تعالت صرخات ابنتي سارا ترجوني أن اخفض صوت التلفاز وأنا «اتفرج على» إحدى المباريات المحلية، وقمت بسؤالها لماذا؟ فأجابت بدون تردد: بصراحة صراخ وعويل وكأنه زلزال حاصل، ويا ليت لو «تشوف» المباراة بدون صوت، أرجوك بابا!! لا أنكر أنني جلست فترة أفكر في الكلمات التي رمتها، وأعترف بأنها قد نبشت بكفيها الرماد المتواري في عنصر مهم من عناصر اللعبة الرياضية وبدون تردد وجدت نفسي أمسك القلم واسترجع ذكريات واقع مرير.
لا أحد ينكر أن التعليق الرياضي جزء رئيسي وعامل مهم لاستكمال نجاح المباريات الرياضية، فلا يمكنني تخيل مشاهدة مباراة بدون تعليق وبدون شخص متمكن يأخذ بيد المشاهد لكي يعيش أجواء المباراة وكأنه داخل الاستاد الرياضي.
ولكن ما يثير الدهشة تسلل أشخاص بتخصصات (إن وجدت) لا تمت للتعليق بصلة، فالتعليق الرياضي أصبح اليوم علما يدرس ويجمع بين جنابته عاملين مهمين أولهما المعرفة والتي يجب أن يتشبع بها المعلق الرياضي ويقوم بإفادة المشاهد خلال مجريات المباراة ويربط بين المعلومة والوقت الملائم لطرحها.
والعامل الثاني هو المهارة وهي عبارة عن مقدرة المعلق الرياضي على استخدام طبقات الصوت وطريقة الأداء وأسلوبه الخاص في جذب انتباه المشاهد لمتابعة التسعين دقيقة دون اضطراره لاستخدام «الروموت كنترول» لكي يبحث عن طوق نجاة من شخص قتل المشاهد قبل أن يقتل المباراة. دعونا نتفق بأن واقع التعليق الرياضي يمر في مرحلة حرجة كباقي العناصر الأخرى في اللعبة، ففي الوقت الذي كنا نحتاج فيه إلى فترة زمنية ليست بالقليلة لبروز معلق رياضي يمر بالعديد من الصعوبات والعراقيل لكي يجلس أمام الميكرفون، أصبح اليوم وللأسف هناك العشرات من الأشخاص يدخلون مبنى التلفزيون وفي جيوبهم العديد من الميكروفونات، وما ساهم على ذلك سياسات التلفزيونات المحلية والعربية في اختيار الأشخاص الذين يمثلون حلقة الوصل مع المشاهد ولا أدري لماذا؟
هل خضع جميع هؤلاء للاختبارات؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فالخلل يكمن في نوعية الاختبارات ونوعية القائمين على الاختيار.
لذا أهمس في آذانهم قائلا: إن المشاهد لديه ثقافة رياضية تفوق بمراحل ثقافة الكثيرين من المعلقين ولديهم من المقدرة على التمييز بين الطيب والغث، فلا تكفي مد الكلمات (آآآآآآآآ) لتكون تذكرة عبور إلى كابينة التعليق.
(وآآه) على لغتنا العربية التي لو كانت تتكلم لصرخت بأعلى صوتها حرام كفاية، فالمذيع يكسر ويجر ويرفع وينصب بهواه فلا حسيب ولا رقيب، ناهيك عن التعصب الواضح لبعض المعلقين لأندية بعينها بالرغم من محاولاته الدؤوبة في عدم الكشف عن ميوله، ولكن تأكد عزيزي بأنه في ظل طريقة وصولك المفروشة بالورود لا يمكن ان تتوارى النوايا كثيراً.
لا أريد أن أكون متشائما بدرجة كبيرة فقد يكون هناك المتميزون ولكن هم قلة للأسف ومعروفون بالاسم مهما قام البعض بالتهويل لبعض الأسماء الأخرى التي تصلح لأية وظيفة أخرى عدا التعليق.
وأكثر ما يغضبني هو تحويل بعض مباريات «الديربي والكلاسيكو» المحلية والعربية بصراخهم وكأنها مباريات دوري أبطال أوروبا وهي في الأساس تصلح لتكون مباريات دروب وحواري وكلاس وقد تكون مباريات دورات رمضانية أفضل منها بمراحل.
إن الصراع أصبح عنيفا بين المعلقين الحاليين وتحول همهم الأول هو تمييز أنفسهم بــ«أفيشات» تلاصقهم بغض النظر عن جدواها مع التقليد الأعمى لبعض المعلقين للوصول على أكتافهم.
ليس عيبا أن تتم صقل الموهبة بالدورات التدريبية المتخصصة وكثير من المعلقين العالميين لاسيما الأوروبيون لابد أن ينتسبوا في العديد من «الكورسات» والبرامج المرتبطة بالتعليق بجانب المؤهلات العلمية الأخرى والأمثلة كثيرة.
ولكن معظم معلقينا المحليين والعرب (وليس جميعهم) لا مؤهل ولا تدريب، لذا أصبحت الماركة المعتمدة لهم هي (معلقين بالبركة).
همسة: ابنتي ليس أنا من عليه الاعتذار، إنما هي مؤسسات وأفراد فرضوا علينا دون سابق إنذار والله المستعان.