الدوري المصري.. عصر «اشمعنى»

عندما تولى المدرب الاسكتلندي الشهير، أليكس فيرغسون، الإدارة الفنية لفريق مانشستر يونايتد الإنجليزي، للمرة الأولى عام 1986، كان فريق ليفربول يهيمن على لقب بطولة الدوري، لذا كان السؤال الأول الذي وجهه مسؤولو النادي إلى فيرغسون هو، «ماذا نفعل معهم؟» وجاءت الإجابة من مدرب يرغب في تحقيق النجاح وهي، «دعونا نعمل دون النظر إلى ما يفعله المنافسون»، وكانت تلك الإجابة السر في تتويج «الشياطين الحمر» بلقب «البريميرليغ» 13 مرة تحت قيادة فيرغسون.

وفقاً لهذا المنطق، فإنه لا يمكن تحقيق النجاح الحقيقي في ظل الانشغال بما يفعله المنافسون أو الآخرون بصفة عامة، وهو الحال الذي تعيشه منظومة كرة القدم المصرية، والتي أصبحت عبارة عن حقيبة ضخمة تملؤها الأندية يومياً بكلمة «اشمعنى»، تلك الكلمة التي تلخص في اللهجة المصرية الدارجة حالة المكايدة والنظر للآخرين طلباً للمساواة أحياناً، وأحياناً أخرى حسداً للآخرين، وما يعزز هذا ويتسبب في زيادة وزن الحقيبة يوماً بعد يوم، هو غياب اللوائح الثابتة التي تنظم المسابقات الكروية المحلية، وإن وجدت اللوائح بالفعل، فهي لا يتم تطبيقها بصرامة على الجميع.

كلمة «اشمعنى» لا تطلقها الأندية فقط اعتراضاً على قرار ما بشأن تأجيل مباراة أو نقل ملعبها أو حتى تعيين حكم بعينه، لكن يطلقها لاعبو النادي الواحد أيضاً، اعتراضاً على تمييز أحدهم في المستحقات المادية عند تجديد العقود، وهو ما يتسبب في حالة تمرد جماعية من بقية اللاعبين، تؤدي إلى أزمات عدة أبرزها تراجع الأداء.

وإذا كان عدد من أندية الدوري المصري الممتاز لكرة القدم، يشعر مسؤولوها بوجود تمييز يصب في صالح ناديين اثنين فقط، هما الأهلي والزمالك، كونهما الأقوى والأكثر شعبية والأكثر تتويجاً بالبطولات، ويطلق عليهما (قطبي الكرة المصرية)، فإن هذين الناديين بينهما منافسة تاريخية خارج المستطيل الأخضر عنوانها «اشمعنى»، حيث إن الكثيرين من عشاق ونجوم ومسؤولي الزمالك، يزعمون أن منظومة الكرة في مصر تعمل من أجل مصلحة الأهلي فقط.

لكن على الجانب الآخر وفي القلعة الحمراء، لم يكن الحال أفضل، بل إن مدير الكرة في الأهلي، سيد عبد الحفيظ، يجيد تعديد المميزات التي يتمتع بها النادي المنافس، عند هزيمة فريقه، من منطلق أن هذه الهزيمة جاءت بسبب تعرض الفريق لظلم تحكيمي مثلاً، أو ضغط في المباريات أو محاباة للمنافس، وهو لا ينسى في تصريحاته التلفزيونية أن يعدد مزايا حصل عليها الزمالك في مواسم سابقة.

وبالتالي فإن الناديين الكبيرين يتعاملان وفقاً للمبدأ ذاته، وفي وقت تولي الرئيس الأسبق لنادي الزمالك مرتضى منصور، إدارة النادي، كان يخرج يومياً عبر قناة ناديه ليتساءل بكلمة «اشمعنى» عن المميزات التي يحصل عليها الأهلي، لدرجة أنه يطلب تعيين حكام بأعينهم لإدارة مبارياته، يطلق عليهم «حكام ملاكي»، وقتها سخرت الجماهير «الأهلاوية» من رئيس الزمالك، وقالت: «إنه يتحدث عن الأهلي أكثر من حديثه عن ناديه».

