حكاية حلم

فيض البحر

كانت الأمواج ساكنة تماماً، كأن البحر يغط في نوم عميق، لا شيء يتحرك في الأفق البعيد سوى خيالات تتراقص فوق صفحة الماء، تبزغ في ومضات، تحت قمر وضّاء.. بزفرة نفس مكتوم، حرك ذراعيه من الخلف إلى الأمام ليقذف سنارته المطعمة بضعة أمتار، عن يخت صديقه الذي اعتاد دعوته في رحلات صيد يتجمع فيها بعض الرفاق.. ألقى خيطه، وانتظر في ترقب، يعلم وهو الذي ورث الصيد وصبره من جده الصيّاد، أن البحر يجود بخيره الفيّاض، لمن يرضى، وقد اعتاد ألا يعود، خالي الوفاض.

رمق خيط الصيد يهتز، فيرسم على سطح الماء دوائر تتسع، وكأنها توقظ بحر الخليج من حالة السُبات، يمدد للخيط بالمزيد، ويتركه ينساب في الأعماق لعله يصيد.. حملق في المياه الصافية، ارتسمت فوقها صورته، رصد في ملامحه، تفاصيل ما كان عليه، في الأيام الخالية.. يبتسم وهو يتذكر تلك الليلة المظلمة، التي تسحّب فيها إخوانه إلى البيت في هدوء، الواحد تلو الآخر، بعد أن فزعهم صوت أبيهم الآتي من مخدعه، ينهرهم بعد أن أيقظوا نومته، وأهدروا راحته، وحين بقي هو وحده، يغازل الكرة، يسددها في جدران البيت فترتد إليه، مطلقة صوتاً مكتوماً، ضج منه والده.. يخرج ويمسك بالكرة، ويمزقها تماماً، ثم يتركه وحده مع الليل، هكذا كان يعاقبه.. يحزن قليلاً، ثم يغلبه النوم، وحين يستيقظ، يستجدي والدته مع إخوانه، فتعطيهم ثمن كرة جديدة يشترونها، ويعيدون المشهد ذاته أمام البيت، قبل أن ينهرهم والدهم مجدداً.

ما زالت ابتسامته ترتسم فوق المياه الهادئة، ومعها، تتسع دوائر الغمز لسنارته المغموسة في الأعماق، يقول في نفسه، إنه القدر.. كيف أصبحت ما أنا عليه؟.. لم أكن أحلم بما رزقت به من شهرة وتاريخ ومكانة في عالم الكرة.. سينتظر فيض البحر، لن يمل الانتظار والصبر.. فقد كان ذلك ديدنه في الحياة، عندما لعب الكرة الطائرة في نادي الشعب وعمره 12 سنة، ساقته الأقدار إلى ملاعب الكرة، وهو ابن الـ 17، فأبدع فيها، وأصبح هو من هو، حيث حقق مع الفريق الأول بنادي الشعب والمنتخب الوطني مسيرة عظيمة، سجل خلالها اسمه بأحرف من نور.. وأضحى فاكهة الكرة الإماراتية. ونجم القرن العشرين لها.

ما كادت ابتسامته تأفل، حتى جذب خيط الصيد، فإذا بها سمكة من الهامور.. حمد الله عليها وعلى تاريخه المشرّف، وأرقامه الفلكية، وأهدافه التي حققت انتصارات عظيمة في أوقات عصيبة، أبرزها هدف التأهل لمونديال إيطاليا 1990 في كوريا الجنوبية.

إنه نجم نادي الشعب والمنتخب السابق.. عدنان الطلياني.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات