بعد أن هدأت عاصفة التقييم لواقعنا الكروي والتي غلب على عدد منها الجانب العاطفي أو تصفية حسابات، رأينا في «البيان الرياضي» أن نقدم تحليلاً لواقع الكرة الإماراتية، نشخص فيه الداء ونقدم الحلول والدواء لدعم خطوات أصحاب القرار في إعادة تصحيح مسار المنظومة الكروية، سعياً لتقديم مستويات متطورة تساهم في تحقيق الإنجازات المأمولة، وذلك من خلال حلقتين، الأولى نستمع فيها لآراء الفنيين، والثانية مع الإداريين، ويقدم كل منهما رأيه في أسباب الخلل وكيفية العلاج.

لعبة كرة القدم في الإمارات مرت بعدة مراحل خلال مسيرتها، حتى وصلت إلى عصر الاحتراف، مما زاد من سقف الطموحات لدى المتابعين، متعللين بما يصرف على المنظومة من مال يعتبر الأعلى في تاريخ اللعبة في الدولة، ولكنهم تناسوا أن القاعدة قليلة بعدد أنديتها والممارسين.

وبالتالي يوجد خلل واضح في عدد المباريات وساعات اللعب الفعلية، وأن المال وحده لا يكفي لتحقيق الإنجازات، لذلك اتفق الجميع على أن هناك خللاً في بعض الأمور لابد من التوقف أمامه بالتحليل والدراسة الفنية العلمية من أجل تدارك أية معوقات.

وتدارك الخلل لن يكون مسؤولية جهة واحدة بعينها، بل مسؤولية جماعية، بمشاركة كل الجهات المعنية حتى نصل إلى الطموحات المرجوة، لذلك لابد من التوقف ودراسة واقعنا بشكل علمي مدعم بالأرقام والإحصائيات، مستغلين تواجد عدد من الخبراء والأكاديميين على الصعيد الفني لتشخيص الخلل في الواقع الذي نعيشه والذي يعرقل خطوات التطور حتى يمكن وصف العلاج المناسب الذي يقودنا لانطلاقة صحيحة.

أشار محمد سعيد النعيمي عضو لجنة دوري المحترفين السابق، إلى حاجة لاعبينا لثقافة الفوز بالبطولات القارية والمشاركات العالمية، والخروج من شرنقة البطولات المحلية، لكونهم هم من يتحملون المسؤولية الكبرى في تراجع المستوى الكروي في الآونة الأخيرة، خاصة وأن اتحاد الكرة والأندية يستعينون بكوادر فنية على مستوى عال، ولا يوجد بخل في الصرف المالي على المنظومة الكروية، ولذلك لا بد أن يكون جميع لاعبينا على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقهم.

ثقافة جيل

واستشهد النعيمي بجيل 90، بقوله إن تأهل منتخبنا الوطني لمونديال 90 في إيطاليا، كان بسبب ثقافتهم وفلسفتهم في الوصول لأعلى المستويات، على الرغم من عدم وجود مجلس إدارة لاتحاد الكرة في ذلك الوقت، حيث استقال الاتحاد وتم الاستعانة بلجنة مؤقتة، ومع ذلك كان إصرار اللاعبين على التأهل كبيراً، لذلك تركوا بصمة مميزة لن تنسى على مر الأجيال، عكس الجيل الحالي الذي حقق عددا من الإنجازات، ولكنه اخفق في التأهل لأكبر بطولات العالم.

فأهدر كل جهوده السابقة. لذلك لا بد من التركيز خلال الفترة المقبلة على تكوين جيل موهوب يزرع فيه روح التحدي والرغبة في تحقيق إنجاز قاري ودولي، وهذا يحتاج لعمل دؤوب من الجهات المعنية، سواء في الاتحاد أو الأندية، خاصة ونحن مقبلون على المشاركة في نهائيات كأس آسيا 2019 والتي ستقام على ملاعبنا وبين جمهورنا.

