شعرت بحذره كما لو أني أسير معه على لوح مسامير، يتكلم بتأنٍ، يرد بعد صمت وجيز، يحسب حساباً للآخر، افصح أكثر من مرة عن رغبته في عدم "إغضاب" أحد، أي أحد، برر ذلك عدة مرات بأسباب اقنعني بأنها ضرورية، ودود جداً، يٌشعر محدثه بأنه معروف له منذ سنوات وليس للمرة الأولى ..

كما هو حالي معه، غالباً ما يقرن كلامه بالصورة، تماماً مثلما يفعل رجال التحقيق، يٌقدم دليلاً، يريد إثباتاً، حتى لا يفسح المجال للآخر بالنفاذ من أي زاوية، شعرت بأني أمام رياضي مختلف وأنا اقلّب أوراق الزمن الجميل مع عيسى عبيد السويدي النجم السابق لمنتخب الإمارات وفريق الشباب الأول لكرة القدم.

هل عبيد حذر، نعم إنه حذر وعلى اشد ما يكون الحذر، عبيد يحمل أسراراً، نعم يحمل أسراراً كثيرة، لكنها لن تخرج إلا باستخدام الدبلوماسية معه، طرف يشد وآخر يٌرخي، عبيد يحب الشباب، نعم إنه دم يجري في عروقه، عبيد لا يتردد في المجاهرة بأنه هو الولد الشقي، المشاكس، "المشاكلجي"، عبيد يكن كل الود والحب والاحترام والإعجاب بالنجم الشهير زهير بخيت المعروف للجميع بلقب "الولد الشقي".

البداية 79

عبيد، متى لعبت للشباب، سألته فأجاب بعدما تحرك قليلاً من كرسيه: بدأت في العام 1979 اللعب مع فريق الشباب الأول لكرة القدم، واستمريت مرتدياً القميص الأخضر حتى العام 1985، وعشت مع الفريق احلى اللحظات، فزنا بلقب بطولة الكأس في العام 1980، وكانت تلك اجمل لحظات حياتي في مجال كرة القدم، شعرت بأني فعلت شيئاً للنادي الذي جري حبه دماً في عروقي إلى اليوم رغم أني بعيد بعض الشيء عن القلعة الخضراء.

دم يجري

قلت له، ولماذا أنت بعيد عن النادي طالما هو دم يجري في عروقك، فأجاب: ربما هي انشغالات العمل، ولكن ورغم ابتعادي عن النادي، إلا أني ما زلت قريباً منه بروحي ومشاعري، ومن خلال أفراد أسرتي الذين يحبون نادي الشباب مثلي.

أسرة «الخضراوية»

سألته: كيف تتعامل مع مباريات الشباب اليوم، يرد بسرعة: "ابند التلفون" لا أشاهد التلفاز، لا اقرأ الصحف، لا أتكلم مع احد عن المباراة، وإذا ما خسر الفريق، ينتابني الحزن لأكثر من 3 أيام، حب الشباب دم يجري في عروقي حقاً، لا استطيع نسيان كيان اسمه الشباب، بالمناسبة يقول عبيد: نحن "الخضراوية" أفراد أسرة واحدة، يسأل بعضنا عن الآخر، نزور بعضنا بعضاً، نلتقي مع بعض خارج وداخل النادي.

أسئلة خاطفة

وبأسلوب الحوار الخاطف، سألت عبيد: كم مباراة لعبت للشباب، فأجاب: كثيرة، وكم هدفاً سجلت للجوارح، يرد: لا اعلم، وكم مباراة لعبت للمنتخب الوطني، يصمت قليلاً قبل أن يجيب: لي قصة لن أنساها مع المنتخب الوطني تتلخص فصولها في انضمامي للمنتخب في العام 1981 بدعوة من مدربه الإيراني مهاجراني، ولكن دورة عسكرية حالت دون استمراري مع الأبيض، فغادرت البعثة وهي تقيم معسكراً في فندق "هوليدي إن" الشارقة استعداداً لكأس الخليج العربي في الإمارات عام 1982.

قرار صعب

فقلت له: هل كنت إلى هذا الحد من النضج الفكري بحيث رجحت المستقبل على الحاضر، فأجاب قائلاً: فعلاً، كنت ناضجاً جداً، فواقعية التفكير بالمستقبل كانت وراء قراري ترك المنتخب مع قناعتي الراسخة بأن الانضمام للأبيض أمنية وشرف لأي لاعب، ولكني فكرت في لحظة صفاء مع نفسي، فاتخذت القرار الأنسب كما رأيت في حينه مع الاعتراف بأن القرار كان صعباً جداً.

الولد الشقي

ما هي اهم الألقاب التي أطلقت عليك طوال مسيرتك مع كرة القدم، يجيب عبيد قائلاً: "الولد الشقي"، و "الولد المشاكس"، و "المشاكلجي" واللقب الأول هو الأقرب إلى نفسي.

