يعتبر شغب المـلاعب ظاهرة عالمية تعاني منها أغلب الدوريات والبطولات الكبرى، وشهد تاريخ كرة القدم العديد من الأحداث المؤلمة بسبب التعصب وعدم احترام الروح الرياضية. التعصب ظاهرة قديمة حديثة ترتبط بها العديد من المفاهيم كالتمييز العنصري والديني والطائفي والجنسي والطبقي ولكن مع تزايد أهمية الرياضة في المجتمعات والتعلق القوي بالأندية أصبحنا نتحدث عن التعصب الرياضي، الذي يعتبر من أخطر الظواهر السلبية، التي تهدد الشعوب وتسبب حتى في إثارة العديد من الأزمات بين الدول.
ورغم أن بعض السلوكيات السلبية، التي بدأت تكسح ملاعبنا في السنوات الأخيرة لم تصل بعد إلى درجة الخطورة، التي تشكو منها العديد من الدوريات في العالم ومازالت ظاهرة دخيلة على دورينا إلا أنها باتت تشكل تهديدا واضحا لكرتنا ومجتمعنا، ما دفع البعض إلى المطالبة بالتصدي لهذه السحابة السوداء في سماء دورينا ورفع شعار «لا للتعصب».
«البيان الرياضي» حاولت فتح ملف التعصب الأعمى في دورينا من خلال 4 حلقات رصدت فيها بعض مظاهر السلوكات السلبية ومظاهر الخروج عن النص، التي شهدتها ملاعبنا في زمن الاحتراف وتناول القضية من جانبها القانوني و التطرق لمبادرات الأندية وبقية المؤسسات والهياكل الرياضية الأخرى لحماية رياضتنا ومجتمعنا بشكل عام والخروج ببعض التوصيات، التي من شأنها أن تسهم في الحد من السلوكيات السلبية.
بعيداً عن الضرب بعصا القانـون، يمكن أن تؤدي الأندية دوراً مهماً في حماية الروح الرياضية والتصدي لشغب الملاعب والابتعاد عن كل أشكال التمييز والتحريض على الكراهية، من خلال جهود التوعية والاقتراب أكثر من جماهيرها لترصد تطلعاتهم وتشاركهم أهدافها.
وتعتبر الأندية الشمعة المضيئة التي ستنير مسار التصحيـح، وتنشر ثقافة التشجيع الحضاري، وتنقل صورة جميلة عن رياضة الإمارات وكرة القدم بشكل خاص.
وقد يكون نادي الوحدة المثال الذي يقتدى به، باعتباره كان سباقاً في الضرب بيد من حديد على أحد مُشجعي الفريق الذي نشر تسجيلاً على مواقع التواصل الاجتماعي يحضّ فيه على الإساءة إلى نادي العين ولاعبه عمر عبد الرحمن.
واعتبر الوحدة أن ما قام به المُشجع من تصريحات في وسائل التواصل الاجتماعي مخالف لقيم وأخلاقيات المجتمع الإماراتي، وقرّر منعه من دخول جميع المباريات التي تقام على ملعبه في أبوظبي.
ودعا نادي الوحدة جماهيره إلى ضرورة أن يسمو السلوك القويم فوق الجميع وعدم الإساءة إلى الأندية الأخرى، سواء في المدرجات أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، للحفاظ على الروح الرياضية التي تعلو فوق أي منافسات.
كما حث «أصحاب السعادة» باقي الأندية الأخرى على ضرورة نهج هذا التصرف، للقضاء على التعصب الذي بات يهدد كرة القدم في دورينا ويسيء إلى سمعتها.
بيان
وأصدر الوحدة بياناً جاء فيه: «قرر مجلس إدارة شركة نادي الوحدة لكرة القدم منع أحد المشجعين من دخول المباريات المقامة بالنادي، لإساءته إلى أطراف أخرى بتصريحات في وسائل التواصل الاجتماعي مخالفة للقيم والأخلاق التي تسود مجتمعنا، وفي السياق نفسه نرفض ونستنكر الأفعال المنافية التي صدرت من قلة غير مسؤولة لا تمثل جماهير النادي الوفية، ونتطلع إلى جماهير النادي بتشجيع نجومهم بالروح الطيبة التي يتسمون بها، كما ندعو الأندية الأخرى إلى أخذ مواقف صارمة تجاه ذوى التصرفات غير اللائقة، والتوجه نحو تشجيع الفرق في تقديم الأداء الراقي الذي يشرّف الكرة الإماراتية».
وموقف الوحدة ليس غريباً عن ملاعب كرة القدم في العالم، وخاصة في أوروبا وبعض الدول العربية، حيث يتم التعامل بمنتهى الصرامة مع المشاغبين، ويتم منعهم من حضور مباريات فرقهم، ومن الإجراءات المتبعة إجبارهم على التوقيع بين شوطي المباراة في مراكز الشرطة القريبة من مقرات إقامتهم.
وسبق أن منعت الحكومة البريطانية أكثر من 3000 من مشجعي كرة القدم المتعصبين «الهوليغانز» من السفر إلى جنوب إفريقيا، لمتابعة مباريات منتخب بلادهم في نهائيات كأس العالم 2010.
