لا يختلف أحد على الأهمية القصوى لمدرب المراحل السنية في أكاديميات كرة القدم، باعتباره حجر الأساس واللبنة الأولى في تكوين اللاعبين الصغار، من أجل خلق جيل واعد للمستقبل من اللاعبين الموهوبين القادرين على تحقيق النتائج الجيدة.

ورفد المنتخبات الوطنية والأندية بالعناصر المميزة، هو الهدف الأهم والأكبر الذي يقوم عليه عمل الأكاديميات، وهو ما يفرض علينا مثلما نبحث عن الخامات الجيدة من اللاعبين، الاهتمام أيضاً بالمدربين الذين يتولون المهمة في هذه المراحل العمرية الحساسة.

ورغم أن الوضع ليس بالكارثي، كما قد يتصوره البعض، إلا أنه يحتاج إلى متابعة مستمرة، واهتمام أكبر بإلقاء الضوء على مدربي المراحل السنية، إذ فرضت النتائج المخيبة لمنتخب الشباب، ومن قبله الناشئين، بعد الخروج من نهائيات آسيا، والإخفاق في التأهل لمونديال الشباب، إعادة النظر وإجراء تقييم، حتى لا يتكرر الإخفاق مرة أخرى.

الواقع يشير إلى غياب المعايير الواضحة، والتدقيق السليم في انتقاء المدربين في المراحل السنية، سواء في المنتخبات أو الأندية، بدليل التغييرات التي قد تحدث في هيكلة الأكاديميات على الصعيد الفني، ما يؤثر بالسلب في منظومة العمل، وهل الاختيار يتم وفق أسس علمية وفنية، بناء على الخبرات التدريبية في هذا المجال، أم أن العلاقات والمجاملات في بعض الأحيان على حساب الخبرة.

وعدم تحري الدقة حول مردود المدرب ونتائجه على صعيد تخريج اللاعبين، هي من تحكم الاختيارات.

أكد الدكتور بلحسن مالوش مدير الإدارة الفنية باتحاد كرة القدم، أن الأندية مطالبة بتحري الدقة بصورة أكبر في تعاقداتها مع مدربي الأكاديميات والمراحل السنية، كون المدرب في هذه المرحلة، من أهم عناصر تكوين اللاعب في السن الصغيرة، خاصة في ما يتعلق بالمدربين الأجانب، وضرورة أن يمتلك خبرات تدريبية طويلة مع المراحل السنية.

وقد لاحظنا في بعض الدورات التدريبية التي تقام بالتعاون مع الاتحاد الآسيوي، العديد من المدربين الأجانب، ليسوا على المستوى المطلوب، بما يسهم في تطوير الكرة الإماراتية، وبالتالي، الاختيار الصحيح والدقيق للمدرب من العناصر الأساسية التي يجب على الأندية تحري الدقة في ظل الأهمية القصوى لهذه المرحلة.

وأضاف: «الإشكالية الأكبر التي تواجهنا في تعاقدات الأندية مع مدربي المراحل السنية الذين لا يملكون رخصاً تدريبية أو لا، يمكنهم الحصول على شهادة اعتراف بالكفاءة لعدم وجود شرط خبرة الـ 5 سنوات، إذ نحاول كاتحاد، مساعدة الأندية في حصول المدربين على الشهادات المعترف بها.

ولكننا نواجه صعوبات كثيرة في هذا الأمر، وطلبنا مراراً من الأندية أن تحصل على مشورة الإدارة الفنية بالاتحاد قبل التعاقد مع المدربين، سواء كان مدرب الفريق الأول أو للمراحل السنية، بإرسال أوراقه وسيرته الذاتية وخبراته التدريبية، وبعض الأندية تواصلت معنا في هذا الخصوص، ولكن للأسف، عددها قليل للغاية، ونفاجأ في أحيان كثيرة، وجود مدرب بالدولة لا يملك أي شهادات تدريبية».

جيل المستقبل

وتابع: «من واقع خبراتي والدورات التدريبية التي نقوم بها، هناك مدربون كثر فيهم وعليهم، ومنهم الكفء ومنهم غير المؤهل، ولذلك، لو كنت مسؤولاً في نادٍ أو أكاديمية كرة قدم، سأتحرك كثيراً في عملية اختيار مدربي المراحل السنية، لأن هذا المدرب هو من يأخذ على عاتقه إعداد جيل للمستقبل وتكوينه بالشكل الصحيح، والهدف في هذه المرحلة، هو تكوين اللاعب.

