يبدو أن مونديال قطر 2022، سيغير خلال الفترة المقبلة الكثير من المفاهيم الكروية، وأكدت البطولة التي توج المنتخب الأرجنتيني بلقبها، أن وصف «كبار» لم يعد ملائماً ولا دقيقاً للمرحلة المقبلة، فبعد فوز الكاميرون على البرازيل، وانتصار السعودية على الأرجنتين، وتفوق اليابان على إسبانيا وألمانيا، وبعد الانتصارات المبهرة للمغرب، واحتلالها المركز الرابع على العالم.

وبعد تغلّب تونس على فرنسا، أثبتت البطولة أن «الكبير» هو من يعرف كيف يتعامل مع المباراة وكيف ينتصر ويصل إلى هدفه، وليس من يلعب باسمه وتاريخه معتمداً على نجوم بلا عطاء وأسماء بلا أداء، وأرسى مونديال قطر مفهوماً جديداً فليس كل من يدافع يرغب في الخروج بأقل خسارة ومقولة الدفاع خير وسيلة للهجوم تم تجديدها وتحديثها وتطويرها، بالمقابل ليس كل من يهاجم يضمن الفوز، فرب هجوم بلا هدف أفضل من دفاع محكم يقود إلى ضربة قاضية بهدف خاطف.
درس جديد
قدم مونديال قطر درساً جديداً في كيفية توزيع الجُهد بين فترات المباراة المختلفة وفي أهمية التركيز وبقاء اللاعبين متفطنين حتى آخر ثانية، والدرس الأهم أن الروح والقتالية والجدية والثقة بالنفس أهم أسلحة كرة القدم الحديثة، وفريق بلا روح لن ينتصر ومجموعة بلا تعاون يصعب التغلب عليها.
كما رفعت مباريات مونديال قطر من أسهم لاعبي الدفاع ولاعبي الارتكاز الذين طغت نجوميتهم على مهاجمين وصانعي ألعاب كبار، وأنصفت كرة القدم المدربين المجتهدين الذين يدرسون المنافس ويضعون الخطط الدقيقة التي تهتم بأدق التفاصيل بغض النظر إن كانوا يحملون أسماء وخبرات كبيرة فمدرب مثل المغربي وليد الركراكي أصبح رائداً لمدرسة الدفاع المنظم، والارتداد التكتيكي، ومعلماً لعلم التكتيك الذي أصبح حجر الزاوية في المباريات وفي الفوز بطبيعة الحال.
كما أنصفت الكرة في هذه النسخة المونديالية، أيضاً اللاعبين المجتهدين المقاتلين فهؤلاء أصبحت التكتيكات والخطط تتمحور حولهم بعد أن كانت تتمحور حول المهاجمين وصانعي الألعاب، نعيش عصر التكتيك وعصر الدفاع والمدرسة الواقعية ويبدو أننا سنودع مدرسة وفلسفة الاستحواذ والسيطرة مع استثناء الفرق والمنتخبات التي تجمع بينهما، فمنتخب مثل البرازيل على الرغم من الخروج أمام كرواتيا، لم يعد يعتمد على لاعبين مهاريين فقط.
فقد شاهدنا فريقاً يقاتل على الكرة ورأينا مهاجمين يؤدون أدواراً دفاعية ولاحظنا التنظيم العالي للدفاع وعملية قطع الكرات، والدليل على التحول في طريقة لعب البرازيل الدور الكبير الذي يلعبه كاسميرو في أداء ونتائج ملوك السامبا ونجوميته وتأثيره رغم أنه لاعب وسط دفاعي.
وكانت هناك أدواراً للحارس اليسون وماركينيوس وغيرهم من لاعبي الدفاع، والبرازيل لم تعد هجوماً فقط فصلابة الدفاع البرازيلي وتميز حارسه وقوة خط وسطه تؤكد أن الكرة تغيرت، والوداع من نصف النهائي، ربما كان عثرة، ولكن المنتخب البرازيلي ظهر متميزاً في المونديال.
تقنية حديثة
خلال سير مباريات المونديال ظهرت إحصائية غريبة، حول نسب الاستحواذ بين الفريقين.
حيث يتم منح كل فريق نسبته في الاستحواذ على الكرة في الملعب فمثلاً خلال مباراة الافتتاح كانت السيطرة بديهية في صالح الإكوادور، لكن الغرابة ليست هنا. حصلت الإكوادور على 44 % من نسبة الاستحواذ.
بينما نالت قطر 42% منه، ليكون إجمالي الاستحواذ بين الفريقين 86%، وظهرت على الشاشة كذلك نسبة الـ14% المتبقية تحت عنوان «فن التنافس» وتعني أن تلك النسبة كانت في وقت فيه الكرة معلقة.
جاهزية
من جانبه، أكد محمد مطر غراب المحلل الرياضي، أن مونديال قطر اختلف تماماً عن البطولات السابقة من حيث الكم والكيف، لافتاً إلى أن اختلاف التوقيت أعطى جاهزية مطلقة للمنتخبات واللاعبين بخلاف مسابقات كأس العالم الماضية والتي يأتيها اللاعبون بعد نهاية كل موسم.
