ربما من النوادر، وبالضد من السائد في مختلف أوساط القارة الصفراء، فإن الدور ربع النهائي للنسخة 17 من كأس الأمم الآسيوية لكرة القدم المتواصلة حالياً في الإمارات، قد أفرز معادلة جديدة تتمثل في احتفاظ منتخبات غرب القارة بنسبة 75% في مقابل 25% للشرق من إجمالي المنتخبات الـ 4 المتأهلة إلى الدور نصف النهائي، وهي معادلة بكل تأكيد، تمثل منعطفاً حاسماً ومؤشراً يخالف الكثير من التصورات والطروحات والرؤى التي غالباً ما تصب في مصلحة منتخبات شرق القارة الصفراء، وتصفها بالمتطورة والمكتسحة للبطولات على حساب منتخبات الغرب.
ممثل وحيد
وفي ختام مباريات دور ربع النهائي، فإن منتخبات الإمارات وإيران وقطر، مثلت غرب القارة الصفراء في الدور نصف النهائي، فيما تواجد منتخب اليابان وحيداً ممثلاً لمنتخبات الشرق في دلالة من الطبيعي أن ترتب عليها الكثير من المعالجات وبروز العديد من التصورات التي تخالف وتتقاطع من الرؤية السائدة حالياً.
المرة الرابعة
وبالعودة إلى مباريات الدور ربع النهائي، فإن الأبيض الإماراتي قد سجل انتصاراً باهراً بفوزه بهدف دون رد على نظيره الأسترالي، وجرد «الكنغارو» من لقب البطل في ليلة عنوانها الأبرز «انتصار الشجعان» على كل الهواجس والعقبات التي ذابت كالجليد أمام صلابة وإصرار وشجاعة لاعبي الأبيض طوال المباراة المثيرة في تفاصيلها ومعطياتها، لينتقل منتخب الإمارات إلى الدور نصف النهائي للمرة الثانية على التوالي، والرابعة طوال تاريخ مشاركاته في البطولة القارية، وذلك بعد أعوام 1992 و1996 و2015.
النسخة 16
ومن بين أبرز معطيات مباريات الدور ربع النهائي، تأهل منتخبين عربيين هما الإمارات وقطر، وتواجدهما في مربع الأربعة الكبار على مستوى القارة الصفراء، وهو ما يحدث للمرة الثانية على التوالي، بعدما تواجد الأبيض الإماراتي وشقيقه العراقي في النسخة 16 في أستراليا 2015، وحصلا على المركزين الثالث والرابع على التوالي.
مسار الأحداث
ورغم أن غالبية الترشيحات تذهب باتجاه المنتخب الإيراني في إمكانية تتويجه بلقب النسخة 17 من كأس آسيا في الإمارات، إلا أن مسار الأحداث وطبيعة الأداء، خصوصاً في الدور ربع النهائي، لا يبدو مقنعاً في ما يتعلق بمواصلة منح المنتخب الإيراني نفس فرص ونسب الفوز باللقب، وتكفي العودة إلى شريط مباراته مع نظيره الصيني في ربع النهائي، لنجد أنه سجل أهدافه الثلاثة في شباك التنين من أخطاء واضحة ارتكبها نظيره الصيني، ما يعني ليس بالضرورة أن يكون المنتخب الإيراني هو بطل آسيا في 2019 استناداً إلى حقائق كثيرة ربما يكتشفها مدرب المنتخب الياباني ويستثمرها بشكل حاسم في لقاء الطرفين في نصف النهائي غداً الاثنين، ويبعد المنتخب الإيراني عن منصة التتويج، ويطيح بكل الترشيحات التي رجحت كفته للفوز باللقب القاري الكبير في 2019.
المقولة الشهيرة
وكما أنه ليس بالضرورة أن يكون المنتخب الإيراني هو بطل النسخة 17 من كأس آسيا 2019 وفق الترشيحات، فإن الحال يبدو مشابهاً بالنسبة للمنتخب الياباني الذي وصل إلى نصف نهائي البطولة القارية بشق الأنفس بعد فوزه الصعب جدا على نظيره الفيتنامي بهدف دون رد جاء من ركلة جزاء تحققت له بفعل تقنية «VAR»، ما يجعل استحضار المقولة الشهيرة «ليس كل مرة تسلم الجرة»، أمراً طبيعياً عند النظر إلى محطات مشوار «الساموراي» في النسخة 17 من كأس الأمم الآسيوية 2019، واستبعاد إمكانية أن تكون تلك المقولة حاضرة في كل محطات المنتخب الياباني في البطولة!