وليس مجرد النظر لنتائج فرق المراحل السنية، فالمدرب ليس مجرد شهادة فقط، وللأسف، في بعض الأحيان النتائج هي من تحدد عمل المدرب، وليس الناتج، في العناصر الموهوبة التي يمكنها الاستمرار في المستقبل».

وعن دور اتحاد الكرة في وضع معايير أساسية للتعاقد مع مدربي المراحل السنية، أكد أن الاتحاد دوره الأساسي تنظيم مهنة المدربين، واستخراج بطاقات مزاولة المهنة، ولكن تواجهنا إشكالية في آسيا بصفة عامة، أن الاتحاد القاري يعترف فقط بالشهادات الأوروبية الصادرة من الاتحاد الأوروبي تلقائياً، أما بقية الشهادات غير معترف بها.

والاتحاد الآسيوي لتسهيل المهمة، يستخرج اعترافاً بالكفاءة، وتعتمد على خبرة المدرب «5 سنوات»، وعادة لا نواجه مشكلة كبيرة في هذا الجزء، ولكن المدرب الذي يحصل على اعتراف الكفاءة، يكون صالحاً لمدة سنتين، وأثناء هذه المدة، أصبح لزاماً عليه الدخول في الدورات التدريبية للحصول على الرخصة، سواء C أو B أو A، أو رخصة مدرب محترف PRO.

مشيراً إلى أن اتحاد الكرة لا يستطيع فرض اختيارات أو معايير معنية على النادي في اختياره للمدرب أو فلسفة اللعب، وإنما نحاول قدر الإمكان تنظيم الدورات التدريبية والتثقيفية لتطوير هؤلاء المدربين، وتعريفهم بالأساليب الحديثة في كرة القدم، إضافة إلى عملية مراقبة الرخص والشهادات التدريبية، ولذلك، الأفضل للأندية أخذ النصيحة والمشورة من الإدارة الفنية قبل التعاقد مع أي مدرب.

لأننا قادرون على تصنيف وتحديد خبرات وقدرات وشهادات المدرب، خصوصاً أنه للأسف عملية التعاقدات قد يدخل فيها السماسرة، والذين أكبر همهم هو جلب عقد لوكيله، وبالتالي، يجب على الأندية تحري الدقة في اختياراتها.

فئات عمرية

وعما إذا كان المدرب الأجنبي أم العربي والمواطن أفضل للأكاديميات والمراحل السنية، قال: «شخصياً، أفضل المدرب المواطن للفئات العمرية الصغيرة في مدارس الكرة، لأنه قادر على فهم سلوكيات الطفل والعادات والتقاليد بالدولة، ويجب أن يكون مؤهلاً من الناحية التدريبية.

ولكن لا مانع إذا كان بدعم من مدرب أو مدير فني أجنبي، بشرط أن يكون من أصحاب الخبرات التدريبية الطويلة في هذا المجال، إذ إن المدرب الأجنبي يمتلك ميزة بتجربته في المستويات الأعلى، وإذا حصلنا على مزيج بين الأجنبي الخبير والمواطن المؤهل، ستكون النتائج أفضل»، مشيراً إلى أن نحو 60 % من المدربين العاملين بصفة عامة في الكرة الإماراتية من الأجانب، و40 % من المواطنين.

وأردف: «بصفة عامة، يجب التفريق في المعايير المطلوبة في اختيار المدرب لكل مرحلة عمرية، والتي تتطلب مواصفات خاصة، فالبراعم تحت 12 سنة، تتطلب مدرباً مربياً في المقام الأول، يملك شخصية، ومتفهماً لسلوكيات الأطفال كي يتمكن من القرب منهم، والخطأ أن نأتي بمدرب فريق أول على سبيل المثال.

ونوليه تدريب فرق البراعم، بالإضافة إلى قدرته على التواصل مع المدرسة وأولياء الأمور، كونها أول خطوة للطفل مع كرة القدم، والمعرفة بتعليم أساسيات كرة القدم، وليس التدريبات البدنية والتكتيكية، أما في الفئة العمرية من 12 إلى 15 سنة، والتي تشهد مرحلة ما قبل البلوغ، فهي فترة حساسة، قد تشهد اضطرابات للبرعم.

