لم تنشغل الأوساط المعنية بشؤون منتخبات كرة القدم الإماراتية (الأول والأولمبي والشباب والناشئين)، بمرحلة زمنية من تاريخ اللعبة، قدر الانشغال إلى حد الانغماس بالفترة الحالية في تجسيد عملي لحقيقة الماضي السعيد المشرق، والحاضر الحزين المؤلم، والمستقبل الشائك الغامض لـ«الساحرة المستديرة» في الإمارات. ولا شك في أن ثلاثي السعادة، والألم.

والغموض الملازم لماضي وحاضر ومستقبل منتخبات كرة القدم الإماراتية، يمثل نوعاً من القصور الاستراتيجي الصريح، والذي أنتج الإفراط به، ظهور علامة استفهام كبيرة، وتعجب أكبر، مفادهما، وماذا عن مستقبل هذه المنتخبات، وتحديداً المنتخب الأول، الذي سجل تراجعاً محزناً في السنوات الأخيرة، في ظل كونه العنوان الأبرز.
والفصل الأكثر تشويقاً من مجمل فصول حكاية «الساحرة المستديرة» في بلد يعشق كرة القدم ، حتى باتت أخبارها ومحطات مشوارها، ومسارات التطور والتراجع فيها، الشغل الشاغل شبه الدائم لعموم أبناء مجتمع الإمارات.
«لعبة» دولية
ولا غرابة في أن تكون علامتا الاستفهام كبيرتين والتعجب أكبر عن مستقبل منتخبات كرة القدم الإماراتية، واللعبة أصلاً، رسالة وعلم وفن ..كيف لا، وكرة القدم، باتت وبامتياز، «لعبة» دولية كبرى لها الكثير من التفاصيل الإيجابية.
فصل آخر
وليت فصل «الأبيض الكبير» هو الوحيد في قصة منتخبات كرة القدم الإماراتية فحسب، بل إن فصلاً آخر يبدو بحاجة إلى تسليط الضوء يتعلق بـ«منتخبات المراحل»، الأولمبي والشباب والناشئين، بعدما صار وضعها الحالي مقلقاً في ظل الغياب شبه التام عن الظهور المؤثر في البطولات الخارجية في الأعوام الأخيرة.
فكر محلي

ومن «منتخبات المراحل» إلى الأندية المحترفة، يتواصل الاقتراب من حقيقة حاضر المنتخبات، فنجد أن الأندية الإماراتية، لا سيما المحترفة منها، قصرت تفكيرها.
ووضعت غالبية «العنب» في«سلة» البطولات المحلية، حتى بات فكرها محلياً بامتياز، ولا أدل على ذلك، من عجزها عن تقديم نجوم جدد لـ«الأبيض الكبير» الذي ومنذ سنوات عدة، يعتمد على أسماء يعود ظهور بعضها مع المنتخب الوطني إلى العام 2011، وهذه معضلة كبرى في حاضر ومستقبل عموم منتخبات كرة القدم الإماراتية.
رقم واحد
اتحاد كرة القدم، الجهة المعنية رقم واحد عن حاضر ومستقبل اللعبة في الإمارات، أندية ومنتخبات، انشغل إلى حد كبير بظهور «الأبيض الكبير» في مرحلة الحسم المؤهلة إلى «مونديال2022»، وكيفية عبورها وبلوغ نهائيات كأس العالم للمرة الثانية، وهي المهمة التي لم تنجز بعد أن تبدد ذلك الحلم بالخسارة أمام منتخب أستراليا.
رؤية 2038
وبحثاً عن حل، عمد اتحاد كرة القدم في مايو 2021، إلى إطلاق خطة عمل أسماها «استراتيجية كرة القدم ـ رؤية 2038»، تنفيذاً لرؤية المجلس التي يسعى من خلالها إلى التنافسية عبر تطبيق أفضل معايير العمل الإداري والفني للفترة المقبلة، بما يتناسب وطموحات الجمهور الرياضي الإماراتي، وبما يصل بالمنتخبات الوطنية إلى منصات التتويج.
وتركز رؤية اتحاد الإمارات لكرة القدم، على 7 محاور تتمثل في المنتخبات الوطنية، ومستقبل اللاعبين، والمشاركات الخارجية، واللعب باحترافية، والتفاعل الجماهيري، والشهرة العالمية، وتطوير الألعاب النوعية، والتي تشمل كرة القدم النسائية وكرة القدم الصالات وكرة القدم الشاطئية.