قمتان مرتقبتان
ويتوقع أن يشهد الدور نصف النهائي من كأس الأمم الآسيوية 17 في الإمارات، قمتين مرتقبتين، الأولى تجمع المنتخب الإيراني بنظيره الياباني غداً الاثنين، والثانية تجمع الأبيض الإماراتي بنظيره القطري الثلاثاء، وذلك في الطريق إلى بلوغ النهائي الحلم والمنافسة على اللقب القاري الذي سيكون، الأول إذا ما فاز به أي من منتخبي الإمارات وقطر، والرابع إذا ما خطفه المنتخب الإيراني، والخامس إذا ما عانقه المنتخب الياباني.
الأبيض.. عبور الشجعان
لا يمكن إغفال حقيقة أن الأبيض الإماراتي قد استحضر كل دوافع الإرادة والإصرار والحرص في مباراته أمام نظيره الأسترالي في ربع نهائي كأس الأمم الآسيوية 17 في الإمارات، فحقق عبور شجعان إلى نصف نهائي البطولة بعدما لعب بتشكيل كان كل لاعب فيه حريصاً على أداء أكثر من دوره المرسوم طوال دقائق المباراة، ما أثمر عن فاعلية هجومية ورصانة دفاعية ومتانة في وسط الملعب.
ومن الطبيعي أن يسجل المنتخب الأسترالي سيطرة في وسط الملعب ونسبة استحواذ أعلى في المباراة، نتيجة رغبته في المحافظة على اللقب القاري، وتركيزه على الجهة اليسرى للاعب الأبيض الإماراتي وليد عباس، في ظل وجود بعض المساحات بين خطي الوسط والدفاع، استغلها المنافس بشكل مؤثر، قبل أن يجري الإيطالي زاكيروني مدرب الأبيض، تغييراً في الشوط الثاني من المباراة، بإشراك محمد عبدالرحمن بديلاً لإسماعيل مطر، بهدف إحداث توازن في الشقين الدفاعي والهجومي، وقد نجح في ذلك، خصوصاً في الدقيقة 67 التي شهدت تسجيل علي مبخوت هدف الفوز والتأهل بعدما استثمر بشكل بارع خطأ الدفاع الأسترالي.
ومن بين أبرز الإيجابيات، الطريقة الذكية التي تعامل بها زاكيروني مع مختلف تفاصيل وتقلبات المباراة، ساعده في ذلك، مستوى الإصرار العالي والرغبة الأكيدة من جانب لاعبي الأبيض الإماراتي في حتمية بلوغ الهدف المرسوم والغاية المنشودة بالتأهل إلى نصف النهائي بعدما لعب المنتخب بترابط بين الخطوط وقراءة المنافس والروح العالية.
الساموراي.. شكراً «VAR»
إذا كانت هناك فرصة لتقديم الشكر من قبل المنتخب الياباني، فإن الطرف الأولى والأحق بها هو تقنية «VAR» التي منحت الساموراي ركلة جزاء ما كان لها أن تكون لولا تلك التقنية، وذلك في مباراته أمام نظيره الفيتنامي في ربع النهائي، ليمر اليابانيون إلى نصف نهائي البطولة الآسيوية على أشلاء أحلام الفيتناميين الذين قدموا مستويات باهرة في غالبية مبارياتهم، وأثبتوا أنهم من بين أكثر المنتخبات تطوراً في القارة الصفراء.
وفي تلك المباراة، لم يظهر المنتخب الياباني بمستواه الفني المتوقع، خصوصاً في الشق الهجومي الذي سقط في كماشة الدفاع الفيتنامي بشكل واضح وصريح، حيث لم يتمكن الساموراي من إبطال مفعول تلك الكماشة، إلا من خلال خبرة بعض لاعبيه ونجاحه النسبي في التحول من الأسلوب الدفاعي إلى الهجومي، ولكن دون فاعلية إيجابية، قبل أن تهدي تقنية «VAR» ركلة الجزاء التي نقلت المنتخب الياباني إلى نصف نهائي البطولة.