ولذلك يجب على المدرب أن يكون مطلعاً على هذه التغيرات، وهذه المرحلة يبحث فيها البرعم عن القدوة، وهو دور المدرب حينها، وهؤلاء المدربون يجب أن تختارهم الأندية بعناية فائقة، أما فترة الشباب في المرحلة العمرية ما فوق سن الـ 15، فمواصفات المدرب خلالها، تختلف وتتطلب تجهيز اللاعب من النواحي الفنية والبدنية والخططية، بالإضافة إلى تجهيزه كلاعب محترف».

الخطأ الأكبر

وشدد مالوش على أن الخطأ الأكبر في تقييم مدربي المراحل السنية، هو الاعتماد على نتائج الفرق، مؤكداً أن أكاديمية الكرة في كل نادٍ، مطالبة بالاعتماد على فلسفة لعب واضحة، واستراتيجية وبرنامج محدد، وهو عمل المدير الفني الخبير، ونرى في بعض الأحيان، المدير الفني للأكاديمية، يتابع فقط في المباريات، بينما مدربو المراحل السنية المختلفة، هم من يضعون الخطط والبرامج.

وهذا لا يمكن أن نطلق عليه مديراً فنياً، وإنما أسميه منسقاً، فالأندية الكبيرة لديها فلسفة لعب، ومثلاً في العين والأهلي، هناك فلسفة لعب، وبالتالي، كل فرق المراحل السنية تلعب بنفس هذه الفلسفة حتى الفريق الأول، والأهم أن يحدد النادي أهدافه وفلسفته مع المدير الفني الذي يتعاقد معه للأكاديمية، وأعتقد أن هذه النقطة غائبة في أغلب الأندية.

وأضاف: «ميزة الأندية الكبيرة، أن لديها منظومة واضحة في عمل الأكاديميات، لا تختلف عن فلسفة الفريق الأول، كما أن من مهام المدير الفني للأكاديمية، تطوير المدربين، ووضع البرامج والخطط التي تمكنه من تنفيذ تلك الفلسفة»، لافتاً إلى وجود مشكلة بالأندية، وهي غياب التنسيق بين مدربي الفريق الأول ومدربي المراحل السنية، إذ هناك فرق تعمل بمعزل تام عن الأكاديمية.

وعلى سبيل المثال، لاعبون في المنتخب الأولمبي تترقب فرصة اللعب في أنديتها وتصعيدها للفريق الأول، ولكن غياب التنسيق والجرأة من مدرب الفريق الأول، تجعل بعض العناصر المميزة تنتهي مسيرتها، لأنها لا تحصل على فرصة اللعب في الوقت المناسب.

15

أكد الدكتور بلحسن مالوش، أن اتحاد الكرة يعتمد على المدربين المواطنين في المراكز التابعة له في مختلف مناطق الدولة، وقال: إن 15 مدرباً مواطناً يعملون في 5 مراكز للتدريب بواقع 3 مدربين في كل مركز، وهم مدرب ومساعد مدرب ومدرب حراس مرمى، وذلك لاكتشاف وتدريب المواهب. وأشار الدكتور بلحسن مالوش، إلى أن الاتحاد يعمل على مراقبة الأكاديميات الخاصة والمدربين.

إذ تعمل بعض الأكاديميات من دون معايير وهمها الأول الربح المادي، ويقوم الاتحاد شيئاً فشيئاً بإدارة العملية التنظيمية للأكاديميات الخاصة والقيام بزيارات للاطلاع على الوضع الحقيقي لتلك الأكاديميات خاصة وأنها قد تتضمن مدربين لا يحملون مؤهلات للتدريب، وفي حالة وجود مخالفات يتم رفع تقارير للهيئة العامة لرعاية الشباب والرياضة

433

يبلغ إجمالي عدد المدربين المسجلين في اتحاد كرة القدم في الموسم الرياضي الحالي 2016- 2017 والذين يحلمون رخصة تدريبية 433 مدرباً منهم 300 مدرب أجنبي و133 مدرباً مواطناً، ويبلغ إجمالي المدربين الحاصلين على رخصة التدريب لمستوى المحترفين PRO 84 مدرباً منهم 32 أجنبيا و16 مدربا مواطنا، أما الحاصلون على الرخصة A فهم 77 مدربا منهم 45 مدربا أجنبيا، و32 مدربا مواطنا.

