منذ أن أوضح سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.. عن فكر القائد في الرياضة، وكيف تعود بالسعادة والرخاء والصحة على شعب الإمارات، وخاصة شبابها عمادها في التقدم والرقى، تنافست أقلام الكتاب والاختصاصيين والعاملين في المجال الرياضي في تناول فكر سموه بالدراسة والتوضيح والتحليل بكافة الوسائل المسموعة والمقروءة والمرئية، وكلها آراء وتحليلات سديدة وقيمة، ما دفعني كمتخصص في المجال الرياضي ومهموم بالقضايا الرياضة بدولة الإمارات، ومهتم بصفة خصوصاً بتفعيل الدور الرياضي في الصحة لكافة قطاعات شعب الإمارات، إلى محاولة قراءة فكر سمو القائد بطريقة مهنية أكاديمية، لفهم أبعاد هذا الفكر، ومحاولة الوصول إلى خطط عمل واضحة، لتفعيل فكر سموه واستراتيجية الحكومة لبناء المواطن الإماراتي الصالح والسليم صحياً وبدنياً. ولأن فكر سموه يمتاز بالعمق والشمولية، فلا بد عند قراءتنا لهذا الفكر، أن نغوص في أعماق الفكرة ومدى شموليتها، حتى نفهم تماماً المقصود، وبالتالي، نستطيع العمل على تحقيقه بفاعلية.
البعد الأول: الرياضة من أجل حياة سعيدة:
(إن استراتيجية الحكومة هي تبني الرياضة كأسلوب للحياة السعيدة).
ولقد حث سموه المسؤولين في قطاعات الرياضة والشباب، على تشجيع فئات المجتمع على ممارسة الرياضة اليومية، وزيادة وعي المجتمع بأهميتها ونشرها في كل الأحياء، فالجسم السليم المعافى مصدر سعادة الإنسان. وفي مبادرةٍ متميزة، أمر سموه بإقامة يوم رياضي وطني مفتوح، بالتزامن مع احتفالات اليوم الوطني 44.
وحتى نفهم هذا البعد بشكل شامل، ووفقاً لفكر سموه، يجب أن نعرف أن ممارسة الرياضة اليومية لكافة فئات المجتمع، هي ممارسة بهدف الارتقاء بمستوى اللياقة البدنية لهذه القطاعات، ويجب أن نفرق في البداية بين نوعين من اللياقة البدنية:
النوع الأول - هي اللياقة البدنية من أجل الصحة، وهو النوع الذي يهدف إلى رفع مستوى صحة الشعب الإماراتي بدنياً وصحياً، من خلال ممارسة الرياضة بشكل عام، وهو أحد الأهداف الأساسية والأكثر أهمية في ممارسة الرياضة لكافة قطاعات الشعب.
النوع الثاني - هي اللياقة من أجل الفوز والبطولة، وهي لياقة بدنية نوعية متخصصة، ترتبط بطبيعة الأداء في نشاط معين، وهي تهدف إلى الارتقاء بمستوى الأداء والإنجاز الرياضي في نشاط معين، وهذا يخص قطاع البطولة، ومن المحاور الأساسية في هذا القطاع، اكتشاف المواهب الرياضية.
ويختلف مفهوم اللياقة البدنية لدى الرياضي، عنه لدى الفرد العادي، فعلى الرياضي ليكون لائقاً، امتلاك القدرة على تحمل الجهد العضلي طويل المدة، والتحمل لأداء النشاط الرياضي المطلوب منه.
أما مفهوم اللياقة البدنية بالنسبة للشخص العادي، فهي المرتبطة بالمقدرة على القيام بأعباء الحياة اليومية بيسر وسهولة، مع المقدرة على القيام بالجهد الطارئ عند اللزوم، مع المحافظة على صحة جيدة، ورضاء نفسي بقدر ما هو ممكن.
وفي هذا البعد الأول لفكر سموه، نجد أن الاهتمام موجه لكافة قطاعات المجتمع، من خلال الممارسة اليومية للرياضة كأسلوب حياة، بحثهم على ممارسة الرياضة اليومية لاكتساب اللياقة من أجل الصحة لحياة سعيدة صحية.
ومن أشهر الدول التي تتبنى هذا النهج، أميركا، حيث تم بأمر من الرئيس الأميركي آنذاك «آيزنهاور»، إنشاء الكلية الأميركية للطب الرياضي عام 1954، لتطوير اللياقة البدنية على أساس البحث العلمي، لتطوير اللياقة الصحية في المجتمع الأميركي.
فكر
والسؤال الآن، كيف يمكن تحقيق هذا البعد وهذا العمق في فكر سموه، بجعل الرياضة أسلوب حياة. ويتطلب الأمر بناء استراتيجية لتنفيذ ذلك لكافة الاتحادات واللجنة الأولمبية والهيئة العامة للشباب، بالإضافة إلى دور بارز للقطاع الخاص والشركات، ويحتاج ذلك إلى استراتيجية مقترحة، تعتمد على العناصر التالية:
• وضع الاستراتيجية وخطتها التنفيذية تحت رعاية سموه.
