ما يهم المدرب في المقام الأول هو قدرة اللاعبين على تنفيذ أسلوب اللعب الذي ينتهجه الفريق، وإلا ما هي الفائدة في أن يختار طريقة اللعب، ولا ينجح الفريق في تطبيقها عمليا داخل الملعب؟! حفلت الجولة الثانية من دوري اتصالات للمحترفين بنتائج لافتة، لكن الأبرز هو "حرب" التكتيكات بين مدربي الفرق، والحماس الذي طغى على اللاعبين والأجهزة الفنية في الملعب على حد سواء، وفي زخم النتائج والمباريات، استطاع فريق الشارقة أن يكون الأفضل بجدارة من بين جميع الفرق على المستوى التكتيكي، فيما حفل الكلاسيكو بين الوحدة والعين بتماسك ذهني عال من لاعبي الفريقين.

 

الشارقة ـ الجزيرة: التوازن التكتيكي

الانضباط التكتيكي في تنفيذ الادوار لدى اللاعبين يحتاج الى إيجاد التفاهم في كيفية المحافظة على كيان متماسك للفريق امام الخصم، وهذه الفلسفة التي مارس من خلالها الشارقة الضغط بزيادة عددية في وسط الملعب تهدف الى إغلاق المساحات امام لاعبي الجزيرة في التمريرات مما يؤثر على سرعة التحول الهجومي للجزيرة وهذا ما افتقده الجزيرة، وما لاحظناه على لاعبي الشارقة طوال المباراة المردود البدني العالي في تنفيذ خطة اللعب في السيطرة على منطقة الوسط. فالتحول الهجومي للشارقة يكون سريعا وبأقصر مسافة نحو مرمى الجزيرة، ويكون التسديد المباشر والمباغت من مسافات طويلة هو الحل في انهاء الهجمة التي تفتقد الى المساندة الهجومية من الوسط. وهذا الاسلوب كان فعالا و مؤثرا، وبهذا الاسلوب جاء هدف التعادل الاول للشارقة.

 

الوحدة ـ العين: كلاسيكو الاثارة

تأتي حساسية هذه النوعية من المباريات من اعتبارات فنية بحيث يكون الحماس مسيطرا على الاداء فتكثر الالتحامات البدنية، والاخطاء الفردية، ويبرز الاداء الفردي الذي يحاول كل لاعب من خلاله اثبات قدراته مما يؤثر على اللعب الجماعي، ورغبة الفوز لدى اللاعبين تكون عالية، ولكن النقطة الاهم تبقى في كيف يتم التعامل مع احداث المباراة وفق متغيرات النتيجة. ولكن حساسية الكلاسيكو تفقده الحلول الهجومية سواء الفردية التي تحتاج الى مساحات للتحرك الابداعية، او الجمل التكتيكية الجماعية التي تربك التنظيم الدفاعي المتماسك للمنافس، ولكن كيف تأتي الاثارة التهديفية للمباراة؟ اما بالاخطاء غير المتوقعة او من خلال الضربات الحرة التي تفتقد التنظيم الدفاعي في منطقة الجزاء بحيث تكون الزيادة العددية. ولا يمكننا في اي حال من الاحوال ان نلوم حمدان الكمالي لكن نستطيع ان نشيد بالقوة الذهنية للاعب في تماسكه في رد الفعل بعد تسجيله الهدف الخاطئ في مرماه ثم تسجيله هدف التعادل لفريقه.

 

النصر ـ عجمان: الواقعية المتوازنة

اتفقنا بأن لكل مباراة ظروفها الخاصة بها، التي تفرض على الفريقين طريقة اللعب التي تتناسب مع امكانات اللاعبين، ولكل منهما فلسفتهما الخاصة في كيفية ادارة المباراة حسب ما يهدفان اليه، ولكن سيظل الفوز هو ما يبحث عنه اي مدرب في العالم. جاءت المباراة متوازنة ومتكافئة تكتيكيا خالية من اي اثارة ابداعية. الحذر التكتيكي المبالغ فيه خصوصا ان كليهما يعرف قدرات الاخر، فنتساءل لماذا تلك المبالغة؟

المباراة كأنها جس نبض او فرصة لاكتشاف قدرات لاعبي الفريقين من اول وجديد. زينغا كان يهدف إلى المحافظة على ثبات لاعبيه الذهني من التركيز الفني في ادوارهم الجديدة في كيفية اغلاق المساحات الدفاعية من وسط الملعب، اما عبد الوهاب فكان يرغب في اكتشاف طريقة لعب تتناسب مع التغييرات التي اجراها زينغا في تغيير مراكز لاعبي النصر، لهذا لم تحمل المباراة الاداء الفني الذي يمكن ان نتحدث عنه كثيرا. الواقعية المبالغ فيها كانت متوازنة لأهداف مدربي الفريقين واستطاع اللاعبون تنفيذها بنسب متفاوتة فنيا.

