رغم المجهودات الكبيرة التي تبذلها الأندية، والأموال التي تصرفها في عملية إحلال وإبدال اللاعبين والمدربين لدعم صفوفها بما يتوافق مع طموحاتها، فإن بعض هذه الصفقات تؤول إلى نهاية صادمة، بعد أن يفشل القادمون الجدد في تقديم الخدمات المأمولة، لتواجه إدارات هذه الأندية ردود أفعال ناقمة من قبل جماهيرها وأنصارها، وكذلك النقاد والمحللين. وإزاء هذا الواقع تقفز إلى السطح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التعاقدات وفق رؤية فنية مدروسة أم أنها وليدة قرارات عشوائية، ونتاج مجاملات الوكلاء، هذه الأسئلة وغيرها طرحتها «البيان» على محللين ونقاد ومدربين وقدامى لاعبين.
أكد المدرب الوطني عبدالله مسفر، أن من أسباب فشل التعاقدات في بعض الأندية خصوصاً على مستوى اللاعبين أنها بعيدة عن الأسس العلمية المعروفة والمتبعة والتي يشارك فيها المدرب بجانب اللجنة الفنية بالنادي، وقال: للأسف نتعاقد مع اللاعب وفقاً للعرض الذي يقدمه لنا الوكيل، دون أن تكون هناك رؤية فنية واحتياجات فعلية للاعب المعين في المركز المعين، بل مبنية على رأي وسطاء وسماسرة وغالباً هؤلاء يجاملون اللاعب ولذلك يجب أن يكون بالنادي مدير فني مسؤوليته متابعة اللاعب سنتين أو ثلاث فالاختيار يجب أن يتم وفق عوامل ثلاثة مهمة وهي رؤى فنية، وخطة عمل، واحتياج فعلي.
القيمة السوقية ليست معياراً
وأكد مسفر، أن القيمة السوقية للاعب لا ينبغي أن تكون معياراً لاختيار اللاعبين والتعاقد معهم فأحياناً تكون هذه القيمة غير حقيقية حيث تلعب الأندية دوراً كبيراً في ارتفاع قيمة اللاعب لسعر لا يتناسب ومستواه الفني، وهناك لاعبون يتم رفع قيمتهم السوقية خلال التعاقد لغرض بيعه فيما بعد ولذلك ينبغي أن تتم متابعة القيمة السوقية للاعب منذ فترة خلال المواقع المتخصصة في هذا الأمر، كما يجب متابعة مستواه ومقدراته الفنية، فليس كل لاعب يستحق أن تشتريه حتى لو كانت قيمته السوقية مرتفعة فربما تراجع في مستواه الفني، وبعض الأسماء الكبيرة من اللاعبين تم التعاقد معهم على أساس قيمتهم السوقية العالية لكنهم لم يقدموا لأنديتهم الخدمات الفنية المطلوبة وعلى العكس هناك لاعبون قيمتهم السوقية قليلة لكن مستواهم الفني متميز.
عملية مشتركة
أوضح مسفر، أنه من الظلم إلقاء اللوم على الإداري في حال فشل اللاعب بعد التعاقد معه، لأن الاحتياجات يحددها المدرب، وإذا تمت العملية وفق الأسس المبنية على رؤى فنية بحتة فسيكون حليفها النجاح في النهاية، لكن للأسف يوجد تداخل في الصلاحيات والقرارات الإدارية ولذلك تنشأ أخطاء تؤدي للفشل، وأحياناً هناك مدربون يصرون على اختيار لاعبين ولكنهم لا يقدمون الخدمات الفنية المأمولة، ولذلك يجب أن يكون للإداري دوره أيضاً في متابعة اللاعب، وأن تتم العملية حسب الاحتياجات والميزانية.
رقابة مالية
يرى محمد مطر غراب، المحلل والناقد الرياضي، أن كثيراً من السلبيات التي صاحبت عملية الإحلال والإبدال في بعض الأندية بدأت تنحسر مع تدشين عهد الاحتراف حيث أصبحت الرقابة المالية أكثر وأشمل، ولذلك تقلصت مساحة الخطأ إلى حد كبير غير أن عملية المبالغة في السعر خلال العرض والطلب وبين الأندية والمسوق موجودة ولا تستطيع أن تنكرها، فالسماسرة يلعبون دوراً كبيراً في تسويق اللاعب ورفع سعره وكلما كان بالأندية إداريون أصحاب خبرة وملمون بخفايا وأسرار التعاقدات كلما ارتفع مؤشر النجاح في التعاقد مع اللاعب أو المدرب، وتراجعت السلبيات التي ترافق هذه العملية.