فقلت له: ولكن النجم الوصلاوي الشهير زهير بخيت هو "الولد الشقي"، ألا توضح لنا كيفية حصولك على اللقب، فأجاب عبيد: أنا احترم واحب اللاعب زهير بخيت، وهو من النجوم الذين قد لا تجيد بمثلهم ملاعب الإمارات، ولكن هناك حقيقة ربما غائبة عن الكثيرين تتمثل في أني صاحب لقب "الولد الشقي"، وقد اطلق علي الصحافيون ذلك اللقب منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولدي نسخ من الصحف التي "عنونت" حواراتها معي بلقب "الولد الشقي".

إبرة سنبل

لماذا يبدو مشوارك قصيراً إلى حد ما مع كرة القدم، فأجاب عبيد: ربما أنا من اللاعبين القلائل من أبناء جيلي الذين تعرضوا لسلسلة إصابات متواصلة، فما إن اخرج من إصابة أتعرض لأخرى، وهكذا حتى خضعت للكثير من العمليات التي جعلت مشواري مع كرة القدم قصيراً فعلاً كما قلت، تصور إننا كلاعبين كنا "نضرب إبرة" عند الدكتور حسين سنبل في مستشفى الكويتي بدبي قبل المباراة حتى نقلل تأثير "التارتان" علينا!

«التارتان» يا عزيزي

سألته: وما السبب وراء ذلك، فيرد عبيد بالقول بعدما اطلق "تنهيدة" حملت الكثير من المعاني: إنه "التارتان" يا عزيزي، "تارتان" ملاعب دبي الذي تسبب بإنهاء مسيرة جيل لامع في تاريخ كرة القدم الإماراتية، جيل لو سنحت له فرصة وظروف اللعب على العشب الطبيعي لسجل إنجازات خالدة لكرة القدم في الدولة، وعندما أرى روعة ملاعبنا اليوم، أتمنى لو أن الزمن يعود بي إلى الوراء لألعب على تلك الملاعب الرائعة، واظهر موهبتي على العشب الطبيعي، ولكن هيهات أن يتحقق الحلم بالنسبة لي.

12 ألفاً

 سألت عيسى عبيد عن قيمة مكافأة الفوز بلقب بطولة الكأس في العام 1980 مع الشباب، فأجاب بسرعة: 12 ألف درهم لكل لاعب، وهو مبلغ جيد في ذلك الوقت، واعتقد أن قيمة لاعب الأمس افضل بكثير لو كانت المادة متوفرة لنا كما هو الحال مع لاعب اليوم، فأنا جاءني عرض بـ 300 ألف درهم للانتقال إلى نادي العين في العام 1980، ولكن الصفقة لم تتوج بانتقالي إلى الزعيم، وطوال مشواري، لم ألعب احتياطياً ولو لمرة واحدة، ولم ابتعد عن تشكيلة الشباب إلا في حالة الإصابة.

 حكاية وفاء

 طلبت من عيسى عبيد أن يبين اهم الفوارق بين لاعب الأمس واليوم، فذكر حكاية، معتبراً تفاصيل ما بين سطورها إجابة على طلبي بقوله: في إحدى مباريات الشباب مع الأهلي في الدوري، شاركت مع فريقي بعد 3 أيام من وفاة والدي، كنا في حالة حداد، لكني شعرت بأهمية وجودي مع الشباب وبحاجته لخدماتي في تلك المباراة، فقررت المشاركة مع زملائي، وتألقت في تلك المباراة، نحن أبناء الجيل السابق، كنا بارعين في الفصل بين مشاكلنا الخاصة عن تلك التي تخص فرقنا، لم نتعود الخلط أبدا!

 فوات الأوان

 اعترف عيسى عبيد بعد فوات الأوان بأنه "كان" كثير التمثيل على حكام مباريات فريقه الشباب أمام منافسيه، بقوله: تسببت باحتساب العديد من ركلات الجزاء لمصلحة الشباب نتيجة نجاحي المتكرر في التمثيل على حكام مبارياتنا، كنت دائم الوقوع في منطقة جزاء المنافس لحصولي على ركلة جزاء، وكنت دائماً ما "أتلوى" من شدة الألم لإيهام الحكم بأني تعرضت للعرقلة من قبل مدافعي الفرق الأخرى داخل منطقة الجزاء، فاحصل على ركلات جزاء أسهمت في فوز الشباب في العديد من المباريات.

نقطة ضوء

 الاسم: عيسى عبيد السويدي

المواليد: 1962

مركز اللعب: مهاجم

الرقم: 11

الحالة الاجتماعية: متزوج وله ولدان وبنتان

الوظيفة الحالية: رجل أعمال

البداية مع كرة القدم: 1979 مع الشباب، و1981 مع المنتخب

الاعتزال: 1985

أبرز الإنجازات: الفوز مع الشباب بلقب الكأس عام 1980