قوة إدارية

وأضاف: نحن في حاجة إلى قوة إدارية تستطيع أن تتعاون مع الجهد الفني لتشكل استراتيجية نسير عليها للمستقبل، وأن يتحمل كل طرف من أطراف اللعبة مسؤوليته كاملة، لأن الإخفاق أو الإنجاز لا يتحمله طرف بعينه لأن المنظومة جماعية، وأي خلل في جهة يكون له تأثير على خطوات النجاح، لذلك أقول إن مهدي لا يتحمل كامل المسؤولية كما يصور لنا البعض المشهد، فقد حقق إنجازات لم تتحقق، ولكن الجهات الأخرى كل في مجالها تتحمل المسؤولية، حتى الجمعية العمومية لاتحاد الكرة تتحمل المسؤولية.

مراجعة العمل

وقال: عموما البكاء على اللبن المسكوب لا يجدي، نحن الآن مطالبون بمراجعة خطوات العمل كمنظومة، ومن ثم الوقوف على السلبيات، والعمل على تداركها من خلال التعاون بين جميع أطراف المنظومة من اتحاد وأندية وإعلام وعمومية، ولا بد من القول إن هناك عملاً كبيراً قائمً حالياً، لكن لا بد من المراجعة الدورية للعمل، وأن تكون لنا استراتيجية مستقبلية.

وقال محمد سعيد النعيمي إنني أتفق مع رؤية اللواء محمد خلفان الرميثي، بتحديد خارطة طريق جديدة من اجل تحقيق طموحات المرحلة المقبلة، كما أرجو من الاتحاد أن يحسن اختيار المدرب المناسب لقيادة المنتخب خلال الفترة المقبلة، وليس شرط الاستعانة بمدرب عالمي قدر الاستعانة بمدرب طموح يتواكب مع قدراتنا وطموحاتنا.

استراتيجيات

من جانبه، شدد محمد عتيق الهاملي عضو مجلس إدارة شركة الجزيرة لكرة القدم، على أن الخلل الإداري هو المتسبب في ضعف الكرة الإماراتية، وأن 90% من صناع القرار في الكرة الإماراتية يعملون بشكل ارتجالي وسير العمل يعتمد على الصدفة في غياب الاستراتيجية الواضحة والتخطيط السليم.

وأضاف يقود كرة الإمارات «كهول» كبار السن بالإضافة إلى أنهم بعيدون عن الرياضة، حتى إن بعضهم لم يدخل غرفة ملابس لاعبين ولا مارس كرة القدم، ولافتاً إلى أهمية منح الفرصة لأبناء الرياضة خصوصاً جيل الشباب.

وتساءل الهاملي: لدينا قيادات ناجحة وواعدة في جميع إدارات الدولة إلا الشق الرياضي، والسبب في ذلك غياب التخطيط السليم، وعدم معرفة البعض عن خبايا الرياضة الإماراتية، وضعف شديد في اتخاذ القرارات المناسبة، ووضع الحلول العاجلة.

مشيراً إلى أن هناك خللا فيما يتعلق بانضباط اللاعبين، والاحتراف الخارجي، والمنظومة الرياضية تحتاج إلى إعادة تصحيح، وتجديد دماء من كوادر شابة نشطة وليس كهولا، على دراية بالخلل ووضع العلاج. وأوصى عضو مجلس الإدارة بأهمية وضح خطط واضحة وتنظيم دورات وندوات تثقيفية لإداريي الأندية والاتحادات المختلفة، مع أهمية وضع مادة إدارية تدرس في الجامعات عن الإدارة الرياضية.

لوائح

ولفت الهاملي، إلى أن مروان بن غليطة رئيس اتحاد الإمارات لكرة القدم إداري ناجح، ويعمل على وضع اللوائح وتطبيقها، وقد خاض حراكا إداريا منذ توليه مهمة رئاسة الاتحاد، وعلى الرغم من أنه بطيء لكنه افضل من سابقه، وتبقى المسؤولية الأهم على من يليه من الإدارات سواء في الأندية أو الهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة، مشددا على أهمية دور الإعلام في ذلك الأمر بدلاً من كيل الاتهامات بالباطل وفق أجندات خاصة، ومصالح شخصية.

كما شدد الهاملي على أهمية إعادة النظر في الهيكل الإداري واختيار كوادر فنية لديها المهارة وسرعة اتخاذ القرار، خصوصاً فيما يتعلق بالشق الانضباطي، وتعاقدات المحترفين، مشيراً إلى أهمية حضور الإداريين للندوات التثقيفية التي تنظم، ومحو الأفكار القديمة التي عفا عليها الزمن.