• استخدام كل الإمكانات والموارد المتاحة، وخاصة في الأندية والمدارس.
• تفعيل دور إيجابي لرجال الأعمال بهدف الرعاية.
• استخدام الشكل الاختباري المتعدد للياقة البدنية، والاهتمام بنشر الثقافة الرياضية.
• تفعيل نظام الحوافز والجوائز والتشريعات المناسبة.
• تطبيق الأسس والقواعد العلمية والتكنولوجية.
• بناء المعايير القياسية المناسبة للياقة البدنية واختباراتها.
وحتى تحقق الاستراتيجية أهدافها، لا بد أن يوضع لها آليات تنفيذ، تتمثل في الآتي:
• تحديد أهداف واقعية طموحة وقابلة للقياس، وفق برنامج زمني محدد.
• ضمان الاهتمام الإعلامي الواجب والضروري، وفق خطة وأهداف محددة في جميع وسائل الإعلام.
• ضمان التمويل الذاتي، بما يحقق مشاركة المواطن والدولة لتنفيذ المشروع، وتفعيل دور رجال الأعمال في الرياضة.
• ضمان تفعيل التعاون المطلوب بين القطاعات المختلفة بطريقة إيجابية، وخفض المقاومة تجاه المشروع وإجراءات تنفيذه.
• الاهتمام بالفئات والمناطق المحرومة من الأنشطة.
• اعتبار اللياقة البدنية عملية تراكمية مستمرة ذات مراحل متتابعة ومستويات متدرجة، تؤدي إلى ترسيخ الاهتمام الذاتي بتنمية اللياقة البدنية، بحيث تتحول إلى أسلوب حياة، من خلال:
• نظام اختباري تنافسي مستمر.
• نظام تحفيز متتالٍ، وهو الاتجاه الذي استخدمته أميركا بعد دراسات متعددة.

الرياضة المدرسية البعد الثاني
لخص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي - رعاه الله - بشكل موجز وجامع وشامل، مشكلات الرياضة التنافسية والرياضة المدرسية والعلاقة بينهما، عندما قال: (الرياضة عندنا تبدأ في الأندية، بينما الأصل أن تبدأ في المدارس)، كما أشار سموه إلى الاتجاه الصحيح الذي يجب أن تسير فيه الرياضة في دولة الإمارات، حتى تحقق الغاية من الرياضة المدرسية، والتي يمكن أن تسهم في جعل الرياضة أسلوب حياة، وفي نفس الوقت، تحقق الأسلوب الأمثل لتكوين وبناء الأبطال الذين يسهمون في رفع علم الإمارات في المحافل الدولية، فالبداية هي الرياضة المدرسية، ومنها إلى نظام لاكتشاف المواهب ورعايتها، بما يحقق البطولات.
وحتى نستطيع فهم الاستراتيجية التي يهدف لها هذا العمق من فكر سموه، يجب أن نحلل هذه الاستراتيجية إلى اتجاهات تنفيذية، تستند إلى الأسس العلمية، وهي التي لخصها سموه في عبارة موجزة جامعة، وهي أن:
الرياضة عندنا تبدأ في الأندية، بينما الأصل أن تبدأ في المدارس، ويتم الكشف عن المواهب مبكراً للوصول لمنصات التتويج.
وتعني هذه الاستراتيجية، الاهتمام بالمدرسة والرياضة المدرسية، فهي المنبع الفعلي للمواهب، فالرياضة المدرسية تعمل على تحسين مستوى اللياقة البدنية والصحة، وهو الطريق الصحيح للوصول إلى المستويات العالمية. فهذا الاتجاه في فكر سموه، يرتكز بصفة أساسية على عنصرين هامين:
• النظرة الشاملة لمفهوم الرياضة المدرسية، وتفعيلها وفلسفة الاختيار والانتقاء.
• العمل على تبني استراتيجية واضحة ومحددة، مبنية على الأسس العلمية في مفهوم الانتقاء.
فالانتقاء هو اختيار أفضل العناصر لنوع النشاط، من خلال العوامل التي تحدد إمكانية الوصول إلى المستويات العليا في الأداء، كما يعرف بأنه اختيار أفضل العناصر من الممارسين، مع التنبؤ مستقبلاً بمدى إمكانية وصولهم إلى المستويات العليا.
والانتقاء عملية صعبة ومعقدة، وفي دراسة تمت في الولايات المتحدة الأميركية عن الاختيار في كرة السلة للمحترفين عام 1999، أشارت الدراسة إلى أنه من بين عشرين ألف لاعب يمارسون في دوري الكليات، تتم دعوة 400 لاعب للتجارب الأولية، تتم تصفيتهم إلى 56 لاعباً فقط، بينما يقبل بشكل نهائي 6 لاعبين من أصل عشرين ألف لاعب، بنسبة 0.03 %.
