التنين يتقدم بخطى ثابتة

صناعةاللاعبين..تكتيك صيني للسيطرة آسيوياً وعالمياً

بدأت الصين تغيير نظرتها إلى كرة القدم في السنوات الأخيرة، ووضعت خطة طويلة المدى تتطلع من خلالها إلى أن تصبح أحد أبرز المنتخبات في آسيا والعالم بعد أن نجحت في أن تكون ثاني قوة اقتصادية بعد الولايات المتحدة الأميركية، وبدأ التنين يخطو خطوات اليابان وكوريا الجنوبية لكن بطريقة أكثر احترافية وضخ أموال كثيرة للاستثمار في كرة القدم.

وأصبح تطوير كرة القدم الصينية هدفاً استراتيجياً للحكومة، التي وضعت العديد من البرامج والتركيز على نشر اللعبة في المدارس والجامعات، وتشجيع رجال الأعمال على الاستثمار في كرة القدم وأصبحت صناعة اللاعبين عبر مئات الأكاديميات في مقدمة أولويات رياضة التنين.

السياسة الصينية لتطوير الساحرة المستديرة، بدأت تؤتي ثمارها بعد أن أصبح الدوري الصيني الأغلى من بين دوريات القارة الآسيوية بـ473.83 مليون يورو، كما نجح في استقطاب أبرز المدربين والنجوم في العالم والتربع على عرش دوري أبطال آسيا في 2013 و2015 عن طريق فريق غوانزهو الذي يعد أحد أهم الأندية الصينية التي تحمل على عاتقها مسؤولية الارتقاء بالكرة في بلد يبعد حوالي 1.4 مليار نسمة.

حياة أفضل

يثق الصينيون بقدرة كرة القدم على تحقيق حياة أفضل لأبنائهم إلى درجة أنهم سمحوا لهم بالالتحاق بأكاديميات كرة القدم والإقامة فيها رغم أن عمرهم لم يتجاوز 10 سنوات، وقال أحد أولياء الأمور إن زوجته رفضت فكرة انتقال ابنه إلى الأكاديمية والعيش بعيداً عنهما قبل أن تتقبل الأمر، مشيراً إلى أن فراق ابنهما في عمر مبكر كان قراراً صعباً لكنه صائب لأنه سيصنع له حياة أفضل في عالم كرة القدم.

المثير للاهتمام أن الصين لا تهتم فقط بتطوير كرة قدم للرجال بل تسعى أيضاً لتطوير كرة قدم النسائية وتقوم بتشجيع الفتيات على الالتحاق بالأكاديميات وممارسة اللعبة ولم لا الاحتراف في الأندية الأوروبية.

أصبح الدوري الصيني وجهة مفضلة لكبار النجوم في العالم بفضل المبالغ الكبيرة التي تدفع لهم، حيث تشير بعض الأرقام إلى إنفاق الدوري الصيني على استقطاب هؤلاء النجوم بما يفوق 150 مليون يورو. ويهدف المشرفون على الكرة في الصين إلى تطوير مستوى كرة القدم من خلال التعاقد مع لاعبين دوليين ومنح فرصة للاعبين المحليين للاحتكاك مع نجوم من مختلف أنحاء العالم.

لم يكن بروز فريق غوانزهو على الساحة الكروية الصينية وقارة آسيا مجرد صدفة بعد سنوات عانى فيها من العديد من الصعوبات أدت إلى نزوله إلى الدرجة الثانية في 2007 قبل أن يعود إلى الدوري الممتاز ويحصد لقب البطولة المحلية 5 مرات متتالية ولقب دوري أبطال آسيا في 2013، ليصبح أول فريق صيني يحقق اللقب القاري في شكله الجديد وثاني فريق آسيوي يحصل على اللقب مرتين بفضل الدعم الكبير، الذي وجده من شركة ايفرغراند، التي تملك 60% من مجموع أسهمه في البورصة.

