لا تبدو العودة إلى الماضي، أمرا متاحا ومرغوبا في كل وقت ومع كل حالة، إلا إذا اقتضت الضرورة إلى ذلك، عندها تكون تلك العودة مقرونة بحدث كبير، وهذا ما تمخض عنه موسم 2010/ 2011 بظهور الحاجة الماسة إلى العودة إلى فكرة (قديمة) تتمثل في إلغاء أو تجميد كرة القدم ودمج الأندية، ليكونا معا من بين ابرز ظواهر موسم (سنة ثالثة احتراف)، مع التأكيد على أن الملف برمته ليس جديدا في الإمارات، لكن بروز دواع مستجدة، خصوصا في الجانب الاقتصادي، أرجعت فكرة الإلغاء أو التجميد والدمج إلى واجهة الأحداث الآنية بقوة.
وتمثلت العودة إلى فكرتي إلغاء أو تجميد كرة القدم ودمج الأندية، في ما طرح علنا حول إلغاء ومن ثم تجميد اللعبة في نادي الشعب العريق في الإمارة الباسمة، الشارقة، ودمج ناديي الإمارات ورأس الخيمة، ناهيكم عن (إشاعات) هنا وهمس هناك حول موضوع الدمج بالتحديد!
التغطية شكلاً
وفيما تمت معالجة فكرة تجميد كرة القدم في نادي الشعب بأمر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بإلغاء تجميد اللعبة في القلعة الشعباوية، بات أمر دمج ناديي الإمارات ورأس الخيمة أمرا حقيقيا تجسد على ارض الواقع شكلا ومضمونا بصدور قرار دمج الناديين في ناد واحد هو (نادي الإمارات الرياضي الثقافي). وفي كلا الحالين، الإلغاء والدمج، فان الأمر يبدو مثيرا للانتباه وجاذبا للنظر ومستحقا للتوقف رغم انه قديم وليس وليد اليوم!
حزمة أسئلة
وفي خضم هذا الواقع الذي أفرزه موسم (سنة ثالثة احتراف) في كرة القدم الإماراتية، تبرز (حزمة) أسئلة عاجـــــلة من بيـــــنها، لماذا العودة إلى المناداة بإلغاء أو تجميد كرة القدم، اللعبة الأكثر شعبية، بل هي صاحبة الشعبية الجارفة، اللعبة صاحبة الميزانيات الأكبر والأضخم في مخــــتلف بقاع المعمورة، اللعبة التي غالبا ما يوصــــف اتحــادها سواء المحلي أو الدولي أو القاري أو الإقليمي بـ (جمهورية كرة القدم)، اللعبة التي تستحوذ على اهتمامات بالغة من مختلف وسائل الــــصحافة والإعلام، اللعبة الأوسع انتشارا بين مجالس و(ديوانيات) ومقاه عموم الناس وخاصتهم، اللعبة التي تمثل عنوانا، بل هي هــوية أي ناد في العالم، فان غابت كرة القدم فقد ذلك النادي هويته مهما كان حجم الألعاب الرياضية الممارسة في أروقته؟!
حل نهائي
ثم لماذا اللجوء إلى الدمج كحل نهائي مع الرغبة إلى حد المطالبة العلنية بتوسيع عدد الأندية المشاركة في بطولة دوري المحترفين بنسختها الرابعة، لماذا الدمج في ظل الدخول شبه التام في دنيا الاحتراف وما يشترطه هذا المفهوم من حتمية وجود شركات فاعلة وحقيقية على ارض الأندية لأداء الدور الاحترافي مع كل متطلباته وشروطه، خصوصا ما يتعلق بالجوانب التسويقية والاستثمارية، لماذا الدمج في ظل الزيادة المتصاعدة لفئة الشباب الممارسين لكرة القدم في الإمارات، لماذا الدمج مع حقيقة أن غالبية شباب الدولة يبدأون ارتباطهم مع الرياضة من خلال بوابة كرة القدم؟!
ركام التساؤلات
ومن بين (ركام) هذه التساؤلات وغيرها، نخرج بخلاصة إجابات قد تكون شافية وكافية ووافية ومقنعة للبعض، وقد لا تكون كذلك بالدرجة المطلوبة للبعض الآخر، وهي أن العودة إلى معطيات الماضي لوضعها حلولا لمتطلبات الحاضر، تعد مؤشرا على وجود خلل في حلقة ما من منظومة العمل أو أي ركن من أركانه في هذا المكان أو ذاك، خلل قد لا يجد أصحابه العلاج الناجع إلا في اللجوء إلى الإلغاء أو الدمج، رغم أن الدمج يبدو اقل حدة في تأثيراته النفسية على الأقل على مسامع المتلقين مقارنة مع صدى صوت الإلغاء الذي يكاد يسبب (انفجارا) في آذان سامعيه من محبي وعشاق المستديرة!
التساؤل الشفاف
والقراءة المتأنية تحتم علينا العودة من جديد إلى دائرة التساؤل الشفاف، لماذا القديم صار مطروحا بقوة في محيط حاضر كرة القدم الإماراتية باستحضار المعالجات القديمة للازمات الآنية، هل هو العامل الاقتصادي، أم الدخول (المستعجل) وغير المدروس في عالم الاحتراف، أم هذان العاملان المهمان، يضاف إليهما حقيقة أن الكثير من أسس ومعالجات العمل قديما ما زالت تصلح للتطبيق في الحاضر كونها خرجت من رحم الواقع ولم تُفرض من (برة الديرة) كما هو الحال مع تطبيقات الاحتراف تحديدا؟! عمران عبدالله: ضريبة التطبيق السيئ للاحتراف
أوجز عضو اللجنة المؤقتة في نادي الشعب عمران عبدالله، رؤيته حول التفكير بإلغاء كرة القدم في ناد ما أو الدمج بين ناديين، بقوله: هذه ضريبة التطبيق السيئ من قبلنا للاحتراف منذ أن دخلنا باستعجال هذا العالم الواسع دون تخطيط حقيقي أو رؤية قائمة على أسس واقعية ومستندة إلى ضوابط وآليات وشروط ومقومات ودراسة عملية وعلمية.
وأضاف عبدالله: الاستعجال في تطبيق الاحتراف قادنا إلى الدخول في مشكلة أخرى تتمثل في ارتفاع مستوى الديون المترتبة على عدد من أنديتنا، حتى باتت تلك الديون مدعاة وسببا رئيسيا في اللجوء إلى إلغاء كرة القدم أو الدمج بين ناديين أو أكثر لمواجهة المشكلة المتمثلة بالضغوطات المالية.
بدون هوية
وشدد عبدالله على أن كرة القدم هي بمثابة الهوية لأي ناد في حالة إلغائها يصبح النادي بدون هوية رياضية حقيقية لاتساع شعبية اللعبة وازدياد قاعدة محبيها وعشاقها وارتفاع مستويات الاهتمام فيها من مختلف الجوانب الإعلامية والتسويقية والاستثمارية وعلى كل الأصعدة. ونوه عبدالله إلى أن المنتخبات الوطنية بمختلف فئاتها العمرية، هي الخاسر الأكبر من انعدام سلطة الآليات والضوابط والشروط في العملية الاحترافية في الدولة، مشددا على أن الاحتراف في الإمارات مازال حبرا على ورق.
قبل الدخول
وأوضح عبدالله قائلا: كان المفترض قبل دخولنا عالم الاحتراف أن ندرس الفكرة جيدا، ما هي انعكاساتها وسلبياتها المتوقعة وايجابياتها المحتملة، لا أن نجري وراء تطبيق الفكرة دون المبادرة أولا إلى وضع الآليات والشروط والضوابط التي تقلل من تأثيراتها على كرتنا، ولكن ذلك لم يحدث، فوقعنا في محظور تطبيق فكرة الاحتراف، مع التوقع بان يكون القادم أسوأ من خلال الزيادة المتصاعدة في ديون الأندية نتيجة دخول الاحتراف ومتطلباته الباهظة على الكثير من أندية الدولة!
قتامة الصورة
وأضاف عبدالله قائلا: الصورة تزداد قتامة مع علمنا بحقيقة محدودية ممارسي كرة القدم الناتجة في الأساس من قلة سكان الدولة، مضافا إلى ذلك شحة موارد الأندية نتيجة ضعف الوسائل التسويقية والاستثمارية في عدد من الأندية، ما يؤدي إلى اللجوء إلى حل الإلغاء أو الدمج!
وشدد عـــــبدالله على انه حتى مع وجود بعض المـــــبادرات التسويقية والاستثمارية والإعلانية، إلا أن مبالغ تلك المبادرات يكاد لا يسد حتى ربع المبالغ التي تحتاجها العملية الاحترافية في عدد من الأندية، مطالبا بضرورة الاستفادة من خبرات الآخرين في مجال تطبيقات الاحتراف.
أحمد القاسمي: القوة في الإتحاد
يرى الشيخ احمد بن صقر القاسمي رئيس مجلس إدارة نادي الإمارات بعد دمجه مع نادي رأس الخيمة، القوة في الاتحاد أو الدمج بين ناديين. وأوضح الشيخ القاسمي قائلا: اعتقد أن القوة في الاتحاد، فأنا أرى مصلحة نادي الإمارات ورأس الخيمة في دمجهما معا في نادي يضم جميع أبناء الناديين في وعاء واحد من خلال استيعاب خيرة اللاعبين ووضعهم في فريق واحد قادر على تحقيق طموحات أبناء النادي.
فتح الأبواب
وأضاف الشيخ القاسمي قائلا: الدمج يفتح أبواب الاستفادة القصوى من الكثير من لاعبي فرق المراحل العمرية بهدف بناء فريق قوي، وبالتالي انتفاء الحاجة إلى حد كبير إلى لاعبين محليين من خارج أسوار النادي. وشدد الشيخ القاسمي على أن لكل زمان ظروفه الخاصة ومعطياته المحددة التي تحتم اللجوء إلى الدمج في إجابة مقتضبة على تساؤلنا حول فيما إذا كان الدمج نتيجة لضغوطات اقتصادية!
فريق نخبة
وأوضح الشيخ القاسمي بالقول: أحيانا، الواقع يفرض التحرك باتجاه فكرة الدمج لتكون حلا، وأنا هنا أتحدث عن الواقع الاقتصادي تحديدا، ثم عن الواقع الرياضي المتمثل في إمكانية أن يســــــهم الدمج بتشكــــــيل فريق نخــــبة يمثل للنادي، مع قناعتنا بان الدمج لا يمكن أن يوفر فارقا في النواحي المالية، بقدر إسهامه في إيقاف الصرف في مكان وفتحه في مكان آخر، مع التأكيد على أهمية التوازن في حجم المبــــــالغ المصروفة بعد الدمج قدر المستطاع!
وشدد الشيخ القاسمي على أن الثمرة الأهم من الدمج تتمثل في نوعية وعدد اللاعبين الذين تفرزهم عملية الدمج بين ناديين وانعكاسات ذلك على بناء فريق قوي. ونوه الشيخ القاســــــمي إلى أن النتائج المــــــــرجوة من عملية الدمج بين ناديــــين قد لا تتحقق في سنة أو سنتين، مشيرا إلى أن العملية تتطلب أكثر من سنتين لجني ثمار الدمج.
بطي آل مكتوم: حل فرضته الضغوط المالية
أعـــــرب الشـــــيخ بطي مكــــتوم بن جــــمعة آل مكتوم الرئيس السابق للجنة الأولمبية الوطنية الرئيـــس الأســــبق لمــــــجلس إدارة نادي الوصل عن قناعته التامة بان اللجوء إلى حلي إلغـــــاء كرة القدم والدمج بين الأندية فرضـــــــته الضغوط المالية الكبـــــيرة على الأندية نتيجة صرف المبالغ الهائلة على تعاقدات اللاعبين والمدربين الأجانب والصرف على جوانب أخرى من العملية الاحترافية.
وأوضح الشـــيخ بطي آل مكــــتوم قائلا: قديما (كان) الدمج بين الأندية في الدولة نابــعا عن قناعة ونوع من الحب والرغبة المجردة من أي ضغوط أو هموم مالية، على عكس الحال اليوم، حيث يأتي الدمــــج نتيـــجة ضغوط مالية هائلة تحتم عملية اللجوء إليه كحل مطلوب في ظل الأزمة الاقتصادية ومتطـــلبات تطبيق الاحتراف.
العدد قليل
وأضاف الشــيخ بطي آل مكــــتوم قائلا: سابقا (كان) عدد الأندية ولاعبي كرة القدم في الدولة قليلا، إلى حد انه في مباريات عديدة نجد صعوبة في تكوين فريقين يلعبان مع بعض مباراة واحدة، على العكس من الوضع اليوم.
وشدد سموه على أن الدمج بين الأندية اليوم لا يمثل حلا للمشكلة، بقدر ما هو نوع من الانصياع للضغوطات المالية الناتجة في الأساس عن الالتزامات المتزايدة لتطبيق الاحتراف، واصفا الدمج بأنه نوع من الهروب إلى الأمام من أساس المشكلة.