وحدد اتحاد الكرة 7 أهداف يسعى إلى تحقيقها عبر رؤيته لعام 2038، تمثلت بوضع آلية مستدامة تقود إلى التأهل إلى نهائيات كأس العالم اعتباراً من مونديال 2034، وآلية مستدامة لبلوغ دور الـ16 في نهائيات كأس العالم اعتباراً من مونديال 2038.
والسعي للمنافسة على لقب كأس آسيا تحت 20 عاماً 2030، والارتقاء إلى المركز الأول في تصنيف قارة آسيا 2030، والفوز ببطولة كأس آسيا للرجال في 2031، واستهداف العضوية في الاتحادين الدولي والآسيوي في العام 2023، واستضافة «كونغرس» الاتحاد الدولي لكرة القدم في 2025.
كشف الحقائق
ومن اتحاد كرة القدم إلى الإعلام الرياضي بمختلف مسمياته، يتواصل الاقتراب من حاضر اللعبة في الإمارات، وهنا بالإمكان تلمس حقيقة عدم تردد الإعلام الرياضي في القيام بدوره الهادف إلى كشف حقائق الوضع في دائرة منتخبات الكرة الإماراتية.
ولكن ذلك الدور لم يتعدَ حدود إلقاء الأضواء وعلى استحياء، ربما بحجة دعم «الأبيض الكبير»، والوقوف مع اتحاد اللعبة، وعدم «تهويل» الوضع، والابتعاد عن «تضخيم» صورة الواقع، رغم الإدراك بأن حال منتخبات كرة القدم الإماراتية، فعلاً، يبدو مؤلماً حاضراً، وشائكاً إلى حد الغموض مستقبلاً.
ولادة مرحلة
أما الجماهير العاشقة لمنتخبات كرة القدم الإماراتية عموماً، و«الأبيض الكبير» خصوصاً، فيبدو أن عليها العيش في دائرة «ثلاثي» الانتظار والترقب والخوف، انتظار ظهور لحظة تكون فيها منتخبات كرة الإمارات عند مستوى الطموح، ترقب ولادة مرحلة جديدة عنوانها الأبرز، «أبيض كبير» قولاً وفعلاً، وخوف من أن يدوم الحال.
ويمتد من الحاضر إلى المستقبل، وهنا يكون من حق الجماهير العاشقة أن تضرب كفاً بكف، ليس تصفيقاً، بل حسرة وألماً.

ويرى إسماعيل راشد، نجم كرة القدم الإماراتية السابق، المشرف العام على «الأبيض الكبير» لأعوام عدة، أن حاضر منتخبات كرة القدم الإماراتية، ليس بالصورة المرضية، أو المستوى المنشود.
خصوصاً بعد الخروج المحزن جداً من دور المجموعات لـ«خليجي 25» في العراق، وقبله عدم التأهل إلى نهائيات مونديال 2022 في قطر.
توحيد المدارس
وقال: الحديث عن مستقبل منتخبات كرة القدم الإماراتية، متشعب، لكني أود التركيز على جزئية مهمة جداً، وأعني بها حتمية توحيد المدارس الفنية التدريبية على صعيد جميع المنتخبات، الأول والأولمبي والشباب والناشئين، لأن الضرورة تقتضي أن تكون المدرسة التدريبية واحدة في المستقبل، لما لذلك من تأثير مباشر على صعيد الأداء والنتائج.
قفزات مشهودة
ويواصل قائلاً: في حال لم يتحقق توحيد المدارس الفنية التدريبية في المنتخبات، لا بد من العودة إلى تجربة المدرب الوطني التي أثبت تطبيقها في أعوام سابقة، نجاحاً باهراً عندما تولى عدد من المدربين الإماراتيين مهمة القيادة الفنية في المنتخبات، ونجحوا في تحقيق قفزات مشهودة في الأداء والنتائج في مختلف البطولات، حتى أن غالبية أبناء الوسط الكروي يتذكرون الآن، تلك الأعوام والنتائج والمستويات.
دور الأندية
وعن دور الأندية في رسم ملامح مستقبل منتخبات كرة الإمارات، يجيب إسماعيل راشد بالقول: الأندية طرف أصيل ومهم جداً في رسم ملامح مستقبل منتخباتنا الوطنية، والإسهام بإيجاد الحلول الناجعة، وأعتقد أن على الأندية أن تضع مهاجماً مواطناً دائماً في تشكيلات فرقها عند اللعب في مختلف البطولات المحلية والخارجية.
لما لذلك من تأثير مباشر على أداء منتخباتنا في مشاركاتها الخارجية، وللأهمية القصوى لـ«خامة» المهاجم في عالم كرة القدم، وتأثيره الحاسم في ترجيح كفة هذا المنتخب أو ذلك.