ويعد فريق غوانزو أول فريق صيني يدخل سوق البورصة في كرة القدم الصينية، وأثبتت هذه التجربة نجاعتها، حيث تحول هذا الفريق، الذي تم إنشاؤه في 1954 ودخل عالم الاحتراف في 1993 من مجرد فريق عادي إلى أكبر ناد صيني على مستوى الإمكانيات المادية وحول معاناته إلى مجد في سنوات قليلة.

وبفضل غوانزهو خطفت كرة القدم الصينية الأنظار إليها في السنوات الأخيرة، وأصبح لاعبوه يشكلون النسبة الأكبر في تشكيلة المنتخب وكان أول ناد يمثل الكرة الصينية في بطولة العالم للأندية 2013.

تصدرت شركة ايفرغراند المشهد في الكرة الصينية بما أنها أخذت على عاتقها مسؤولية بناء كرة قدم عصرية ترتكز على الاستثمار وصناعة اللاعبين بهدف قيادة المنتخب الصيني إلى نهائيات كأس العالم، وهو حلم يراود الصينيين منذ صعودهم الأول والوحيد في 2002، ومن أجل ذلك قامت بإنشاء أكبر أكاديمية في العالم بمنطقة كينغيوان الجبلية والتي تبعد مسافة 50 ميلاً عن مدينة غوانزهو تحمل اسم مدرسة ايفرغراند العالمية لكرة القدم، وتضم أكثر من 2500 لاعب يتم اختيارهم بعناية ثم تكوينهم بأسلوب إسباني.

شعبية الملكي

ويتلقى اللاعبون بالإضافة إلى كرة القدم التعليم الابتدائي والثانوي، ويشرف على تدريبهم 100 مدرب صيني و22 مدرباً إسبانياً معتمدين من مدرسة ريال مدريد، وأغلبهم لاعبون قدامى في الدوري الإسباني، ويبدو واضحاً تركيز الأكاديمية على المدرسة الإسبانية نظراً لشعبية الفريق الملكي ونادي برشلونة بشكل عام لدى الجماهير الصينية.

وتمتد أكاديمية ايفرغراند على مساحة 300 هكتار وتشغل 500 موظف ويوجد بها مبنى للتعليم الابتدائي مساحته 3900 متر مربع، ومبنى للتعليم الثانوي مساحته 4400 متر مربع، ومبنى خاص بالمخابر مساحته 8700 متر مربع، ومكتبة 1500 متر مربع، ومسرح 1800 متر مربع، و50 ملعب كرة القدم.

ويوجد بمدخل الأكاديمية 15 نموذجا لكأس العالم، وتمثالين للأسطورة البرازيلي بيليه واللاعب الانجليزي بوبي مور في ساحة الأكاديمية، أطلق عليها ساحة النجوم.

حلم كبير

وأكد الإسباني فيرناندو سانشيز سيبيترا المدير الفني لمدرسة ايفرغراند الدولية لكرة القدم، أنه من الصعب إيجاد مثيل لهذه الأكاديمية في أي مكان حول العالم، مشيراً إلى أنها تسعى لتحقيق الحلم الكبير للكرة الصينية، وهو التواجد المستمر في نهائيات كأس العالم والمنافسة على الألقاب، وقال: إنه أمر مدهش، لقد أنشأوا هذه الأكاديمية الضخمة في 10 أشهر والحال أن كرة القدم لم تصل بعد إلى مستوى الاحتراف الحقيقي، بينما في أوروبا نستغرق بين 5 و6 سنوات.

2014

أطلقت المجموعة المركزية الصينية للإصلاح، بقيادة الرئيس الصيني شي جين بينغ خطـة لتطوير لعبة كرة القدم، التي ألقت بظلالها على «التنين» رغم جذورها الضاربة في القـدم في البـلاد.

