لم يتعرض مفهوم من مفاهيم العمل في مجال كرة القدم خصوصاً، والرياضة عموماً، إلى الانحسار والانزواء والاختباء، قدر ما تعرض له مفهوم التسويق إلى حد الهزيمة التي باتت «غنيمة» و«مكسباً» في زمن انتشار وباء «كورونا» في مختلف أرجاء المعمورة، في مقابل احتفاظ المفهوم بوجوده، ولو شكلياً في ساحة العمل الرياضي!
وطوال العقد الأخير من الألفية الحالية، كاد العالم يصاب بالصداع والدوار من كثرة ما تم طرحه وتداوله عن مفهوم التسويق في مجال كرة القدم تحديداً قبل انتشار «كوفيد - 19»، حتى ذهب البعض من مروجي المفهوم إلى حد اعتبار التسويق حجر الزاوية في حياة وموت «الساحرة المستديرة»، قبل أن يأتي «كورونا» ويكشف مستوراً ما كان له أن يُكشف لولا الوباء!

ظهور الحقيقة
ومع انتشار «كورونا» في عموم دول العالم، ظهرت حقيقة التسويق، ومَن روّج له، وأصر على جعله «اكسير» ديمومة كرة القدم على وجه الخصوص، مفهوم لم يصمد لأشهر معدودات في ميدان المواجهة الحاسمة مع الوباء، فكانت الهزيمة الساحقة أمراً محتوماً على المفهوم، وعلى مَن روج له كثيراً خلال العقد الأخير من الزمن!
الغريب في الأمر، أن أبطال التسويق في مجال كرة القدم، لم يعد لهم صوت ولا حس ولا خبر في زمن «كورونا»، فلم نعد نسمع أن التسويق بوابة تطور كرة القدم، ولولا التسويق لما قامت للعبة الشعبية الأولى، قائمة، وغيرهما من الطروحات التي اعتدنا على سماعها في الوسط الكروي خلال زمن ما قبل «كورونا»!
سيدة الساحة
وانتعشت مفاهيم أخرى، منها، التقشف، تقنين الصرف، وبما جعل تلك المفاهيم «سيدة» الساحة الكروية خلال أشهر «كورونا».
وقبل تفشي «كورونا»، برع الألمان كثيراً في كيفية تطبيق مفهوم التسويق الكروي، حتى باتوا أنموذجاً يحتذى به بعدما حصدوا ملايين الدولارات نتيجة الاستفادة القصوى من التسويق بآليات احترافية، افتقد إليها العالم العربي، فسقط المفهوم في ملعب الهزيمة عربياً بحجم أكبر اتساعاً.
وما يحسب للألمان في تجربتهم التسويقية الفريدة، أنهم وسّعوا نطاق القطاعات الراعية لأنديتهم، حيث شملت قائمة رعاة فرق «البوندسليغا» في العام 2019، 6 قطاعات رئيسية، هي، الطاقة بعائد مالي سنوي بلغ 39 مليون يورو، والاتصالات بـ 29، والنقل بـ 16، والتجارة بـ 7، والمالية بـ 12، وصناعة السيارات بـ 15 مليون يورو سنوياً، وبمبلغ إجمالي بلغ 118 مليون يورو استفادت منه كل فرق «البوندسليغا» في ذلك العام.
أرض الواقع
الدكتور ريسان مجيد، الخبير في مجال علوم الرياضة، شدد على أن الانزواء الحاصل لمفهوم التسويق في مجال كرة القدم تحديداً في زمن «كورونا»، نتيجة حتمية، وخلاصة طبيعية لمستوى تطبيق المفهوم في فترة ما قبل تفشي وباء «كوفيد 19»، واعتماد الكثيرين في عالمنا العربي خصوصاً، على أفكار غير احترافية في عمليات التطبيق الفعلي على أرض الواقع.
ولفت إلى أنه لو كان هناك تطبيق احترافي حقيقي لمفهوم التسويق الرياضي عموماً، وفي كرة القدم خصوصاً في العالم العربي قبل انتشار «كورونا»، لما انزوى التسويق، ولما تعرّض للهزيمة في زمن تفشي الوباء، منوهاً إلى أن مسؤولية هزيمة التسويق في الرياضة العربية، جماعية، ولا يمكن تحميلها لطرف دون آخر، كون الهزيمة تؤشر إلى رداءة، وعدم احترافية تطبيق المفهوم من الأساس!
وأشار ريسان مجيد، إلى أن قيمة التسويق في مجال كرة القدم، تتجلى في جودة مستوى تأهيل منتجي الخدمات، وتوفر مختصين مؤهلين بينهم نجوم كرة، ومستوى الدافع النفسي والاقتصادي عند الرياضيين، ونوعية القاعدة المادية والتقنية، وصلاحية المعدات الرياضية، ومستوى الارتياح للظروف التي يتم فيها إنتاج الخدمات لعموم الرياضيين، وتوافر الخدمات ذات الصلة، وبراعة الإدارة.
أموال طائلة
وأبدى الدكتور ريسان إعجابه بالتجربة الألمانية في مجال التسويق الكروي قبل وخلال تفشي وباء «كورونا»، مشيراً إلى أن غالبية أندية الدوري الألماني «البوندسليغا» تعمل كشركات مساهمة، وتظهر كمشارك نشط في أسواق الأسهم، ما يجعلها تكسب أموالاً طائلة استثمرتها في مواجهة أزمة «كورونا»، والتصدي لآثاره الكارثية على واقع لعبة كرة القدم، ما أسهم في السيطرة على الوضع المالي في الأندية، وضمان الاستقلال الاقتصادي عن ممثلي الأعمال إلى حد كبير خلال تفشي الوباء.
لفت إلى أن الأندية الألمانية عملت على تكريس نجاحها في التسويق من خلال بناء شركات كرة قدم حقيقية بعلامات تجارية رصينة، ما مكنها من إقامة شبكة علاقات تجارية قوية جداً مع ممثلي الأعمال عبر شراكات استراتيجية طويلة الأمد انعكس أثرها الإيجابي على الأندية في أزمة «كورونا».
دعوة
دعا الدكتور ريسان مجيد إلى حتمية استقطاب رجال الأعمال والشركات الرائدة المعروفة برصانتها المالية، وسمعتها التجارية العالية الجودة للدخول إلى شركات كرة القدم في الأندية العربية، ومنها الإماراتية، بهدف الإسهام في مواجهة أي طارئ أو أزمة، كما حصل عند تفشي وباء «كورونا» الذي أصاب واقع كرة القدم العربية في مقتل من الناحية المالية.