وفيما إذا يرى اندماجات أخرى متوقعة بين أندية الدولة في المستقبل القريب، رد سموه بالقول: لا أتوقع ظهور اندماجات أخرى بين أندية الدولة في القريب المنظور نظرا لوجود المادة في أندية محددة من مناطق معينة من الدولة!
توقف الدعم
وشدد الشـــيخ بطي آل مكــــتوم على انه في حالة توقف أو التقليل من الدعم الحكومي للأندية، فان اندماجات أخرى ستظهر إلى المشهد الكروي في الإمارات! وطالب الشيخ بطي آل مكتوم بحتــــــمية وجود سلطة حـــــكومية عـــلى طريقة صرف الأموال في الأندية على متطلبات تطـــبيق الاحتراف مــــــن اجل إيقاف عمليات الهـــدر في الأموال، مشيرا إلى أن العملية برمتها بحاجة إلى نوع من التبويب، خصوصا ما يتعلق بعمليات الدعم الحكومي من خلال استحداث آليات وقوانين تضعها الحكومة نفسها!
ونوه الشـــيخ بطي آل مكــــتوم إلى أن الدمج قد يتسبب بانعكاسات سلبية على لاعبي الناديين أو الأندية المندمجة، متسائلا عن مصير اللاعبين الآخرين بعد اختيار 11 لاعبا لتمثيل فريق الناديين بعد الدمج!
نتيجة
قناعة راسخة
تكاد تكون القناعة راسخة في أن حالات الدمج بين أندية الإمارات في الزمن الماضي، لم تكن نتيجة ضغوط اقتصادية أو غيرها من العوامل، بل كانت في غالبيتها إن لم تكن كلها نتيجة واقعية لرغبات حقيقة لأبناء المنطقة التي ينتمي إليها هذا النادي أو ذاك، الأبناء يريدون دمج ناديين أو أكثر في ناد واحد يضمهم من أجل ممارسة لعبة كرة القدم أو ألعابهم الرياضية المتنوعة. أما اليوم، فإن الدمج لا ينبع في جله من رغبة أو حب في الدمج، بل في معظمه ناتج عن معوقات اقتصادية حقيقية.
حل
دمج متوقع
نظراً لاستمرار ضغوطات الحالة الاقتصادية وتصاعد تكاليف تطبيقات العملية الاحترافية، فإن هناك توقعات بظهور حالة أو أكثر من الاندماج بين ناديين أو أكثر في بعض مناطق الدولة!
كما أن التوجه بالكامل نحو الاحتراف وما يعنيه ذلك من حتمية توقف الدعم الحكومي، ناهيكم عن دخول عدد من أندية الدولة في دائرة المديونية المرتفعة، فإن مؤشر التوقعات بظهور حالات دمج بين أندية الدولة واردة جداً أن لم تكن في الموسم المقبل ففي الذي يليه في ظل وجود آراء وأفكار متداولة بهذا الشأن، وان دارت في حيز ضيق!
دعوة
طاولة الحلول
دعا عضو اللجنة المؤقتة في نادي الشعب عمران عبدالله، اتحاد الكرة ورابطة المحترفين إلى إطلاق مبادرة تتمثل في ما اسماه بـ (طاولة الحلول) تجتمع فيها إدارات الأندية لمناقشة واقع كرة القدم في الدولة واقتراح الحلول اللازمة لتجاوز الأزمة التي تعاني منها الكثير من الأندية، خصوصاً ما يتعلق بالديون التي بدأت بتقييد حركة اللعبة في أروقة عدد من الأندية، مشدداً على أن كرة القدم هي هوية أي ناد، وعندما يتم إلغاؤها فإن ذلك يعني فقدان هوية ذلك النادي مهما كان وزنه واسمه وتاريخه!
مقارنة
التدافع المادي
شدد عضو اللجنة المؤقتة في نادي الشعب عمران عبدالله، على أن الأداء في كرة القدم في السابق (كان أحلى) في الإمارات، مبرراً ذلك بعدم وجود ما أسماه بـ (التدافع المادي) من قبل لاعبي (زمان) مقارنة بلاعبي اليوم الذين يفتحون قنوات التفاوض مع أندية أخرى فيما هم ما زالوا على ذمة أنديتهم، واصفاً الحالة بأنها نوع من عدم الولاء من قبل اللاعب لناديه الذي قدمه للنجومية قبل أن يدير ظهره و(يشغل باله) بالعروض ما يؤثر على عطائه مع ناديه وبالتالي تتردى نتائج الفريق!