وأكدت المجموعة المكلفة ببرنامج الإصلاح ضرورة تطوير وتنشيط كـرة القدم لإثبات قوة الصين في الرياضة، وجاء إطلاق برنامج الإصلاح بطلب من الرئيس الصيني.

وعزز برنامج الإصلاح الجهود السابقة التي بذلت من أجل الملايين من مشجعي كرة القدم في الصين، حيث أقرّت وزارة التربية والتعليم في 2014 إدراج كرة القدم كجزء إلزامي من مناهج التربية الرياضية في المدارس، كما وعدت بتقديم مساعدات لإنشاء مزيد من أكاديميات كرة القدم، واستثمرت الأندية هذه الفرصة وقامت باتخاذ خطوات جريئة لتطوير طريقة عملها على أسس احترافية.

كما تركز الصين في خطتها التطويرية لكرة القدم على تجارب الدول لأخرى مثل البرازيل وإسبانيا وانجلترا، وأصبحت أنديتها تستقطب كبار النجوم وأبرز المدربين وتفوقت في ذلك على الدوريات الخليجية.

30

قام البرازيلي رونالدو أفضل لاعب في العالم 3 مرات بتنفيذ برنامج فتح 30 مدرسة لكرة القدم بـ3 مناطق هي بكين وشنغهاي وشينتشين في ظل ما تجده الساحرة المستديرة من دعم من الحكومة الصينية.

وتأتي هذه الخطوة بتشجيع من الرئيس الصيني شي جين بينغ المعروف بحبه لكرة القدم، والذي أعلن خلال حضوره مونديال البرازيل 2014، أنه يطمح لاستضافة نهائيات كأس العالم يوماً ما.

وذكر رونالدو في تصريحات سابقة: «إن سرعة التطور وطموح الرئيس الصيني من أهم أسباب إقدامه على هذه الخطوة، إضافة إلى الجانب التجاري فإن السبب الرئيسي بالنسبة لي لافتتاح مدارس لكرة القدم في الصين يعود إلى وجود عدد كبير من المشجعين واللاعبين في البلاد، كما تركز الحكومة الصينية، على تطوير كرة القدم».

أضاف: «أتمنى أن تساعد طريقتي في التدريب على تطوير كرة القدم الصينية، وأعتقد أن كرة القدم الصينية لديها القاعدة العريضة والرغبة لكنها ربما تفتقر إلى الأسلوب الصحيح للتدريب».

360

كشفت الصين في 2015 عن خطة شاملة لتطوير كرة القدم، وأنها تسعى إلى أن يكون لديها 50 مليون لاعب مميز، حيث لم يعد تطوير اللعبة مجرد حلم بل واقعاً رصدت من أجله كل الإمكانيات.

ومن ضمن الإجراءات تصميم 360 برنامج تدريب لتطبيقها في المدارس الإعدادية والثانوية، وإنشاء 70 ألف ملعب. ولم يتأهل منتخب كرة القدم الصيني لكأس العالم سوى مرة واحدة، وتهدف بكين إلى التأهل مرة أخرى للبطولة، واستضافتها، وكذلك الفوز باللقب بحلول 2050.

1

قامت بعض أندية البريميرليغ، بالاستثمار في الصين، من خلال فتح أكاديميات كرة قدم، مثل فريق أستون فيلا، وفريق تشيلسي، الذي أنفق 48 مليون جنيه إسترليني لفتح أكاديمية، بالتعاون مع أحد الفرق المحلية بغوانزهو، وتم تعيين السويدي غواران اريكسون، رئيساً شرفياً لها، عندما كان يعمل مدرباً للفريق الأول.

ويقول الخبراء أن إنشاء أكاديميات كرة قدم، مهما كان حجمها، بإمكانها أن تحول الصين إلى قوة عظمى في عالم الساحرة المستديرة، في ظل توسع قاعدة المستثمرين الصينيين أنفسهم في كرة القدم.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات