فريد عبد الرحمن علم من أعلام التحكيم الإماراتي، اختار تلك الهواية المحببة لنفسه في ستينيات القرن الماضي، بعد اعتزاله اللعب في نادي الشعلة الذي أصبح زعبيل ثم الزمالك إلى أن استقر على اسم «الوصل» الآن، ويعتبر أول حكم ينال الشارة الدولية وكان ذلك في 3 نوفمبر 1976.
كافح على مدى نصف قرن من الزمان، عاصر بدايات التأسيس وتحمل مرارة قلة الإمكانات، وفي بيته بمنطقة الآثار، جعله كالمتحف الذي يمشي على قدمين، يحمل ذكرياته وروايات وأحداثاً مختلفة كتبها في ميادين الكرة، أو بعض الحكايات التي احتفظ بها للآخرين، واطلق على هذا البيت اسم «فيفا هاوس»، وخلال مسيرته تعرض للضرب من لاعبي الرمس بعد خسارتهم من الوصل، ومع ذلك لم يتأثر بتلك الحادثة ولم تبعده عن مزاولة مهنته المحببة.
«البيان الرياضي» قام بزيارة الحكم الدولي في منزله من أجل الغوص معه في ذكريات نصف قرن من الزمان، وكانت تلك محصلة أحداث وأيام الزمن الجميل.

قرار خاطئ
في البداية يحكي فريد عبد الرحمن عن أصعب المواقف في الملاعب قائلاً: بدون شك هناك العديد من المطبات خلال مسيرتي، مثلي وأي حكم آخر، حيث تلقيت سيلا من الشتائم، وكان ضرب الحكام في السابق أمرا عاديا بعد كل مباراة، وأنا نلت نصيبي من هذا الاعتداء، بعد مباراة الرمس مع الوصل على ملعب الشعب، بسبب قرار خاطئ للحكم المساعد، كما تم تكسير سيارتي ووصلت لحد سرقة سيارتي، فهذه هي حياة الحكام خارج الملاعب.
وعن أبرز المواقف الصعبة التي مر بها خلال إدارته للمباريات يتذكر فريد عبد الرحمن واقعة احتساب ضربة جزاء على النادي الأهلي وعلى أحمد عيسى بالذات واكتشفت بعد ذلك أنها غير صحيحة.
معاناة جميلة
وعن تلك الأيام وذكرياتها يعود الحكم الدولي الأسبق فريد عبدالرحمن، إلى الوراء نحو ما يقارب من نصف قرن وقال: لقد كانت أياماً جميلة، على الرغم مما فيها من معاناة، كان التحكيم هواية وحالة من حالات العشق، ولم يكن هناك غير القليل من الإمكانات، بل ربما لم تكن هناك إمكانات على الإطلاق، لكننا كنا نحب التحكيم.
ونسعى له بكل اندفاع وحماس ونتحمل من أجله كل التبعات، وكان على الحكم أن ينفق على اللعبة دون أن يحصل منها على شيء، إلا الجانب المعنوي الذي يرضيه ويشبعه بغض النظر عن المادة، وكنت على سبيل المثال أشتري ملابسي الرياضية، وأنفق على شراء كتب التحكيم، وكرة القدم، وأعلم نفسي بنفسي وأنفق على انتقالاتي.
أمس واليوم
وكان كل شيء بجهود فردية شأني وجميع حكام هذه المرحلة، أما الآن فالفارق كبير جداً، ولم نكن نتصور وقتها أن الأيام سوف تدور، ويصبح التحكيم على هذا النحو من الرعاية والاهتمام الذي نراه الآن، حيث كل شيء قد توفر للتحكيم والحكام من حيث الأدوات والمعسكرات وتوفر وسائل التعليم والتطوير والتدريب وإتاحة الفرص للدورات الداخلية والخارجية، الأمر الذي يفتح المجال أمام الحكم للعطاء بصورة متميزة، حيث لا عقبات ولا موانع أمامه بل مناخات كلها مواتية تساعد على التقدم في خطوات سريعة للأمام.
وعما كان يحصل عليه الحكم من بدلات في البدايات الأولى لمشوار التحكيم الإماراتي قال: لم تكن هناك أي بدلات وكان التحكيم مجانياً وعلى الحكم أن يتولى مسؤولية نفسه، وأن ينفق من جيبه على التحكيم إلى أن تم تأسيس اتحاد رسمي لكرة القدم في الدولة عام 71.

مكافآت التحكيم
وعن المكافآت التي كان يتقاضاها، قال: كان شيئاً بسيطاً في ذلك الوقت، ويتراوح بين 50 درهما للمباريات المحلية وحسب المباراة والمنطقة التي تقام فيها، من حيث بعد أو قرب المسافة، و100 درهم نظير تحكيم المباريات الدولية، وعن الجهة التي كان يتبعها التحكيم قبل إشهار اتحاد الكرة رسمياً، قال كنا تابعين لاتحاد الكرة في دبي، وكان هناك اتحاد رياضي عام في أبوظبي برئاسة المغفور له الشيخ مبارك بن محمد آل نهيان أول رئيس اتحاد للكرة، ولم تكن المسألة منظمة على النحو الذي نراه الآن، بل كانت اجتهادية بفضل جهود خاصة للرعيل الأول من مؤسسي اللعبة في البلاد سواء في التحكيم أو غيره.