وعلى مستوى الرخصة «B» يبلغ عدد المدربين 74 مدرباً منهم 45 أجنبياً و29 مواطناً، والرخصة C«167» مدرباً منهم 121 أجنبيا و46 مدربا مواطنا، أما على مستوى مدربي حراس المرمى فيبلغ عددهم 67 منهم 57 مدربا أجنبيا و10 مدربين مواطنين.

265

يصل عدد المدربين العاملين في أكاديميات كرة القدم والمراحل السنية بالأندية، بحسب إحصائية صادرة من اتحاد الكرة 265 مدرباً وتشتمل على المديرين الفنيين لأكاديميات الكرة، ومدربي المراحل السنية المختلفة في الأكاديميات ومدارس الكرة، وكذلك مساعدين المدربين، فيما يبلغ العدد الإجمالي 377 بعد ضم مدربي حراس المرمى ومدربي اللياقة البدنية.

وتعتمد أكاديميات الكرة على مدارس مختلفة في إداراتها الفنية، إذ يتولى المهمة في أكاديمية نادي الوحدة الهولندي أليكس، وفي النصر الهولندي لوكاسين، بينما تفضل بعض الأكاديميات المواطن مثل أكاديمية العين بوجود علي خميس، وجمعة ربيع المدير الفني في الشارقة، فيما يعتمد الأهلي على المغربي الدكتور حرمة الله السباعي ، والجزائري يسري بو زيان المشرف الفني.

19

قاعدة بيانات اللاعبين في المراحل السنية متوفرة لدى الأندية، لكن يفتقدها اتحاد الكرة والإعلام، ولذلك يتم الاختيار غالباً على المشاهدة والمتابعة، وفي الوقت نفسه، ولا بد من توفير دوري مشابه لدوري المحترفين، بزيادة عدد المباريات، وتوفير معدلات فنية قريبة من المحترفين، خاصة وأن دوري 19 و17 عاماً ضعيف.

وبعيد عن المحترفين، الذي وصل إلى معدلات متقدمة آسيوياً من حيث المستوى الفني، والذي يشمل معدلات الركض وقلة الأخطاء، وبالتالي، لا تستطيع الأندية المنافسة الاعتماد على هؤلاء اللاعبين صغار السن في مبارياتها المهمة.

كما أن الفائض من اللاعبين الذين لم يلتحقوا بالفريق الأول، يتم تسويقهم بنظام الإعارة، وإذا قدم أحدهم مستوى متميزاً يعود إلى النادي مرة أخرى

4

يجب على الأندية ذات المستوى المتواضع، أن تبحث عن المواهب من لاعبي الأكاديميات، خصوصاً إذا جاءت من أكاديميات القمة، كالعين والجزيرة والوحدة والأهلي، بسبب إعدادها الجيد على مدار سنوات طويلة، وبداية من المراحل السنية، وفي الوقت نفسه، تقع هذه الأندية ذات المستوى المتواضع إلى التعاقد مع 4 لاعبين أجانب.

بالإضافة إلى إدارة فنية، ثم تقيلهم بداعي سوء النتائج، وتتعاقد مع غيرهم، ومن الممكن ضم هؤلاء اللاعبين الشباب المتميزين، وبأسعار معقولة جداً، بدلاً من الاتجاه إلى المنتج الأجنبي، والذي لا يحقق طموحاتها في نهاية المطاف.

خاصة وأن المستوى الفني لأكاديميات الدولة بشكل عام متواضع، والجميع يحتاج إلى وقفة في هذا الشأن.

25000000

أكدت المصادر أن معدل الإنفاق السنوي لأكاديميات أبوظبي، وتشمل العين والوحدة والجزيرة، من 20 إلى 25 مليون درهم سنوياً، وبني ياس 9 ملايين درهم، بينما يتراجع معدل الإنفاق بالنسبة لأكاديميات دبي إلى النصف تقريباً، وتشمل الأهلي 10 ملايين، و7 للشباب، علماً بأن الأندية تتكتم على معدلات الإنفاق السنوي، سواء الأكاديميات أو فرقها، وتعتبرها سراً لا يجوز البوح به.

ويعلم الجميع أن أكاديميات الكرة هي مصنع المواهب التي ترفد فرق الدرجة الأولى، بمنتج محترف يسهم في دعم المنتخبات الوطنية في كافة المنافسات، والتي تسعى من خلالها إلى رفع اسم وعلم الدولة، كما أن الفائض من لاعبيها يتم تسويقهم إلى الأندية الأخرى، وفق معايير المكسب وليس الخسارة.