوة، وفي موته، لم يمنح حتى نعمة الصمت، فبدل أن يتحول إلى ذكرى خالصة، إلى صورة معلقة في ذاكرة الملايين، أصبح اسمه عنواناً لمعركة قانونية وإنسانية بلا رحمة.
وإن لم يكن هذا لعنة... فماذا نسميه إذاً؟
ولم تتوقف معارك دييغو أرماندو مارادونا، عند حدود الملاعب التي صنع فيها مجده الأبدي، فبعد رحيله، اندلعت حرب أخرى، أكثر صمتاً لكنها لا تقل شراسة، حرب على الميراث تحولت إلى واحدة من أعقد القضايا القضائية والعائلية في تاريخ كرة القدم.
ويتنازع نحو 16 شخصاً اليوم، على إرث أسطورة الكرة العالمية، بينهم سبعة أبناء من زيجات وعلاقات مختلفة، إضافة إلى شقيقاته، في صراع مفتوح على ثروة تقدر بنحو 50 مليون دولار، والثروة لا تقتصر على أموال سائلة، بل تمتد عبر قارات وحدود، وتشمل ممتلكات وحسابات واستثمارات موزعة بين الأرجنتين وسويسرا ودبي ودول أخرى.
وفي قلب هذا النزاع، تقف اتهامات خطيرة باختلاس ما يقارب 13 مليون دولار، حيث تتهم دالما وجيانينا، ابنتا مارادونا، الوكيل القانوني السابق لوالدهما، ماتياس مورلا، بالاستيلاء على جزء كبير من أموال الأسطورة خلال سنواته الأخيرة، والاتهامات فجرت القضية ودفعت بها إلى مستويات أكثر تعقيداً، ولم يعد الخلاف عائلياً فحسب، بل بات جنائياً.
ويوصف هذا الصراع في أروقة المحاكم بـ«كأس عالم القضاء»، ليس لقيمته الرمزية، بل لكثرة أطرافه وتشابك مساراته، ويتضمن حسابات مصرفية في الخارج، شركات مسجلة بأسماء مختلفة، عقارات فاخرة، سيارات نادرة، واستثمارات تجارية مبعثرة، وكل جانب يضيف فصلاً جديداً إلى معركة تبدو بلا نهاية قريبة.
ورغم الاعتراف بخمسة أبناء رسمياً ضمن التركة، فإن الباب لا يزال مفتوحاً أمام ظهور مطالبات جديدة، في ظل تاريخ شخصي معقد عاشه مارادونا، حيث لم تكن حياته العاطفية يوماً مستقرة أو واضحة المعالم، وكل ادعاء جديد كفيل بإعادة خلط الأوراق وتأخير الحسم.
وما زاد الأزمة تعقيداً، هو غياب وصية نهائية، إذ ألغى مارادونا وصية كتبها عام 2012، قبل أن يتراجع عنها رسمياً في عام 2016، تاركاً إرثه دون توجيه واضح، ووفقاً للقانون الأرجنتيني، يعني ذلك تقسيم التركة بالتساوي بين الأبناء، بغض النظر عن الخلافات أو العلاقات الشخصية، وهو ما لم ينجح حتى الآن في تهدئة النزاع.
وبين القصور والسيارات الفارهة، وبين الحسابات السرية والاستثمارات العابرة للحدود، تبدو تركة مارادونا عبئاً ثقيلاً أكثر منها إرثاً مشرفاً، إرث يعكس حياة صاحبها المليئة بالتناقضات، وفي انتظار كلمة الفصل من القضاء، يبقى اسم دييغو مارادونا حاضراً في العناوين، لا كأسطورة كروية هذه المرة، بل كعنوان لمعركة إنسانية وقانونية، تؤكد أن بعض الأساطير لا تجد السلام حتى بعد الرحيل.