مباريات قوية
وعن سر اختياره لهواية التحكيم يقول فريد عبد الرحمن، شجعني المرحوم جمعة جعفر ومعه عبد الرحمن الحساوي على الاتجاه للتحكيم بعد اعتزال اللعب، لأكون أول حكم من بر دبي، وقمت بتحكيم ديربيات لها قيمتها حين ذاك مثل الوحدة والشباب، والنجاح والزمالك، والنصر والهلال البحري، وكانت مباريات قوية بمعنى الكلمة.
واستمررت في التحكيم بعد تنظيم اتحاد الكرة للعبة واستقدام خبراء لهم مكانتهم في عالم التحكيم مثل علي قنديل ومن بعده مصطفى كامل محمود الذين تولوا تنظيم عملية التحكيم وإقامة دورات تثقيفية للحكام، وفي 74 تم ترشيحي للشارة الدولية ونلتها في 3 نوفمبر 1976، وكانت أول مباراة دولية أقوم بتحكيمها بين السعودية واليمن الجنوبي.
فيفا هاوس
وعن فكرة تأسيسه لـ«فيفا هاوس» في منزله يقول فريد عبدالرحمن، الفكرة كانت عندما انتهيت من بناء بيت خاص بي وزارني على إثرها أحد مندوبي «فيفا» واقترح علي أن نسمي بيتي «بيت الفيفا» «فيفا هاوس» فقال لي بيت للفيفا في زيوريخ وآخر في دبي ليقوم بنشر الخبر على وكالات الأنباء الرياضية الدولية.
وقال « فريد عبد الرحمن أول حكم دولي إماراتي سمى منزله «فيفا هاوس» وهو بالتالي فرع فيفا في دبي، ومن بعدها كان كل شخص رسمي من فيفا يصل للدولة يزورني في منزلي، وكذلك معظم الحكام وقدامى الرياضيين يأتون لمنزلي لمشاهدة المقتنيات والتذكارات والصور التي جمعتها من كل أنحاء العالم.
شريط الذكريات
قمت بجمع كل الدروع والتذكارات وشهادات التقدير والصور في المناسبات التي حضرتها كحكم أو كمراقب حكام في الاتحاد الدولي والآسيوي الذي عملت فيه عشر سنوات، كما أنني أملك على سبيل المثال تذاكر دخول مباريات منتخبنا الوطني في مونديال إيطاليا 90.
ولدي البطاقة التي تثبت أنني أول حكم رسمي في تاريخ كرة الإمارات، وأضاف: انه تاريخي وسيرتي الذاتية، فقد قدمت في بريطانيا على سبيل المثال أربع دورات تعليمية كمدرب للحكام ومراقب ومحاضر لهم وشهادتي التي أمامك تثبت ذلك، وحتى بطاقتي في الاتحاد العربي عليها الرقم واحد، وأتشرف أنني حصلت على الوسام الأولمبي من سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية، وشهادة من اللجنة الأولمبية التي كان يترأسها سمو الشيخ بطي بن مكتوم آل مكتوم.
البداية من الشعلة
وعن البدايات، قال فريد عبد الرحمن: بدأنا ممارسة الكرة في فترة الستينيات. شكلنا فريقا في «الفريج» ضم مجموعة كبيرة من الرياضيين من أمثال الشيخ مروان بن جمعة آل مكتوم، وعبد الله حارب، وسلطان الحبتور، وعبد الرحمن تهلك، ومحمود قاسم، وسعدي سليم، كان ذلك سنة 1964، وأسسنا فريق الشعلة بعد اندماجنا مع فريق الاتحاد.
وكنت لاعبا في الفريق بالإضافة إلى كوني مدربا وكنت لا أمانع لو طلب أحد مني أن أدير وأحكم بعض المباريات. وكان ينضم إلينا في فترة الصيف الشيخ مانع بن خليفة آل مكتوم ومطر العاصي وأحمد حمدان وكان مكتب دولة الكويت ينظم لنا دورات لكل الألعاب وكنا نذهب لنلعب في الشارقة مع العروبة وفي بر دبي كنا نلعب مع النصر والزمالك وفي ديره كنا نتبارى مع فرق الوحدة والشباب العربي والنجاح.
