تدهشني سرعتنا العجيبة في الاندفاع خلف عواطفنا، لدرجة نلغي معها حق عقولنا في التفكير والتدبير قبل أن نطلق لأقلامنا عقال التعبير عما يجيش في قلوبنا «الرقيقة» من مشاعر تشكل عندنا ما يشبه الحقائق فيخال لنا أننا قد أمسكنا بزمامها، فيما نحن أبعد ما نكون عن أبجديات منطق تناولها.

فما ان علمنا بنية الأخ والصديق محمد بن همام العبد الله، دخول حلبة الصراع على مقعد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، حتى اندفعت غالبيتنا، على مستوى وسائل الإعلام أو المؤسسات الرسمية الضالعة في التعاطي مع عالم المستديرة، مؤيدة ومرحبة ومشجعة حاسمة رأيها أن المقعد بات أقرب لرئيس الاتحاد الآسيوي من حبل الوريد، بل وبدأنا نتبارى ونتفنن في ادعاء علمنا اليقين بالنتائج مسبقاً ونحن نصوغ مسببات هذا التفاؤل، وهو ما جعلنا نقع فريسة ظنون ستفاجئنا بنتائجها لتهدم كل قلاعنا التي بنيناها بالرمال على شواطئ حزام زلزالي ينفث أمواجه التسونامية العاتية عندما يجد الجد وتكون المواجهة التي سيتفرق حينها الجمع منقسماً لفريقين أحدهما يصب جام غضبه على اللوبي الأوروبي والثاني يفتش في أوراقه القديمة عن صياغات لتبريرات أوهن من بيت العنكبوت.

فقناعاتي التي أتوجس منها خيفة تقول ان الاقتراب من معركة الرئيس في الفيفا كمن يعبث بأصابع عارية في جحر العقارب، وأنا على يقين أن الأخ والصديق محمد بن همام يعرف ذلك أكثر من الآخرين، ويعلم العارفين بالآلية التي تدار بها الفيفا أن أمراً كهذا محفوف بكل المخاطر حتى لو وفرنا كل وسائل الدعم والتأييد، وذلك مرجعه لأسباب عدة.

أولها: أن لأوروبا وحدها ثمانية مقاعد في اللجنة التنفيذية بما فيها مقعد الرئيس من أصل 24 مقعداً أي الثلث، ولآسيا أربعة مقاعد مثلما لأفريقيا وثلاثة لكل من أميركا الشمالية والجنوبية وواحد لأوقيانوسيا وآخر للاتحادات البريطانية الأربعة ليصبح عدد مقاعد أوروبا تسعة.

ولو تصورنا أننا جمعنا أصوات آسيا وأفريقيا فهل سنضمن أصوات الأميركتين كلها؟ وإن كنت أشك أن آسيا ستكون على قلب رجل واحد!

ثانياً: ان أوروبا لن تتخلى بتلك السهولة التي يتصورها بعض المتفائلين عن مقعد رئيس الفيفا، والدليل أن فرانز بيكنباور سيغادر المقعد بعدما أدرك أن كل الدلائل تشير إلى تأييده لبلاتر لولاية رابعة حتى ان ميشيل بلاتيني فاز بفترة رئاسة جديدة للاتحاد الأوروبي تنتهي في 2015، وبعدها يكون المقعد شاغراً فيقفز له مستفيداً من علاقته الوطيدة سواء مع بلاتر أو مع رؤساء الاتحادات القارية دون استثناء.

أما ثالثها فهي تلك القبضة الحديدة «الناعمة» التي يدير بها بلاتر الفيفا وإزاحته كل من تسول له نفسه مجرد التفكير في تعكير صفو مملكته حتى لو كان أمينه العام هذا عدا ما تابعناه في معركتي الرئاسة أمام يوهانسون عام 98 وكل من الإفريقي عيسى حياتو والكوري د. تشانج عام .2002

لهذا وذاك ولأسباب أخرى عديدة لا يتسع المجال لذكرها، فإنني أرى ومن الآن أن مقعد رئاسة الفيفا سيظل محجوزاً لبلاتر لولاية جديدة ومن بعده سيورث لأبرز نجوم أوروبا ميشيل بلاتيني، لست متشائماً، ولا متحاملاً بقدر ما أردت أن أعرض منطق الواقع الذي كلما اقتربنا منه زادنا إيلاماً.. إنها الصراحة الموجعة.. أحياناً.