مشيراً إلى أن لاعبي مونديال قطر لعبوا ما بين 15 إلى 18 مباراة منذ بداية الموسم كل في مسابقات بلده مما يعني قدومهم إلى الدوحة وهم في جاهزية فنية وبدنية عالية وفي فورمة المباريات، وقال: أعتقد أن الجانب البدني لعب دوره في المباريات ولاحظنا تفوق منتخبات ذات إمكانات محدودة على أخرى كبيرة وأيضاً القيمة الفنية للمدربين.
ونوه غراب إلى أنه لاحظ تحقيق نتائج مفاجئة لبعض المنتخبات التي لا تمتلك نجوماً عالميين، حيث حدث ذلك للبرازيل أمام كرواتيا والتي لا يوجد بها لاعبون كبار مثل البرازيل، لكنهم تفوقوا بالعمل البدني إلى جانب امتلاكهم حارس مرمى جيد أسهم بقدر كبير في وصول منتخب بلاده إلى المركز الثالث عالمياً، ونوه إلى أن التحولات التي تشهدها كرة القدم من رؤيته الخاصة.
كما أسلوب التحكم في اللعب من خلال امتلاك الكرة، لم يعد يؤدي إلى النجاح بشكل تلقائي ويتعين على الفرق الكبيرة أن تغير إيقاع اللعب خلال سير المباراة، وتابع: أعتقد أن اللعب بطريقة دفاعية ليس عيباً، فهذه هي كرة القدم، ليس من الضروري أن تستحوذ على الكرة أو تمتع الجمهور لتحقق الفوز.
فلسفة
كما أوضح، عيد باروت المدرب الوطني والمحلل الرياضي، أن الاستحواذ لم يعد يتفوق على فلسفة الدفاع المتكتل والصلب والمنظم، لافتاً إلى تطور الطرق الحديثة للتدريب وذلك من خلال متابعته لعدد من المنتخبات خلال المونديال والتي من بينها على سبيل المثال منتخب هولندا الذي تطلق عليه الصحافة العالمية «ملوك الكرة الشاملة».
حيث ظهر خلال مبارياته خلافاً لذلك وبتواجد خمسة لاعبين في الخلف حيث حدث ذلك أمام الأرجنتين، لافتاً إلى أن اللاعبين هم من يقومون بالجانب التكتيكي وليس العكس وفي الآخر يرجع ذلك كله إلى تطبيق خطة لعب المدرب.
وأشار باروت إلى تطور الكرة والذي تمثل في عامل اللياقة البدنية لدى عدد كبير من المنتخبات والجاهزية القصوى التي أظهرتها على الرغم من ضغط المباريات المتواصل طوال أيام المونديال وعدم تلقي اللاعبين للراحة المطلوبة مما يؤكد ذلك بأن بعض المنتخبات استعدت جيداً للعرس الكروي.
ونوه عيد باروت، إلى أن تطبيق دقائق اللعب الفعلي باحتساب الزمن المبدد جعل اللاعبين يبذلون مزيداً من العرق والجهد، وفي اعتقادي بأن لاعبي المنتخب المغربي لعبوا 3 أشواط إضافية أمام الإسبان بعد احتساب الدقائق المهدرة في الأشواط الأربعة والتي قدرت بنحو 15 أو 16 دقيقة، وعلى الرغم من ظهور حالات التعب على لاعبي المنتخبين إلا أن المغاربة تمكنوا من حسم النتيجة عبر ركلات الترجيح.
كما أكد عيد باروت أن المنتخب الألماني يعتبر الوحيد الذي لم يتطور منذ 2014 ولم يعد ذلك المنتخب «المخيف» بعد انهياره في مونديال روسيا ثم قطر 2022، كما أشير إلى أن مونديال قطر افتقد المنتخب الإيطالي أصحاب الطرق الدفاعية البحتة فعدم وجود الطليان يعد خسارة للمونديال، مشيداً بالتطور الكبير الذي شهدته منتخبات أفريقيا وآسيا على مستوى اللعبة.
01
تصدّر منتخب إسبانيا قائمة أكثر المنتخبات استحواذاً على الكرة في المونديال بـ76.9 %، وحلت البرازيل ثانية بـ68 %، والأرجنتين ثالثة بـ66.9 %، وإنجلترا رابعة بـ66.3 %.
04
صعدت 4 منتخبات إلى ثمن النهائي رغم أنها كانت من بين أقل 7 منتخبات في الاستحواذ؛ وهي اليابان بمتوسط استحواذ 32 %، وبولندا 34 %، والمغرب 38.2 %، وأستراليا 38.6 %.
%32
خلال مباراة الكاميرون والبرازيل في الدور التمهيدي ضرب المنتخب الكاميروني الرقم القياسي في أقل المنتخبات استحواذاً أمام البرازيل بنسبة 32 % لكنه رغم ذلك فاز على منتخب السامبا.
584
قام منتخب البرازيل بـ584 تمريرة في مباراة واحدة خلال المونديال الحالي.
39
اللاعب الكرواتي بروزفيتش الأكثر قطعاً للكيلومترات بـ39.62 كيلومتراً، يليه الألماني كيمتش بـ39.28، ثم التونسي الياس الزخيري بـ39.18 كيلومتراً.