اوحت لي المباراة بان زينغا لا يعرف ماذا يريد من لاعبي النصر، وهو يعرف قدراته الحقيقية ومقتنع بما يملك من افكار تكتيكية يستطيعون تنفيذها، اما ان لا تعرف ما الذي تريد ان تلعب لأجله، فانه من الصعب التفكير عندما لا يدري المرء ما يريد. اما عبد الوهاب فترك لي انطباعا بفلسفة اللامنطقية في انه لم يحدد ما يريده، فاذا تطلب الامر لعبا هجوميا فلماذا لم يهاجم؟ و اذا تطلب الامر اسلوبا دفاعيا فلم ظهر الفريق متأرجحا في مهام لاعبيه؟

 

الاهلي ـ الامارات: لويس خيمينيز

نختصر المباراة في رجل واحد لويس خيمينيز لاعب فريق الأهلي الذي حاول صناعة الاهداف في الشوط الاول إلا ان زملاءه فشلوا في ترجمة الفرص التهديفية القليلة.

المباراة في احداثها البسيطة كانت تبحث عن ذاتها في لاعب واحد يصنع المتعة والفارق الا هو لويس خيمينيز. الاهلي المنظم كثرت أخطاؤه في التمرير، والاهلي الاسرع في نقل الكرة، إلا ان هذه السرعة التقنية للاعبين لم تكن فعالة و مؤثرة على دفاع الامارات، والمناورات الهجومية للاهلي ارتكزت على تبادل المراكز بين اسماعيل الحمادي وفيصل خليل، الحمادي الذي يبدو من مستواه انه يفتقد الى جماعية الاداء مع تحركات جرافيتي وخمينيز، اما فيصل فقد استعاد الكثير من مستواه، ويبدو انه اكتشف ذاته من جديد.

المباراة تركت انطباعا عن التكامل الفني المفقود بين لاعبيه في المناورات الهجومية بالرغم من الامكانات الفردية للاعبين. خروج الحمادي ودخول ماجد هي نقطة التحول في اداء الاهلي، وهذا ما منح خمنيز الحرية في الانطلاق في المساحة الخالية امام العمق الدفاعي في لحظة انعدام التنظيم الدفاعي للامارات الذي تخلى عن ما تميز به الشوط في الاول من التمركز الدفاعي والالتزام التكتيكي بالكثافة العددية في الوسط والدفاع مع ترك الحرية للتحولات الهجومية المرتدة للاعب المؤثر كيتا.

خيمينيز سجل الهدف الاول بتمريرة اخترق فيها وسيطر على الكرة ليواجه فيها الحارس ليضع الكرة في المرمى، اما الهدف الثاني فسجله من ضربة حرة مباشرة على مشارف منطقة الجزاء متعة الكرة اللاتينية. لم يعد احداً يبحث عن المتعة بقدر ما يبحث عن الاداء الفعال في الفوز بنقاط المباراة، بالرغم من الفوز الا ان الاهلي لا يزال بعيدا عن التكامل الفني للاعبين في الانسجام الجماعي.

 

بني ياس ـ الوصل : المعادلة الصعبة

المتعة الهجومية للمباراة، منحت اللاعبين نسقا مهاريا في ترجمة الافكار الهجومية لمارادونا وفييرا، ويبقى التساؤل: هل فييرا بالغ في تفاؤله والثقة مما منح المساحات للاعبي الوصل؟

بالرغم من تشابه الاسلوب اللاتيني في اداء الفريقين بشكل عام، الا انه من الطبيعي ان يخطط كل فريق لأسلوب لعبه طبقا لقدرات لاعبيه المتاحة، لأنها القاعدة الفنية الاولى لبناء اي تنظيم لفريق ما، امكانات اللاعبين يوظفها المدرب طبقا لقدراتهم، ولكن لاعبي الوصل يلعبون بافكار مارادونا المستمدة من الفيلسوف الارجنتيني المتعة في الاداء الفعال. ان احد اساسيات كرة القدم ان تتحكم في الاداء من خلال السيطرة على الكرة معظم الوقت، فعندما تكون الكرة تحت سيطرتك سيلهث الخصم وراءك، وفي النهاية سيشعر بالتعب بينما ستحتفظ بلياقتك، فعندما تكون الكرة معك تستطيع ان تدير دفة المباراة في الاتجاه الذي تريده.