52 عاماً.. شهد ودموع
تعايشت منتخبات كرة القدم الإماراتية، الأول والأولمبي والشباب والناشئين، مع لحظات من الشهد والدموع طوال مشوارها الطويل الممتد لـ52 عاماً، أي منذ تأسيس اتحاد اللعبة، عاشت خلالها جماهير «الساحرة المستديرة» بالدولة مع فصول مثيرة من الفرح والحزن، شهد عند وقوف أي من منتخبات الإمارات على منصة التتويج، ودموع في لحظة الإخفاق في أي محفل من محافل اللعبة.
ومن أبرز لحظات الشهد التي عاشتها منتخبات كرة القدم الإماراتية، التأهل التاريخي لـ«الأبيض الكبير» إلى نهائيات كأس العالم «مونديال 90» بإيطاليا، والفوز بلقبي بطولة كأس الخليج العربي في النسختين 18 بالعاصمة أبوظبي 2007، و21 بالبحرين 2013، والحصول على ثاني بطولة كأس آسيا بالإمارات 1996.
وثالث البطولة القارية بأستراليا 2015، ورابع البطولة بالإمارات 2019، والمشاركة في كأس القارات بالسعودية 1997.
وحصل منتخب الإمارات الأولمبي على لقب بطولة كأس الخليج العربي الثانية في قطر 2010، وفضية دورة الألعاب الآسيوية في الصين 2010، والوصول إلى نهائيات دورة الألعاب الأولمبية في لندن 2012.
فيما فاز منتخب شباب الإمارات بلقب بطولة كأس آسيا في السعودية 2008، والتأهل إلى نهائيات كأس العالم في أعوام 1997 و2003 و2009 في ماليزيا والإمارات ومصر على التوالي، والتأهل إلى نهائيات بطولة كأس آسيا بالصين 2010.
وتمكن منتخب الإمارات للناشئين من التأهل إلى نهائيات كأس العالم بإيطاليا 1991، ونيجيريا 2009، والفوز بألقاب بطولة كأس الخليج العربي في أعوام 2006 و2009 و2010 و2013، في السعودية والإمارات والكويت وقطر على التوالي، والتأهل إلى نهائيات كأس آسيا بالصين 2010.
أما أبرز لحظات الدموع التي تجرعت مرارتها جماهير الكرة الإماراتية، فتمثلت في أغلبها في إخفاق المنتخب الأول في نسخ عدة من كأس الخليج العربي، لعل أكثرها مرارة في «خليجي 25» في العراق، عندما خرج «الأبيض» من دور المجموعات بنقطة.
إضافة لعدم تأهله إلى كأس العالم، رغم تعدد مشاركاته في التصفيات المؤهلة عن آسيا، وآخرها بلوغه مرحلة الحسم للوصول إلى مونديال 2022 ، إلى جانب عدم إحرازه كأس آسيا.
عبدالباسط محمد: الحل يكمن في سبعة محاور

وصف الناقد الرياضي عبدالباسط محمد، حاضر منتخبات كرة القدم الإماراتية، بغير الإيجابي، وفقاً للنتائج المتحققة في البطولات الخارجية الأخيرة.
مشدداً على أن المهم، هو النظرة إلى مستقبل المنتخبات، وطبيعة وقيمة العمل الواجب القيام به لعودة البريق لكرة القدم الإماراتية، لافتاً إلى أن الحل يكمن من وجهة نظره في 7 محاور. ولخص عبدالباسط الحل من وجهة نظره في 7 محاور بقوله:
ما يعنينا، هو أن تعود منتخباتنا الوطنية إلى إحراز النتائج الإيجابية، وتقديم المستويات التي تليق بتاريخ اللعبة في الإمارات، ظهور منتخباتنا خلال السنوات الأخيرة، لا يبعث على السعادة، ودعنا التصفيات المؤهلة لمونديال 2022، ثم خرجنا من دور المجموعات لـ«خليجي25» في العراق، ومن وجهة نظري أن المعالجة تقوم على 7 محاور محددة.
وذكر عبدالباسط، أن المحور الأول يتعلق بضرورة اعتماد مدير فني أجنبي للمنتخبات الوطنية، يعمل معه نخبة من المدربين الأجانب، مع الاعتماد على مدربين مواطنين تتم عملية اختيارهم بعناية.
ولا باس في أن يكونوا من الكوادر الشابة، بعد إدخالهم في ورش ودورات، ودعمهم للحصول على «رخص» تدريبية متقدمة، وتوفير أفضل فرص المعايشة والاطلاع على أحدث ما توصل إليه علم التدريب، تمهيداً لتكليفهم بقيادة أي من منتخباتنا الوطنية.