مسؤولية النتائج
وأوضح غراب، أن إشراك المدرب في عملية استقدام اللاعبين تتوقف على نوعية الإدارة الموجودة في النادي ومدى نجاحهم وتجاربهم السابقة ولكن تبقى القاعدة الثابتة أنه كلما كان المدرب بعيداً عن الاختيار فهو تلقائياً سيكون بعيداً عن المسؤولية، وعليه فالإدارة التي تتولى عملية التعاقدات يجب أن تتحمل مسؤولية النتائج، وهذا يتوقف على مدى حرص الإدارة على أن يكون اختيار اللاعب مبنياً على أساس فني في المقام الأول.
فشل ونجاح
أكد مطر، أن فشل ونجاح اللاعب أو المدرب الذي يتم التعاقد معه ليس بالضرورة أن يكون سوء اختيار فالأمر يرتبط بجوانب عدة مثل بيئة العمل والتقلبات التي تحدث في النتائج، وعملية التحضير قبل بداية الموسم والمعسكر، وتدفق الرواتب والحوافز المتعلقة بالمباريات وغير ذلك من العوامل التي تخلق النجاح أو الفشل وهي حلقات مرتبطة ببعضها البعض.
دون موافقة المدرب
لا يستبعد المدرب الوطني عيد باروت، أن تتعاقد بعض الأندية مع اللاعبين دون علم وموافقة المدرب، موضحاً أن هذا الأمر قد يتحول إلى مشكلة في حال فشل هؤلاء اللاعبين، ولكن في حال العكس فالمدرب قطعاً سيكون سعيداً لأن الغاية المأمولة تحققت، وقال: عندما تكون اللجنة الفنية بالنادي على مستوى عال ولديها بعد نظر وخبرة في مثل هذه الأمور فلا غضاضة أن تتولى زمام التعاقدات بدون موافقة الجهاز الفني، خصوصاً إذا كان المدرب حديث العهد بالفريق وتولى لتوه قيادة الجهاز الفني، فهو قطعاً يحتاج لمن يساعده فالأندية لديها مدير رياضي، ولجنة فنية، ومشرف فني، يمكنهم إنجاز هذه العملية.
وأضاف: هناك مدربون يختارون اللاعبين بأنفسهم، وبعضهم يطلب من الإدارة التعاقد مع لاعبين في مراكز محددة وهناك بعض المدربين (سماسرة) يعملون على الاستفادة من الصفقات، وبعضهم يتطلعون فقط للنجاح وتحقيق أفضل النتائج ولذلك يحرصون على تواجد أفضل اللاعبين في صفوف الفريق، وعلى مستوى الإداريين فبعضهم لا يملك الخبرة الكافية للاختيار، وبعضهم يتمتعون بالإخلاص والأمانة في العمل وهؤلاء في الغالب الذين ارتبطوا بالنادي وارتدوا شعاره منذ الصغر، وعموماً فلا يمكن السوء أو التميز على المدربين والإداريين في حال نجاح أو فشل التعاقدات فالأمر بين هذا وذاك.
40
منح باروت نسبة 40 % للتعاقدات التي تتم وفق رؤية فنية ومدروسة وباتفاق بين الجهاز الفني واللجنة الفنية بالنادي وحتى هذه النسبة تتحكم في نجاحها ظروف وعوامل أخرى مثل التوفيق وانسجام اللاعب مع البيئة والمناخ وعدم تعرضه للإصابة، وأوضح أن تعاقدات الأندية الخارجية يحالفها النجاح دائماً لأنها تتم بعد متابعة اللاعب لفترة طويلة تتجاوز السنة وسنتين ولكن في النهاية فالأمر يرتبط بالتوفيق فاللاعب الذي ينجح في ناد يمكن أن يفشل في آخر برغم أنه يحمل اسماً كبيراً ويتمتع بمقدرات فنية عالية.
عشوائية الاختيار
يعتقد خالد عبيد، مدير فريق النصر السابق، وعضو غرفة فض المنازعات باتحاد كرة القدم حالياً، أن من أسباب فشل عملية التعاقد مع المدرب أو اللاعب، قبل وبعد استقدامه يعود لعشوائية الاختيار، موضحاً أنه يفترض أن يكون النادي حدد مسبقاً إمكاناته المادية بالنسبة للراتب والحوافز والمخصصات الأخرى، لكن ما يحدث أن المدرب أو اللاعب يغالي في السعر ويطلب أكثر مما وضعه النادي ما يؤدي لفشل العملية قبل أن تبدأ.