 

صدمة البداية

هذا ما حاول فييرا ولاعبو بني ياس فرضه على لاعبي الوصل الذين يدركون هذا النهج التكتيكي فكانت صدمة البداية بهدفين مباغتين في اول ضربة ركنية تسجل في هذا الاسبوع برأسية درويش احمد في الدقيقة السادسة. لعل من اصعب الفترات التي تستطيع ان تحكم على فريق ما في قوة تماسكه الذهني هو الخمس الدقائق التي تلي تسجيل هدف في مرماه، اذا ما كان الفريق لديه الثقة في تنظيمه ام انها اهتزت. بهذا المبدأ جاء هدف الوصل الثاني الذي سجله اوليفيرا.

 

دبي ـ الشباب: الانفتاح الهجومي

رغبة الفوز كانت واضحة للفريقين، لكن الاهم هو كيفية تحقيق ذلك، فهذه السرعة التقنية للاعب المؤثر من خلال استحواذه الفردي على الكرة في التحول الهجومي منح نسقا سريعا للاداء بين الفريقين. كان الانفتاح الهجومي ملاحظا في المباراة منذ الدقيقة الاولى، فتلك المفاجأة التي تحدث عنها ايون مدرب دبي، الاستحواذ الفعال لدبي كان واضحا في الشوط الاول، الا انه لم يكن فعالا في الشوط الثاني بالرغم من تسجيل كمارا هدف التقدم من تفوقه في موقف المهارة الفردية 1 ضد 1.

دبي كان واضحا في جرأته الهجومية وفي تحركاته الجماعية في هجومه. اما الشباب فاعتمد على مهارات لاعبيه الفردية في التحول الهجومي خصوصا سياو، لكن ما كان يفتقده هو اللاعب المؤثر في صناعة اللعب، اقصد هنا فيلانوفيا. بالرغم من الدور التكتيكي الذي قام به سياو في صناعة اللعب في وسط الملعب الا انه لم يكن مؤثرا، فعاد الى اللعب في مركزه في الجهة اليمنى، وكان اكثر تأثيرا بالتفاهم الحركي مع سيزار، و هذا التفاهم اسفر عن هدف التعادل لسيزار بعد تمريرة سياو الى العمق الدفاعي لدبي لحظة انعدام التنظيم، ولكن ما كان ملاحظا هو غياب فيلانوفيا المؤثر في البناء الهجومي للشباب.

 

فعّالية

تبديلات "الملك" مؤثرة تكتيكيا

 

تعتبر عملية التغييرات التكتيكية التي يجريها المدرب، نقطة فعالة في قراءته الفنية للمباراة وفي كيفية استخدامه لأوراقه التي تحتويها مفكرته الفنية، وهذه نقطة تدل على كفاءته وذكائه الميداني، فالتبديلات فعالة في تغيير مجريات المباراة سواء بالتهديف ام في صناعة الهدف. التبديل الاول الذي أجراه الجزيرة بدخول باري المهاجم، وخروج خميس اسماعيل لاعب الارتكاز في الوسط يهدف من خلاله إلى ايجاد مساحات التحرك لمفاتيح اللعب الهجومي للجزيرة، اما تغيير الشارقة بدخول سالم جاسم فيهدف إلى الزيادة الهجومية على دفاع الجزيرة، فكانت تبديلات الأخير مؤثرة تكتيكيا على المباراة.

 

عدل

تماسك القوة الذهنية في الكلاسيكو

 

من جمالية الكلاسيكو أن الكل يرفض الخسارة فيه، وهذا يؤدي غالبا إلى ظهور القوة الذهنية المتماسكة للاعبين في الدقائق الاخيرة للمباراة، وفي كيفية المحافظة على الفوز امام الضغط الهجومي للمنافس، فبالرغم من الإشادة بالتركيز الدفاعي العالي للوحدة في منطقته لكن يجب ان لا ننسى ان العين لم يفتقد الى التركيز المهاري، وإنما احتاج الى قليل من التوفيق، و بهذا السيناريو جاء التعادل برأسية اسماعيل احمد الذي اكد بهدفه عدالة اللعبة احيانا كثيرة لأن الفريقين يستحقان التعادل.

 

رغبة

السماوي بحث عن الاستقرار

 

لعل الرغبة الهجومية في اداء بني ياس خلال المباراة كان سببها بحثه الدؤوب عن الاستقرار وتحقيق رد فعل مفاجئ وسريع لهدفي الوصل المباغتين. وجاء الهدف الذي سجله عامر عبدالرحمن في الدقيقة 51 الذي نتج من تغييرات تكتيكية للمناورات الهجومية لكل من النجمين تريزيغيه وسانجاهور. اللاعب الفعال في بناء الهجمات خلال المباراة كان العماني فوزي بشير، واوليفيرا من الوصل استطاع ان يصل الى هدف ثان مستحق، لكن في النهاية يبقى أن هذا الانفتاح الهجومي من الفريقين لم ينتج عنه الا 3 اهداف.