انتقاء الموهوبين
أما المحور الثاني، فحدده عبدالباسط بقوله: المحور الثاني يقوم على حتمية وضع برنامج عملي قابل للتطبيق لانتقاء أبرز الموهوبين، وابتعاثهم إلى أفضل المدارس الكروية لفترات تزيد على العام، حتى يكتسبوا متطلبات اللعب الاحترافي، بالتوازي مع اعتماد المحور الثالث القائم على توفير فرص احتراف حقيقية للاعبين النجوم في الدوريات الأوروبية.
ولخص عبدالباسط محمد، المحور الرابع بضرورة جعل العمل بين المنتخبين الأول والأولمبي، حلقة واحدة، تحقيقاً لهدف جعل الأولمبي، بوابة دعم المنتخب الأول بحاجته من اللاعبين الجاهزين، فيما يتلخص المحور الخامس بضرورة وضع آلية أكثر فاعلية لحماية اللاعبين المواطنين من تأثيرات ومخاطر العقود «الاحترافية» الخيالية.
بينما يتعلق المحور السادس بأهمية إعادة النظر في مجمل آليات المسابقات المحلية، وبما يجعل الأندية أكثر إنتاجية للمواهب الداعمة للمنتخبات الوطنية، فيما يتعلق المحور السابع بحتمية مراجعة آليات التعاقدات مع الأجانب والمقيمين.
سالم ربيع: لا بد من معالجة التراكمات

لفت المدرب الإماراتي سالم ربيع، إلى أن الوضع الحالي لمنتخبات كرة القدم الإماراتية، ناتج في جانب كبير منه عن سلسلة تراكمات عمل سابقة، وتركيز النظرة في التقييم على العناصر العاملة خلال الفترة الحالية فنياً وإدارياً، مشدداً على أنه لا بد من معالجة تلك التراكمات للانطلاق في مشروع حل جذري حقيقي لهموم اللعبة في الإمارات.
وأوضح قائلاً: لا يصح أن يتم التركيز في طرح المعالجات على العاملين في الفترة الحالية سواء في الشق الفني أو الإداري، بل الأصح هو وضع خطة علاج شاملة حقيقية تقوم على أساس معالجة التراكمات السابقة، ومغادرة أسلوب الحلول العاجلة التي تشبه، علاج المريض بـ«البندول» أو استخدام علاجات مسكنات الألم.
وأضاف: المطلوب طرح خطة شاملة تحوي طريقاً واضحاً لخطوات تنفيذ العمل، ومواعيد دقيقة للوصول إلى الأهداف التي ترسمها الخطة وفق آليات محددة قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، خصوصاً ما يتعلق بحتمية مواصلة مشوار عمل مَن سبق في تولي المهمة الإدارية لدفة القيادة في كرة القدم الإماراتية، والتوقف عن أسلوب قطع المراحل أو حرقها لمجرد تغيير الأشخاص في منظومة قيادة اللعبة.
أطول مرحلة
وشدد ربيع على أن أهم ما تعانيه المنتخبات الإماراتية حالياً، هو عدم إكمال مسيرة العمل إلى أطول مرحلة زمنية ممكنة، لافتاً إلى أن ذلك، أوقع اللعبة عموماً والقائمين عليها في محظور تردي النتائج في الوقت الحالي الذي تعيشه منتخبات كرة القدم الإماراتية.
وأعرب ربيع عن قناعته بأن الفترة الممتدة من 1995 إلى 2008، تعد مميزة في تاريخ كرة القدم الإماراتية، مستدلاً على ذلك بحصد منتخبات الإمارات ألقاباً عدة وفي غالبية البطولات الخارجية، خليجياً وقارياً، منوهاً إلى أن آخر نتاجات تلك المرحلة توقف في العام 2015 بحصول المنتخب الأول على ثالث آسيا في أستراليا.
وأشار سالم ربيع، إلى أن ما تلا فترة «1995 ـ 2008»، شهد بداية التراجع لمنتخبات كرة القدم الإماراتية، ثم الوصول إلى الوضع الحالي غير المرضي، الناتج عن تراكمات سابقة لم يتم الوقوف عندها ومعالجتها بطريقة عملية وعلمية، اعتباراً من العام 2010 إلى الآن.

1998 - حصل منتخب الإمارات الأول على أفضل تصنيف له في تاريخه ضمن تصنيفات «فيفا» وذلك في نوفمبر 1998 باحتلال المركز 42 في الترتيب