ولم يمر الأمر مرور الكرام، بل يخرج مقدمو البرامج في قناة الأهلي للرد على ما يدعيه رئيس الزمالك بـ«اشمعنى» مضادة، خصوصاً الثنائي عدلي القيعي وإبراهيم المنيسي في برنامجهما الشهير «ملك وكتابة»، والغريب في الأمر أن مباريات «اشمعنى» التي تنطلق بين الطرفين خارج حدود المستطيل الأخضر، تحظى بإعجاب عشاق الأحمر والأبيض.

أخيراً، شن عدلي القيعي مستشار لجنة التعاقدات بالنادي الأهلي هجوماً شرساً ضد نادي الزمالك، بعدما أعلن النادي الأبيض خلال اجتماع الأندية مع اللجنة الثلاثية المكلفة بإدارة اتحاد الكرة رفضه استكمال بطولة الدوري المصري الممتاز لكرة القدم إلا بعد خوض الأهلي مبارياته المؤجلة، والتي تم تأجيلها بسبب صعود الأهلي إلى نصف نهائي دوري الأبطال.

وقال القيعي عبر قناة الأهلي، «لا مجال للصغائر ولا مكان للغربان. نسر الأهلي يحلق بالبهجة ويعلو بالمكان، ثقافة (اشمعنى أنا) تحدث بين السيدات الفضليات، وعندما نقول إننا مرهقون، الناس يحاربوننا، قل إنك مرهق أنت الآخر، دون التعرض لي أو المصادرة علي، الأهلي لم يكن يستجم في الساحل؟ وليس ضرورياً أن نأتي بسيرة بعضنا البعض».

ووصل الفرق بين نادي الزمالك المتصدر ومنافسه التقليدي الأهلي إلى 6 مباريات، ما دفع الزمالك إلى إبلاغ مسؤولي اللجنة التي تدير اتحاد الكرة، برئاسة أحمد مجاهد، رفض استكمال بطولة الدوري، قبل أن يلعب النادي الأهلي مبارياته المؤجلة.

الأهلي أيضاً رفض قبل ثلاثة أسابيع مقترح لاتحاد الكرة لعب مباريات الدوري خلال الأجندة الدولية لمعسكر منتخب مصر الأول في يونيو المقبل، بعد قرار الاتحاد الدولي (فيفا) بتأجيل تصفيات كأس العالم عن قارة أفريقيا، حيث إن القرار سيحرم الفريق الأحمر من لاعبيه الدوليين، في ظل رغبته في الاحتفاظ بلقب الدوري، إضافة إلى الخوف من تلاحم المباريات الذي سيعرّض لاعبيه للإجهاد.

ولم ينظر الأهلي إلى رؤية اتحاد الكرة بضرورة إنهاء مسابقة الدوري، في أغسطس المقبل على أقصى تقدير، تلافياً لتلاحم المواسم الذي لازم المسابقة المحلية لأربع سنوات، وفكّر مسؤولو القلعة الحمراء في مصلحة الفريق فقط.

فعل الأهلي التصرف نفسه في الموسم الماضي، ورفض خوض مباراة القمة أمام الزمالك، إلا بعد أن يلعب الأخير كل مبارياته المؤجلة، وبالفعل رفض الأهلي خوض مباراة كان مقرراً أن يلعبها أمام الجونة، ووصل الأمر إلى تدخل الدكتور أشرف صبحي وزير الشباب والرياضة، الذي ذهب إلى رئيس الأهلي محمود الخطيب في منزله.

ولعل «العقدة» التي يعانيها الدوري المصري منذ سنوات وفي عهود مختلفة لمجالس إدارات اتحاد الكرة، وهي عدم انتظام مسابقة الدوري، الغارق دائماً في بحر المؤجلات، وذلك على عكس ما يحدث في كل دوريات العالم، سواء العربية أم الأجنبية، ولم يتمكن مسؤول واحد من السيطرة على انتظام المسابقة.

وإذا كانت الأندية واتحاد الكرة تعلق تقصيرها على «شماعة» مشاركة الفرق المصرية في البطولات القارية، فإن فريقاً مثل ليفربول الإنجليزي، عندما شارك في كأس العالم للأندية في النسخة التي نال لقبها عام 2019 واستضافتها قطر، كان يتعين عليه خوض مباراة في ربع نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي، أمام أستون فيلا، وبالفعل شارك ليفربول بفريق الشباب وخسر المباراة بهدفين دون رد، وهو موقف لن يحدث في مصر بسبب عدم تطبيق اللوائح على الجميع، أو بالأدق لوجود أندية أقوى من اتحاد الكرة نفسه.

طباعة Email