وفي ضوء مستواه في جميع أدوار النسخة 17، فإن الموضوعية تقتضي طرح تساؤلاً مشروعاً يتمثل في «ماذا عسى المنتخب الياباني أن يفعل أمام إيران غداً؟»، هل سيعمد إلى استغلال الخبرة أمام منافس أكثر خبرة منه، أم يعمد إلى التكتل الدفاعي بالضد من النظرة المعروفة عنه، أم أن حقيقة المنتخب الياباني سوف تتكشف أكثر غداً، ويحزم حقائب العودة إلى طوكيو، أم انه سيقول كلمته باعتباره أحد أهم القوى الكروية في القارة الصفراء؟!
إيران.. هفوات التنين
رغم أن النسبة الأكبر من ترشيحات الفوز بلقب النسخة 17 لكأس الأمم الآسيوية في الإمارات، تذهب لمصلحة المنتخب الإيراني، إلا أن مباراته في ربع نهائي البطولة أمام نظيره الصيني، كشفت عن حقائق لا يمكن تجاهلها، لعل أبرزها أن الإيرانيين غالباً ما يلعبون على أخطاء وهفوات المنافسين، وليس أدل على ذلك من أهدافهم الثلاثة التي سجلوها في شباك التنين، كلها جاءت من أخطاء ساذجة ارتكبها الدفاع الصيني.
وفي تلك المباراة، فرض المنتخب الإيراني سيطرة نسبية على مجريات المباراة على حساب منافس لم يظهر بذات الصورة التي قدمها في دوري المجموعات، والـ 16، حيث فقد السيطرة منذ البداية لمصلحة منافسه، خصوصا وأن الدفاعات الصينية «أجادت» كثيراً في ارتكاب أخطاء بدائية في عالم كرة القدم، ما دفع المنتخب الإيراني إلى تقبل «الهدية» بكل رحابة صدر، فزار شباك التنين 3 مرات، كلها جاءت عبر «دعوة» من الجانب الصيني وليس نتيجة براعة أو إبداع من مهاجمي إيران الذين نجحوا في هز الشباك الصينية مبكراً، وبعد مضي الربع الأول من الشوط الأول نتيجة خطأ صريح من المدافع الصيني.
وسنحت الفرصة للمنتخب الصيني لمعالجة الموقف في الشوط الثاني عندما عمد نظيره الإيراني إلى التراجع النسبي الذي اتضح فيما بعد انه ليس أكثر من تكتيك أراد به الإيرانيون اصطياد التنين من خلال إيقاع لاعبيه في سلسلة أخطاء دفاعية قاتلة كلفتهم الخروج من البطولة.
شمشون.. غلطة الشاطر
تماماً، تنطبق مقولة «غلطة الشاطر بألف» على المنتخب الكوري الجنوبي، عندما ارتكب «غلطة» فادحة في الربع الأخير من مباراته أمام نظيره القطري في الدور ربع النهائي، تلك «الغلطة» التي كلفته الوداع المبكر من البطولة القارية التي دخل نسختها 17 في الإمارات من اجل حصد اللقب للمرة الثالثة في تاريخه.
ورغم تاريخه الحافل في البطولة الآسيوية، واسمه الشهير قارياً، إلا أن المنتخب الكوري الجنوبي لعب بنوع من الحذر، حيث تمحور اللعب في وسط الميدان، ولم يقم الكوريون الجنوبيون بمحاولة حقيقة لتهديد مرمى المنافس، إلا بعد مضي الربع الأول من الشوط الأول من المباراة، ما يثبت حقيقة أنهم لعبوا بحذر مفرط.
وما زاد طين شمشون بلة، أنه دخل الشوط الثاني بذات الحذر، مانحاً الفرصة لمنافسه في الإمساك بزمام الأمور، خصوصا ما يتعلق بالاستحواذ على الكرة، والتحكم النسبي في مسار مجريات المباراة، قبل أن يكرس المنافس حذر شمشون بتسجيله هدف الفوز الثمين من «غلطة» واضحة ارتكبها الخط الخلفي للمنتخب الكوري الجنوبي في توقيت حساس جدا، ما وضع لاعبي شمشون تحت ضغط هائل لم يتبدد حتى مع تسجيلهم هدفاً ملغياً بأمر الـ «VAR» بذريعة وجود تسلل، ليفسح شمشون الفرصة كاملة أمام منافسه لخطف بطاقة المرور إلى نصف نهائي البطولة الآسيوية لأول مرة في تاريخ مشاركته السابقة، ضارباً موعداً مرتقباً مع نظيره الأبيض الإماراتي في نصف نهائي البطولة الثلاثاء المقبل.