بروفايل
بدأت مسيرة فريد عبد الرحمن عام 1968، واستمر في نجاحه بوصوله للتحكيم الدولي حتى عام 1988، وبعدها بعام، أعلن اعتزاله العمل بالتحكيم، ليتجه إلى المشاركة في مراقبة المباريات وأداء الحكام، كما انضم إلى العديد من لجان التحكيم باتحاد الكرة على مدى سنوات طويلة
محمد عبدالله.. الأفضل حالياً
يعتبر محمد عبدالله أفضل حكم إماراتي على الساحة في الفترة الحالية، حيث يتمتع بخبرة جيدة، وشخصية قوية وتكونه الجسماني متميز، وفهمه للقانون وتطبيقه داخل الملعب متميز، ولعل مشاركته في إدارة منافسات مونديال روسيا شهادة فخر له وللتحكيم الإماراتي ومكافأة على تميزه، وأتمنى له التوفيق ليكمل نجاحات من سبقه من حكام الإمارات على الصعيد المونديالي.
تطور كبير في فهم طبيعة التحكيم
عن الفارق بين التحكيم في الماضي والفترة الحالية، قال: قديماً كانت المشكلات أكثر بحكم أن الرياضيين كانت ثقافاتهم محدودة عكس الآن، فالجيل الحالي يتفهم طبيعة عمل الحكام، وحتى أعضاء اتحاد الكرة القدامى كانوا متعصبين لأنديتهم أكثر من المصلحة العامة، وهذا لا يحدث في الوقت الحالي، فحالياً المدرجات والملاعب آمنة، ولكن سابقاً كنا نحكم المباريات على أرضيات رملية وصناعية ومن دون رجال من الشرطة، وكان احتكاك الجماهير بنا سهلاً، وتخيل ماذا سيحدث لو أخطأ أي حكم بقرار معين وهاجت عليه فئة من الجماهير.
تطوير قدرات مراقبي المباريات
يرى فريد عبد الرحمن، ضرورة تطوير قدرات مراقبي المباريات، ولابد أن تنال أهمية كبرى من لجنة الحكام في اتحاد الكرة، سعياً لإيصال المعلومات الصحيحة للحكم بطريقة دبلوماسية، موضحاً أن مراقب المباراة يشبه الطبيب النفسي في أداء أدواره، فعليه أن يعرف كيف يكسب الحكم ويعلمه الجرأة في اتخاذ القرارات، وبعد ذلك تقييم إدارته للمباريات وكيفية تعامله مع اللاعبين، ومدى جاهزية لياقته وتحركاته خلف الكرة، وكل هذه المعايير هي التي يركز عليها المراقب وعلى الحكم أن يطبقها، وهنا تكمن أهمية المراقب.
03
أوضح الحكم الدولي الأسبق: طوال مسيرتي قمت بإدارة 3 نهائيات كأس رئيس الدولة، واعتذرت عن اثنين، ونلت تكريما واحدا فقط، وكان ذلك في نهائي كأس رئيس الدولة سنة 1985 وهي أغلى جائزة حصلت عليها، فيكفي أنها كانت من المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، كما قمت بتحكيم دورتين لبطولة الخليج 82 في أبوظبي و86 في البحرين.
عودة
لا أؤيد الاستعانة بالأجانب
قال الحكم الدولي الإماراتي الأسبق، أحياناً أسمع بعض المطالب التي تنادي بعودة الحكم الأجنبي لملاعبنا، وأحزن لتلك المطالب، لأن لدينا كوادر تحكيمية متميزة، ولدينا أفضل حكام في منطقتنا، فكيف نهدم بناء ما تم بكفاح وعرق طوال السنوات الطويلة الماضية، وأضاف، كنت أتمنى أن يجد حكامنا دعماً أكبر وتحفيزاً أفضل، وعموماً، هم ردوا على تلك المطالب بالوصول إلى العالمية.
50
عندما يتذكر فريد عبد الرحمن الاحتفال الكبير الذي أقيم بمناسبة مرور 50 عاماً، على مشاركته في مجال التحكيم، الذي شهده المهندس مروان بن غليطة رئيس اتحاد الكرة، وإبراهيم عبد الملك الأمين العام للهيئة العامة للرياضة، وعدد من رموز الرياضة والتحكيم، يوضح أنها لمسة وفاء وتقدير من مختلف أجيال اللعبة، وزادت سعادته بحضور نخبة من زملاء مهنة التحكيم من مختلف الأجيال وخاصة جيل الرواد مثل عباس حسن وبشير جامع وراشد محمد راشد، وأعضاء لجنة الحكام في اتحاد الكرة، وعدد من نجوم اللعبة مثل أحمد عيسى أول كابتن للمنتخب الوطني ونائب رئيس النادي الأهلي سابقاً، والدكتور محمد سهيل حمدون، وإسماعيل راشد وغيرهم من اللاعبين القدامى، والمستشار عبد الرحمن لوتاه رئيس لجنة الاستئناف السابق باتحاد الكرة وعبد القادر حسن مدير العلاقات العامة باتحاد الكرة والقطب الوصلاوي عبد الله سالم والحكام الدوليين السابقين والحاليين مثل علي حمد وفريد علي وخالد الدوخي، وعمار الجنيبي ويعقوب الحمادي وأحمد الراشدي وعشرات من الحكام العاملين، لقد أبهرني إخوتي بهذا الحضور المتميز وكانت ليلة لا تنسى، ولا تمحوها الذاكرة أبداً.
إعداد - العوضي النمر
