تشهد المنظومة الرياضية في العالم تطوراً لافتاً على مستوى التسويق من خلال الرعاية والإعلان وتنظيم البطولات، الشيء الذي مكّن من ضخ أموال ضخمة للاتحادات القارية والوطنية والأندية واللاعبين، وقبلهم للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، لتدخل اللعبة بقوة في مجال الصناعة والتجارة، وأسهمت المنظومة الرياضية على أعلى مستوياتها في دعم المنافسات والاتحادات من خلال مشاريع مختلفة تدخل في إطار التخطيط، والمساهمة في تطوير كرة القدم إدارياً وفنياً.

في السودان يبدو الواقع الكروي مختلفاً رغم وجود عقليات إدارية وفنية تملك التأهيل العالي والمساهمات الفاعلة في التخطيط والتطوير، على مستوى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، والاتحاد الأفريقي لكرة القدم «كاف»، إلا أن محطة التسويق والاستثمار الكروي ما زالت كلما تقدمت خطوة للأمام تسير خطوتين للخلف.

دون إعلان

رغم الشعبية الطاغية التي تتمتع بها كرة القدم في السودان، والاهتمام الجماهيري غير المسبوق للمنافسات المحلية وفي مقدمتها بطولة الدوري الممتاز، ومع ذلك تقف الذاكرة عند العام 2014 آخر إعلان زين «تي شيرت» نادي سوداني، عندما تعاقد نادي الهلال مع إحدى شركات الاتصالات من خارج البلاد، بمبلغ حدد وقتها بثلاثة ملايين دولار، في فترة مجلس الإدارة الذي ترأسه أشرف الكاردينال، وظهر الإعلان على «تي شيرت» اللاعبين من خلال تدريبات الفريق والمعسكر الخارجي الذي أقيم وقتها، وتوقف عند هذا الحد ولم يظهر خلال المباريات التنافسية، وهو ما فسره رئيس النادي الكاردينال على وجود تضارب في وجود أكثر من شركة متخصصة في المجال في إطار التنافس بين هذه الشركات ليضع صعوبة أمام الشركة التي تم الاتفاق معها.

غياب تام

يعتبر الدوري السوداني الممتاز من الدوريات القليلة في العالم المتطور كرويا في جانب التسويق الرياضي، الذي غابت عنه بالكامل رعاية الشركات للأندية، وظهر ذلك في خلو ملابس الأندية لأكثر من عشر سنوات سابقة من الإعلانات، في الـ«تي شيرت» و«الشورت»، ويشمل الأندية الجماهيرية، ويأتي على رأسها القطبان الكبيران في الكرة السودانية الهلال والمريخ.

الرغبة والعقلية

يذهب مراقب اقتصادي في تفسيره إلى إحجام الشركات السودانية عن الدخول في مجال التسويق والاستثمار الرياضي، إلى انعدام الرغبة عند الإداريين، الذين يفضلون أن يتركز التمويل والصرف على الأندية عندهم، والاستفادة من الهالة الإعلامية التي تقدمهم كممولين رئيسيين للأندية ولا يرغبون في وجود منافسين لهم، وأرجع المراقب الاقتصادي إلى أن الأزمة في مجملها أزمة في العقلية الاستثمارية المنفتحة على التسويق والاستثمار الرياضي بالاستفادة من جماهيرية الأندية، وأشار إلى محاولات خجولة من ناديي قمة الكرة السودانية تظهر وتغيب، وترتبط بشكل مباشر برغبة الإدارة والعقلية الساعية لإحداث نقلة اقتصادية تدعم النادي وتسهم في إيجاد مداخيل مالية، تحرر الأندية من جيوب الأفراد، وتنفتح على آفاق أوسع تواكب التطور الرياضي في الجانب الاقتصادي.

والواقع أن غياب الاستثمار الرياضي، وابتعاد أوجه الدعاية والرعاية عن الأندية، أدى لتراجع المداخيل، وهو ما تسبب في ضعف التعاقدات والتطويرات على مستوى الأكاديميات والنشء في ظل عدم توفر رؤوس أموال، الأمر الذي بدوره أدى لتراجع عام في اقتصاديات كرة القدم السودانية، وبالتبعية تراجع في تصنيف الكرة السودانية عالمياً، وتراجع أيضاً في البنى التحتية للعبة، وأرجعها خطوات واسعة للخلف على مر سنوات طويلة من الإهمال، سنوات لمع فيها أسماء رجال تولوا قيادات الأندية، دون أن يقدموا تقدماً حقيقياً للعبة الشعبية الأولى في البلد العربي الأفريقي، بل على العكس عرقلوا عجلة تنميتها، فاستفادوا هم كأشخاص من اللعبة وأضروا حاضرها ومستقبلها ومنظومتها بأكملها.