ما زالت عملية توجيه واختيار اللاعبين لنوع النشاط الذي يلائم إمكاناتهم من أجل تحقيق أعلى مستوى ممكن في نوع النشاط الممارس عن طريق تحديد مدى ملاءمة إمكانات الفرد لمتطلبات هذا النشاط، تحظى باهتمام بالغ، فعملية انتقاء الموهوبين عملية ديناميكية مستمرة طويلة الأمد، تستهدف التنبؤ بالمستقبل الرياضي للناشئين، وما يمكن أن يحققه من نتائج.
يعتبر اختيار المواهب الرياضية وتنميتها، من أهم العوامل التي تؤدي إلى إعداد الفرد الرياضي القادر على تحقيق الإنجاز الرياضي في الحدود العالمية. إن عملية الانتقاء لا بد من أن تخضع لمعايير وأسس مقننة، في ضوء اختبارات لاكتشاف المواهب ذات قدرة تنبؤية عالية، تختلف من مرحلة إلى أخرى ومن نشاط إلى نشاط.
وهنا، يظهر مدى العمق في الاستراتيجية التي أشار إليها سموه، والتي تعمل على تحقيق فاعلية الرياضة المدرسية، وهو ما يؤدي إلى أن تصبح الرياضة أسلوب حياة للشباب الإماراتيين.
لذا، يجب أن نعمل على تبني سياسات محددة مبنية على الأسس العلمية في مفهوم الانتقاء.
وأهم العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى الارتقاء بالمستوى الرياضي في دولة الإمارات، هو النظام المدروس، الذي يمكن أن يفرز الأبطال، ولقد اخترنا أهم العناصر المرتبطة بفكر سموه:
1. زيادة عدد ممارسي الرياضة للأنشطة المختلفة، وخاصة الذين يظهرون مستوى جيداً من خلال الأنشطة المدرسية ذات الفاعلية.
2. الاختيار المبني على الموهبة من المشاركين في البطولات المدرسية.
3. رعاية الموهبة وتشجيعها وتوجيهها إلى الاتحادات المعنية.
وهذه الاستراتيجية هي التي يمكن أن تحقق الارتقاء الفعلي بالرياضة في دولتنا الحبيبة، استناداً إلى فكر سموه.
130
نهجت أوروبا نهج أميركا، وأطلقت العديد من المشروعات والاختبارات التي تستهدف رفع اللياقة البدنية الصحية لمواطنيها، منها المشروع الفرنسي الذي أجرته وزارة الشباب والرياضة. وفي ألمانيا ظهر اختبار «نبض (130)» وهو اختبار يتلخص في أداء ممارسات بدنية حرة أو موجهة لرفع النبض إلى (130) درجة. وفي سويسرا أجرت جامعة بازل مشروع اختبار اللياقة البدنية على (1800) شخص، وتم طرحه للاستخدام العام للجنسين من 15-65 سنة ويتضمن المشروع اختباراً مكوناً من ثلاث وحدات لقياس القوة، والمرونة، والتحمل، ووضعت نظاماً خاصاً للتقوية من خلال أربعة مستويات متدرجة للحالة البدنية.
مبادرة
البعد الثالث.. الرياضة من أجل الصحة
تهدف مبادرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حفظه الله إلى خلق مجتمع رياضي معافى يمارس الرياضة كأسلوب حياة، وليست الممارسة الرياضية ليوم واحد فحسب، بل إنها تهدف إلى تشجيع الجميع على وضع الرياضة وممارستها على رأس أولويات كل فرد.
إن اهتمام الدولة بالصحة العامة واللياقة البدنية، وفي جوهرها الاهتمام برفع الحالة الصحية لمواطني دولة الإمارات، يؤثر إيجابياً في الصحة والتعليم والإنتاج والدفاع، وهي الاتجاهات ذات الصلة المباشرة والمستفيدة من رفع اللياقة، ويجب أن يكون لها مشاركة إيجابية في تفعيل هذا الاهتمام.
وحتى يتحقق هذا العمق في بناء نظام رياضي يجعل من الرياضة أسلوب حياة، يجب أن تصاغ لائحة تنفيذية تحدد الأدوار والمهام المناطة بكل جهة ومؤسسة مثل البلديات والمجالس الرياضية والأندية.
وإن من بشائر الخير ما نسمعه ونراه من الاستعدادات لإطلاق البرامج والفعاليات التي تعلن عنها الجهات المهتمة بالرياضة ضمن فعاليات الاحتفالات بالعيد الوطني الرابع والأربعين. والتي ستتحول بإذن الله إلى برامج واستراتيجيات مستمرة، وليست أحداثاً نفرح بها ثم تنقطع بعد حين.