عدم توافق
وأضاف: من الأسباب التي تؤدي لفشل الصفقات بعد إتمامها خصوصاً مع المدربين عدم توافق الفكر والأسلوب، وطريقة اللعب للمدرب مع الفريق، فبعض الأندية لا تفكر في مثل هذه العوامل المهمة قبل أن تتم عملية التعاقد وبالتالي يحدث الفشل لعدم التوافق، وهذه مسؤولية الإدارة فيجب أن تكون الاختيارات مدروسة قبل التفاوض فالإدارة ينبغي أن تتبع مسيرة المدرب الذي تعتزم التعاقد معه وتعرف طريقته وأسلوبه وفكره ومدى تناسبه مع إمكانات الفريق كما يحدث في كل الأندية في العالم.
قال عبيد: أسباب فشل تعاقدات المدربين هي نفسها أسباب فشل التعاقد مع اللاعبين، فبعض الأندية تنتظر حتى ينتهي عقد اللاعب ثم يبدأ التفاوض معه ونادر جداً ما يشتري ناد لاعباً من ناد آخر أثناء سريان عقده، وغالباً تتمسك الأندية بلاعبيها خصوصاً وأن العلاقات بين الأندية ليست جيدة ولذلك يحدث التعنت والممانعة في بيع اللاعبين، أما بعد التعاقد فسبب الفشل غالباً يكون سوء الاختيار فيجب أن يكون الخيار مدروساً وليس عن طريق الإداري بل عن طريق المدير الفني بالتشاور مع اللجنة الفنية بالنادي وبعد دراسة مستفيضة تتعلق بالمركز المحدد وهل هذا اللاعب يتمتع بالمواصفات المطلوبة أم لا.
شرطان وسماسرة
حدد علي مسري، لاعب وعضو مجلس إدارة شركة الكرة بنادي العين السابق، شرطين يجب توافرهما لنجاح تعاقدات الأندية مع اللاعبين والمدربين، وحتى تمضي حركة الإحلال والإبدال في أي ناد على الطريق السليم دون عقبات أو «مطبات» تفضي للفشل، وهما احتياجات الفريق الفنية، والإمكانات المالية لتنفيذ هذه العملية.
وقال: للأسف إن ما يحرك سوق الانتقالات لدينا هم سماسرة اللاعبين، وهو ما يعرضها في كثير من الأحيان للفشل لأن هؤلاء تهمهم المكاسب المادية في المقام الأول، وبالتالي لا يلقون بالاً يذكر لاحتياجات الفريق، كما أن سلبية بعض الأندية واهتمامها بالقيمة السوقية للاعب على حساب النظرة الفنية من أسباب الفشل.
وأضاف: علينا أن ننظر أولاً للقيمة الفنية والشخصية والمعنوية للاعب ونتأكد هل هو قادر على الاحتراف والتكيف والانسجام مع ظروف وبيئة النادي أم لا، وبعد التحقق من ذلك يمكن الانتقال لمرحلة المفاضلة المالية بينه وبين اللاعبين الآخرين قبل التعاقد معه، ولكن بعض أنديتنا تفضل لاعباً على آخر بسبب القيمة السوقية بغض النظر عن نوعية اللاعب وحاجة الفريق له وهذا أمر خاطئ وبه مجازفات ترجح كفة الفشل.
ومضى مسري بقوله: من الأسباب التي غالباً ما تقود لفشل الصفقات ، السرية والتكتم الشديدين قبل التنفيذ، ولو تتبعنا سياسة الأندية الأوروبية نجد أن آلية تنفيذ التعاقدات مفتوحة ومعلومة للجميع منذ بداية التفاوض مع اللاعب وحتى التعاقد معه، لأنه كلما كانت الصفقة مفتوحة ومعلومة كلما استمعت لآراء ومناقشات أكثر حول اللاعب أو المدرب الذي تعتزم استقدامه، وبالتالي تتضح الصورة ويساعدك ذلك في اتخاذ قرار التعاقد أو عدمه فإذا أعلنت أنك بصدد التعاقد مع لاعب معين وكان 70 أو 80% من المتابعين يرون أن هذه الصفقة غير مجدية فهذا يعطيك مبرراً لعدم إتمام الصفقة فالنظرة كلما كانت أشمل كلما كانت أدق وأنجح.