وأوضحت وزارة الداخلية البريطانية، في بيان رسمي حينها، أن هذه الإجراءات ستسمح بفرض «فترة مراقبة» على 3200 متعصب خاضعين لقرارات الحظر التي تصدرها المحاكم البريطانية بحق مثيري الشغب في المباريات وما يتعلق بها، كما تمنع تلك القرارات مثيري الشغب من حضور مباريات كرة القدم المحلية، ومن ثم قد تعني تسليم جوازات سفرهم إلى الشرطة قبيل انعقاد المباريات الدولية.
وفي 2011، أصدر الاتحاد البوسني لكرة القدم قراراً بمنع جماهير الفريق الضيف من حضور المباريات التي تقام خارج ملعبه في الدوري والكأس مؤقتاً بسبب تكرار حوادث الشغب.
مبادرات
تحرص بعض أندية دوري الخليج العربي على القيام ببعض المبادرات والبرامج التوعوية للجماهير، مثل المحاضرة التي ينظمها النصر سنوياً تحت عنوان «كلنا ضد التمييز العنصري»، بمشاركة جميع روابط المشجعين في أندية الدولة.
وتناولت النسخة الثالثة التي أقيمت العام الماضي بمقر النادي مفهوم، التمييز العنصري وموقف الدين الإسلامي الحنيف الذي يدعو إلى تجنب هذه الظاهرة، كما تضمنت المحاضرة التمييز العنصري في الرياضة بشكل عام وأسبابه.
وتم عرض أشكال ونماذج من العنصرية في الملاعب، وإبراز دور الاتحاد الدولي والاتحادات القارية واتحاد الإمارات لكرة القدم في محاربة التمييز العنصري.
كما يقوم النصر ببعض المبادرات التي تعزز علاقته بجماهيره، وأبرزها مبادرة «مشجع الأسبوع» التي تم تنظيمها في موسم 2012-2013، تكريماً لجماهيره، واعترافاً منه بدورهم في شد أزر الفريق ومساندتهم له، من أجل تحقيق النتائج الإيجابية، وتتمثل هذه المبادرة في تكريم أحد المشجعين بعد كل مباراة، لتحفيز الجمهور إلى حضور كل المباريات، والتشجيع في إطار الروح الرياضية.
ويتم تكريم «مشجع الأسبوع» بعد كل مباراة، وتسليمه جائزة مهداة من إحدى الشركات الراعية لهذه المبادرة التي استمرت موسماً كاملاً.
وأكد عبد الله بوعميم، المدير التنفيذي لشركة النصر لكـرة القـدم، أن دور الأندية مهم في مكافحة التعصب، وقال: «جمهور الإمارات واعٍ، ويتقبل كل المبادرات والبرامج التوعوية، ولا يمكن محاسبته على بعض السلوكيات السلبية التي شهدناها في الجولات الأولى، وهي عبارة عن ردة فعل لا أكثر».
وأضاف: «لا نؤيد مظاهر التعصب والخروج عن النص بالتلفظ بألفاظ نابية تجاه الأجهزة الفنية والإدارية والحكام واللاعبين، وأعتقد أن الأندية تتحمل مسؤولية كبيرة في توعية الجماهير، وهي مطالبة ببناء علاقة وطيدة معهم، وتكثيف حملاتها بالتعاون مع مختلف المؤسسات المتداخلة في تنظيم المباريات».
الوعي الجماهيري
من جهته، أكد يوسف البطران، عضو مجلس إدارة نادي الإمارات، أن الدولة أفضل من غيرها في التعصب، نتيجة الوعي الجماهيري الموجود في كرة القدم والمناشط الرياضية كافة، لكن لا بد من المزيد من التنوير، ونشر ثقافة التشجيع، والتحذير المستمر من عدم الانفعال والتهور.
وأكد البطران أنه من الضروري مواصلة الحملات الإعلامية حتى تختفي الظاهرة نهائياً، وقال: «غرس الروح الرياضية في اللاعب الناشئ بالمراحل السنية خطوة مهمة جداً في الاتجاه الصحيح، وأيضاً استخدام مواقع التواصل الاجتماعي ونشر الوعي عبر الصحف، وكلها أشياء تسهم في أن نكون الأفضل».
أكد يوسف البطران، عضو مجلس إدارة نادي الإمارات، أن وسائل الإعلام لديها مهمة كبيرة يجب أن تؤديها في هذا الاتجاه، بتوعية الجماهير، والتأكيد المستمر أن كرة القدم تتقبل كل النتائج، ولا تخرج من إطار الفوز والخسارة والتعادل، وأن أخطاء الحكام واردة أيضاً، وأن الانفعال في وجه الحكم لن يعيد قراره.
وأوضح عضو مجلس إدارة نادي الصقور أن دولة الإمارات تتفوق على الكثير من الدول الأخرى، وتتميز بجمهور واعٍ مدرك لواجبه، ويعرف معنى الرياضة والتنافس الشريف، ويعلم أن الرياضة ترفيه وسلوك، وليس مهماً أن تلعب فيها دائماً للفوز، ذاكراً أنه شاهد تعصباً خطراً في بعض الدول العربية، ولا يمكن أن يشاهده في الإمارات، لأنه يثق بالمشجع الإماراتي واللاعب أيضاً.