علاج

بدوره، أكد خالد الكعبي، إداري الفريق الأول لكرة القدم بنادي شباب الأهلي- دبي، أن هناك مجموعة من الأسباب وقفت وراء تدهور الكرة الإماراتية في الفترة الأخيرة، خاصة على صعيد المنتخب الوطني الأول، وأن الجميع يعرف تلك الأسباب بكل دقة، ولكننا نحتاج إلى العلاج الناجع.

قال الكعبي: «هناك بالفعل أسباب إدارية بخلاف الفنية، كانت وراء خروجنا من تصفيات كأس العالم على سبيل المثال، وفي مقدمتها توقيت التغيير والذي لم يتناسب تماماً مع مسيرة فريقنا في التصفيات الآسيوية المؤهلة للمونديال».

تحضيرات

وتابع: «أيضاً برنامج مبارياتنا الودية التحضيرية، لم يكن مناسباً تماماً، ونحن لم نلعب مباراة قوية طوال فترة تحضيراتنا للتصفيات، وكلها مباريات عادية، إضافة إلى فترات المعسكرات الطويلة والضعيفة، والتي لم تكن تفيد منتخبنا، والدليل أننا واجهنا فرقاً أقل منا في المستوى، ومع هذا خسرنا أمامها».

طالب الكعبي، بأن يكون هناك اجتماع شامل لكافة اللجان المسؤولة عن الكرة في الدولة، لرسم خطة واضحة المعالم، ومعتمدة على توقيتات محددة، للنهوض بالكرة الإماراتية خلال السنوات المقبلة، وأن تشمل تلك الخطة، ضرورة توسيع قاعدة اللاعبين الدوليين، وأن لا تكون المنتخبات الوطنية حكراً على لاعبين معينين، ويتم الاتفاق وتنفيذ تلك الخطة بمتابعة دقيقة ومستمرة مع المدرب الجديد الذي يتولى مسؤولية المنتخب الوطني في المرحلة المقبلة.

كوادر

في حين، أكد حميد يوسف مدير فريق الوصل لكرة القدم أن الإمارات تزخر بعدد كبير من الكوادر المؤهلة والمحترفة لقيادة العمل الرياضي بالدولة، مشيراً إلى أن السلبيات التي تتلقاها حالياً كرة الإمارات لا تخرج عن كونها ردة فعل بسبب خروج منتخبنا الوطني من التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس العالم روسيا 2018، موضحاً أن الأبيض لو تأهل لنالت الأجهزة الفنية والإدارية والقائمون على شؤون اتحاد الكرة الإشادة من قبل الشارع الرياضي ولتغاضى الجميع عن أية سلبيات.

المجالس الرياضية

وأضاف:«المجالس الرياضية بالدولة مثل مجلسي دبي الرياضي وأبوظبي الرياضي، تقوم بدورها على أكمل وجه في تنظيم الدورات التثقيفية للإداريين بصورة منتظمة وعلى أعلى مستوى، بحيث تكون هناك حالة من الوعي والاطلاع على أحدث اللوائح والقوانين الرياضية الموجودة بالدولة، وهذا الأمر ساهم بشكل كبير في وجود هذه الكوادر المؤهلة والواعية». و

أوضح: المشكلة تكمن في تطبيق اللوائح وليست اللوائح نفسها، والقلة القليلة هي من تطبق خطأ لكن لو نظرنا إلى الجهاز الإداري للأبيض على سبيل المثال فقد تعاقب عليه عدد كبير من الأسماء المعروفة والمحترفة في الحقل الرياضي والتي نالت احترام الجميع.

وكذلك القيادات التي تولت رئاسة اتحاد الكرة في دوراته المختلفة ولكن للأسف فإن العاطفة هي التي تتحكم لذا فإن النقد يطال الجميع في حال وجود أية سلبية. ونفى حميد يوسف في ختام حديثه تفضيل الأندية للمسابقات المحلية على مشاركات المنتخب بدليل أنها قدمت أفضل لاعبيها للأبيض.