في البرواز

قاهر الأحزان

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

لم يكن قد بلغ العاشرة من عمره، حين انزوى في ظلمة الليل إلى أحد أركان البيت، يبكي بدموع ساخنة لرحيل أمه التي علم أنها فارقت الحياة، وما كادت ‏دمعاته الحزينة تجف، حتى تجددت مرة أخرى، بوفاة والده عقب صراع مع المرض، وبقي مع شقيقه بدر، يكافحان من أجل البقاء ورعاية ‏الأشقاء. ‏

بفطرته الطموحة، لم يستسلم إلى الأحزان والصعاب، تعلم الإصرار والجلد في مواجهة الحياة، صمم أن يكون شيئاً، حدد حلمه ‏وسعى إلى تحقيقه، انطلق بدراجته الهوائية، نحو القمة، وأصبح حيث يحب أن يكون.‏

في طفولته، كان مغرماً بالركض.. يشق بوجهه الصغير غبار الصيف الساخن، يعدو وهو يلهو مع رفاقه في الفريج بخورفكان، التي فيها ‏ولُد ونشأ.‏

عندما شب، لفت نظره، سباقات الدراجات الهوائية، ووضعية الدراجين فوقها بشكل مائل وملابسهم اللاصقة على أجسامهم، كان مغرماً ‏بحركة التروس وهي تتناقل لتزيد من السرعات، يتابع أسلاك العجلات وهي تتداخل، فتبدو غامضة، أتدور للخلف أم الأمام؟ ‏

في لحظة تفكير عميق، قرر عام 1999، وعمره 11 عاماً، أن يصقل موهبته مع السرعات والانطلاقات، انضم إلى نادي الخليج في ‏خورفكان، وهناك كانت البداية محدودة ومرتبطة بما كان حينذاك من إمكانيات، لكنه مع أول تدريبات جدد طموحه، وأكد لنفسه أنها أول ‏خطوة في طريق الألف ميل، مرق بدراجته يحرك ركبتيه لأعلى وأسفل فتزداد سرعته ومعها تغمره السعادة، وهو ‏يعبر الريح ويحقق الذات.

بعد رحلة شاقة من التدريبات انتقل مع شقيقه بدر إلى النادي الأهلي في دبي، ومعه بدأ كل منهما ينطلق في ‏مجال البطولة، حيث حصل على أول ميدالية عربية في الدراجات، وكافأهما النادي عام 2005 بتخصيص سكن خاص للاستقرار ‏فيه، وبعد 8 سنوات في القلعة الحمراء، اتجه إلى قلعة النصر عام 2013، ليصبح معه من أبرز نجوم هذه الرياضة، بعد أن نجح في ‏السيطرة على بطولات الخليج والعرب، وحصد العديد من الميداليات العربية والآسيوية، وبات أفضل دراج في تاريخ الإمارات من ‏حيث الإنجازات والمستوى الفني.

لاسيما بعد أن شارك للمرة الأولى في أولمبياد 2016، رغم الحادث الخطير الذي حدث ‏له قبلها، عندما كان يقود دراجة نارية، في فترة راحة بعد تأهله إلى الدورة الأولمبية، وأجرى أربع عمليات ‏لتثبيت مسامير وشرائح لجبر ‏الكسور‎، ومع ذلك لم يفقد حلمه الكبير.. قهر أحزانه مجدداً وعاد إلى التدريبات، ليحقق حلم المشاركة في ‏أولمبياد ريو دي جانيرو بالبرازيل كأول دراج إماراتي يحقق هذا ‏الإنجاز غير المسبوق‎.‎

إنه الدراج يوسف ميرزا يوسف بني حماد، المولود في خورفكان يوم 8 أكتوبر 1988، الحاصل على جائزة محمد بن راشد للإبداع الرياضي، ‏كأفضل رياضي محلي في الدولة، عقب نجاحه عام 2016، في الوصول إلى أولمبياد «ريو» عن جدارة واستحقاق، بجانب حصوله على أول ميدالية فضية آسيوية في تاريخ مشاركات الدولة، فيما واصل سيطرته المطلقة ‏على ذهبيات الخليج في بطولات المضمار والطريق.

‏ بدايته الحقيقية مع الميداليات الملونة، كانت في البطولة العربية عام 2009 تحت 20 عاماً، حيث حقق الميدالية الذهبية، ثم توالت البطولات والميداليات، فحصد أكثر من 100 ميدالية ملوّنة ومنوّعة ‏بين خليجية وعربية وآسيوية.

إنه نجم يستحق التواجد في البرواز.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات