ليس بالضرورة أن يكون «النقص العددي» لفريق ما في عالم كرة القدم، دائماً «نقصاً»، فهو في أحيان كثيرة يكون قمة التمام والكمال للفريق «المنقوص» منه لاعب أو أكثر من تشكيلته داخل المستطيل الأخضر، حدث هذا عملياً، وتجسد عبر نماذج عدة في دوري أدنوك للمحترفين في الإمارات، بعد مضي 5 جولات من البطولة.
ورغم الأهمية القصوى للجوانب الفنية التي قد تؤدي إلى غلبة الفريق «المنقوص» عددياً، على حساب منافسه المكتمل العدد داخل الملعب، إلا أن تكرار حالات تلك الغلبة، أضفى بعداً معنوياً أو نفسياً واضحاً على مجمل الحالة عموماً، وبما جعل العامل النفسي مرجحاً في الكثير من الحالات، أقربها ما حدث في مباراتي العين وخورفكان، عندما حولا معاً، وبنجاح ساحق، «النقص العددي» في صفوفهما إلى محرك فائق القوة والتأثير، فحقق الأول الفوز في نهاية المباراة، وأدرك الثاني التعادل، بعدما كان متأخراً بثلاثة أهداف، وفي مباراته أمام عجمان في الجولة الأولى، حول شباب الأهلي «النقص العددي» إلى قوة ضاربة، بفوزه بثلاثية نظيفة، رغم خوضه المباراة منقوصاً، بعد طرد مدافعه الصربي بوجدان، بعد مضي 20 دقيقة من زمن المباراة.
نموذج أوروبي
ولا تقتصر حالة استثمار «النقص العددي» إيجابياً من قبل الفريق المنقوص، على فرق دوري المحترفين في الإمارات، بل إن هناك نموذجاً أوروبياً يتمثل في برشلونة الإسباني، والذي فعلها أمام مستضيفه بورتو البرتغالي في دوري أبطال أوروبا، بتحقيقه الفوز بهدف دون رد، رغم معاناته من طرد لاعب خط وسطه جافي.
فقدان التركيز
وفي كرة القدم الحديثة، بات العامل المعنوي أو النفسي، مهماً ومعياراً حاضراً للتغلب على الكثير من الحالات، خصوصاً تلك التي تحدث تحت بند الطوارئ في سياق المباريات، وهذا ما يذهب إليه الدكتور ناصر العامري، المتخصص في علوم طب النفس الرياضي، بقوله: الرياضة، وكرة القدم تحديداً، مليئة بالمفاجآت والتحديات والمواقف، وهي دائماً ما تتطلب تعاملاً محدداً مع بعض حالاتها الطارئة، ومواقفها التي قد تتسبب بما هو طارئ، مثل تسجيل الأهداف، والطرد وانخفاض الأداء، وفقدان التركيز، وتحمّل مسؤولية النتائج غير الإيجابية، وغيرها من الحالات والمواقف.
المعد النفسي
ويضيف الدكتور العامري قائلاً: كرة القدم، باتت بحاجة ماسة إلى ما يعرف في علم النفس الرياضي، بالمعد النفسي الرياضي، وليس الطبيب النفسي، ولذلك، لا بد من استقدام المعد النفسي في أنديتنا، وهذا ما يجب على كل خبراء وجماهير والمهتمين بكرة القدم، الالتفات إليه باعتبار الحاجة إلى معد نفسي، تندرج أساساً في إطار التعرف وتعلم العلوم الرياضية التي تركز على حاجيات العقل، وتنمية قدراته على استيعاب المواقف الطارئة خلال المباريات، كالطرد مثلاً، بالتوازي مع تطوير قدرات الجسم ومهاراته الفنية والبدنية.
مونديال روسيا
وأشار الدكتور العامري، إلى أن غالبية أندية أوروبا وأمريكا الجنوبية، والمنتخبات الوطنية المعروفة في العالم، تعتمد بصورة شبه تامة على المعد النفسي الرياضي في تشكيلات أجهزتها الفنية، ففي عام 2018، وقبل انطلاقة مونديال روسيا، استقدم الاتحاد الإنجليزي، الأسترالية بيبا غرانغ، وجعلها رئيساً لقسم الأفراد والتطوير، بصفة معد نفسي، سعياً إلى بناء المرونة ورفع قابلية مواجهة الضغوط النفسية التي عانت منها فرق ومنتخبات إنجلترا في بطولات سابقة.
استثمار النقص
وعن دوري أدنوك للمحترفين في الإمارات، وما شهدته البطولة بعد مضي 5 جولات من حالات تتعلق بكيفية استثمار النقص العددي إيجابياً لمصلحة الفريق «المنقوص عددياً»، كما حصل مع فريقي العين وخورفكان أمام الشارقة والوصل مثلاً، قال الدكتور العامري: تابعت مباريات عدة، شهدت بعضها «نقصاً عددياً» لأحد طرفيها، ووجدت أن أمراً نفسياً ذا بُعد معنوي مشترك، قد حدث فعلاً، طرد لاعب أو أكثر والنتيجة النهائية، فوز أو تعادل للفريقين المطرود منهما لاعب أو أكثر، وهذا يمثل نوعاً من المعالجة المعنوية لحالة طارئة، نتج عنها ارتفاع مستوى الحماس لدى الفريق «المنقوص عددياً»، على حساب منافسه المكتمل الصفوف، معززاً بمضاعفة الجهد والتركيز العالي، في مقابل نوع من التراخي والافتقاد إلى المعالجة المعنوية الصحيحة في التعامل مع المواقف الطارئة لدى الفريق غير «المنقوص» عددياً.
إعادة التوازن
وشدد الدكتور ناصر العامري، على أن رياضة الإمارات بصورة عامة، وكرة القدم خصوصاً، تفتقد إلى كيفية استثمار المعد الرياضي النفسي بالصورة الأمثل، لإعادة التوازن للفريق، في الحالات التي يتطلب أن يكون الفريق أكثر توازناً من الناحية السلوكية، خلال أداء المباريات ومواجهة المنافسين بروح معنوية عالية، وتركيز أعلى، لبلوغ الهدف المنشود من المنافسة الرياضية بين طرفي المباراة.
تكرار الحالات
من جانبه، لفت عادل درويش، الناقد الرياضي، إلى أن الظاهرة موجودة فعلياً في الوسط الرياضي الإماراتي عموماً، وكرة القدم خصوصاً، مشيراً إلى أنها تتسم بكونها متكررة الحدوث في «بعض» فرق كرة القدم في الإمارات، مستدلاً على ذلك، بما حدث لفريق الوصل تحديداً في مباراته أمام خورفكان، في الجولة الرابعة من دوري المحترفين، معتبراً مناقشة الظاهرة، أمراً مهماً في هذا التوقيت بالذات، في ضوء تكرار الحالات، بعد مرور 5 جولات من الدوري.
دراسة التفاصيل
ويرى درويش، أن التشخيص العملي للظاهرة، من المفترض أن يبدأ من دراسة التفاصيل الصغيرة، التي غالباً ما تكون سبباً مباشراً للتراجع المعنوي للفريق الذي يعاني نقصاً عددياً أمام منافسه خلال أداء المباراة، معتبراً ذلك معضلة إدارية، تتطلب المعالجة الجذرية العاجلة من قبل إدارات الأندية، قبل استفحال الظاهرة، وخروجها عن نطاق السيطرة، مستدلاً على ذلك، بحدوث الظاهرة في 8 مباريات للوصل خلال 3 مواسم فقط!
منظومة العمل
وشدد درويش، على أن «بعض» السلوكيات الصادرة من «بعض» اللاعبين خلال المباريات، بحاجة إلى «جنرالات» في الجوانب الإدارية والمعنوية لضبطها، ووضعها في الإطار الذي يخدم مسيرة فريق ما، وبما يقود إلى جعل منظومة العمل متناسقة مع متطلبات الاحتراف الحقيقي، من حيث البناء الفني والبدني والمعنوي، محملاً جانباً من مسؤولية ما يحدث من تدهور في نتائج «بعض» فرق دوري المحترفين في الإمارات، إلى سلوكيات «بعض» اللاعبين!
التعامل الإيجابي
ولفت عادل درويش، إلى أن حالات التعامل الإيجابي من قبل الفرق «المنقوصة عددياً» في جولات الدوري الماضية، كرست حقيقة أن «النقص العددي» قد لا يكون مبرراً للخسارة، مستدلاً على ذلك بفوز العين وشباب الأهلي، رغم «النقص العددي»، في مباراتيهما أمام الشارقة وعجمان، وتعادل خورفكان مع الوصل، رغم طرد لاعبين من تشكيلته الأساسية.