انتشرت منذ عقود من الزمن، «تقليعة» حجب أرقام أساطير كرة القدم بعد الرحيل عن المستطيل الأخضر، كما لو أن حسنة الوفاء والتقدير والعرفان، لا تظهر ولا تتجسد واقعاً، إلا باعتزال أولئك الأساطير الذين ملؤوا ملاعب «الساحرة المستديرة» جمالاً ساحراً. ولم تكن كرة القدم العربية بمعزل عن تلك الحالة.

حيث اعتاد القائمون على شؤونها، تخليد ذكرى أساطير العرب بعد ترك الملاعب، عبر إطلاق مبادرات معتادة، من بينها حجب رقم الأسطورة، تماماً كما حصل قبل أيام، مع أسطورة الكرة العراقية، الساحر أحمد راضي، الذي رحل متأثراً بإصابته بفيروس «كورونا»، ليكون آخر نجوم القائمة العربية التي تضم أسماء لامعة، وأساطير خالدة، أمتعوا الملايين بفنونهم الساحرة في حياتهم، فجاءهم الرد، وفاء بعد الاعتزال أو الوفاة!
أسماء رائعة
ولا شك في أن كرة القدم الإماراتية تزخر بأسماء رائعة، تستحق التقدير، سواء بحجب رقم النجم، أو إطلاق اسمه على إحدى بوابات الملعب الرئيس لناديه، وغيرهما من المبادرات ذات الصلة، ولكن جمالية أي مبادرة، تزداد ألقاً، وترتفع شأناً، عندما تتجسد على أرض الواقع في حياة الأسطورة، وليس بعد رحيله عن الحياة الدنيا.
ولعل من بين الأسماء الإماراتية التي استحقت حجباً للرقم في حياته، عدنان الطلياني، الذي حظر ناديه الأم «الشعب»، الرقم 10، تقديراً لنجوميته الباهرة، فيما تستحق أسماء أخرى نفس المبادرة، زهير بخيت وخالد إسماعيل ومحسن مصبح، وغيرهم من نجوم جيل «مونديال» إيطاليا 90، الذين يستحقون لوحة تزين مبنى الاتحاد تكريماً لهم على إنجازهم التاريخي.
إضافة إلى نجوم جيل التأسيس، أحمد عيسى وسهيل سالم وسعيد صلبوخ، وغيرهم، أو من جيل 2007، إسماعيل مطر وفيصل خليل وفهد مسعود، وآخرين، وصولاً إلى بعض نجوم الجيل الحالي. ومن بين أبرز نجوم العالم الذين تمتعوا بمبادرة وفاء في حياتهم وأمام أنظارهم، الأسطورة البرازيلية الأشهر، بيليه، والأرجنتيني مارادونا، والبرتغالي اوزيبيو، والتشيكي بافيل نيدفيد، والبرتغالي رونالدو، والكولومبي كارلوس فالديراما، ما أعطى تلك المبادرات، على تنوعها، بعداً إنسانياً راقياً، وسلوكاً حضارياً سامياً، كون النجم المعني عاش لحظات تقديره في حياته، وليس بعد رحيله!
الجيل الثالث
إسماعيل راشد نجم كرة القدم الإماراتية السابق، أحد أبرز أسماء الجيل الثالث في تسعينيات القرن الماضي، لفت إلى أن حجب رقم النجم، يدل على سلوك راقٍ، وتصرف مميز، ينم عن أبعاد إنسانية سامية، مشدداً على أن مبادرة الوفاء والتقدير، تزداد جمالاً عندما تكون في حياة اللاعب النجم، وليس بعد رحيله.
وأوضح قائلاً: جميل جداً أن يرى النجم مردود أو انعكاسات ما قدم من خدمات مع فريقه أو مع منتخب بلاده في حياته، وليس بعد رحيله عن الدنيا، بحجب رقم قميصه، حتى يشعر ذلك النجم أن ما عمله مع المنتخب أو ناديه، محل تقدير، وحتى يرى النجم أن جهده قد حظي بإشادة المجتمع أمام أفراد عائلته وأهله، ما يزيده عطاء وتفانياً.
وأعرب عن قناعته بأن كرة الإمارات، تحفل بنجوم كبار، يستحقون التمتع بمبادرة وفاء وتقدير لهم في حياتهم، حتى تكون تلك المبادرة هدفاً منشوداً، يسعى إلى بلوغه غالبية نجوم الأجيال الحالية والتالية، وبما يعود بالنفع على كرة الإمارات عموماً.
حزن عميق
وأبدى إسماعيل راشد حزنه العميق على رحيل أسطورة كرة القدم العراقية أحمد راضي بسبب «كورونا»، مستذكراً بعض محطات الراحل، مشدداً على أن راضي يستحق مبادرة حجب رقم قميصه من قبل ناديه الزوراء، كونه أحد ألمع نجوم كرة القدم، ليس عراقياً فحسب، بل خليجياً وعربياً وآسيوياً، وهو صاحب الهدف العراقي التاريخي في «مونديال» المكسيك 86، في مرمى العملاق البلجيكي جان ماري بفاف.
شكلت مبادرة حجب رقم قميص حارس المرمى المجري جيولا غروسيكس، حكاية طريفة في هذا الشأن، وذلك عندما بادر ناديه فيرينكفاروسي، إلى حجب الرقم 1، وفاء له، رغم أنه لم يلعب مباراة واحدة مع الفريق، بعدما فشلت محاولات انضمامه في ستينيات القرن الماضي، قبل أن يبادر النادي في 2008، إلى التعاقد مع جيولا، وهو في سن 82 عاماً، وسمح له بارتداء القميص رقم 1، والذود عن عرين الفريق لدقائق معدودة في مباراة ودية أمام شيفلد يونايتد الإنجليزي، بهدف حجب القميص رقم 1، وفاء لجيولا.
«الفيفا» يعارض
اللافت في خطوة حجب أرقام قمصان أساطير كرة القدم، أن الاتحاد الدولي «الفيفا»، يعارض حجب أي رقم من 1 إلى 23، من لائحة أي منتخب يلعب في نهائيات كأس العالم، حدث هذا، عندما حاول الاتحاد الأرجنتيني حجب الرقم 10، تقديراً لنجمه الأسطوري مارادونا، وذلك في «مونديال» كوريا الجنوبية واليابان 2002، لكن «الفيفا» عارض تلك الخطوة، كون قوانينه تنص على حصر أرقام لاعبي المنتخبات المشاركة بالرقم من 1 إلى 23.
لم يقتصر الوفاء لأساطير كرة القدم، على حجب أرقام قمصانهم فحسب، بل تعداه إلى أشكال أخرى من الوفاء، مثل إطلاق اسم الأسطورة على مطار، كما حصل مع البرتغالي رونالدو، وإصدار عملة نقدية معدنية، كما الحال مع التشيكي بافيل ندفيد، وتسمية إحدى بوابات الملعب الرئيس للنادي باسم ذلك الأسطورة، وإقامة تمثال، كما حصل للهولندي كرويف، وإنشاء ملعب باسم الأسطورة، وتسمية ملعب باسم الأسطورة، كما الحال مع العراق أحمد راضي، أو منح الأسطورة وساماً وطنياً رفيعاً.

.jpg)