الكرة المصرية.. مواهب «أتلفها الهوى»

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

في عالم كرة القدم، ليست الموهبة وحدها هي من تصنع النجومية.. الموهبة تحتاج إلى عوامل أخرى للحفاظ عليها من الضمور، وحتى لا تفسد الموهبة من الأهواء الشخصية، فتصبح «مواهب أتلفها الهوى»، لا بد من حلول للحفاظ على تلك المواهب ورعايتها ذهنياً ونفسياً من البداية، قبل أن تستسلم لشياطين النفس.

ولعل أبرز تلك العوامل، هي الالتزام وبذل الجهد والطموح، وكم من لاعبين أضاعوا مستقبلهم الكروي بأيديهم، عندما خانوا موهبتهم بالخروج عن النص، والانسياق وراء الأهواء، فأضاعوا نصف أعمارهم الكروية في الأزمات.

ووجدت أسماؤهم بصفة أساسية في قوائم العقوبات في أنديتهم، وإذا كان بعض اللاعبين يستهينون بالعقوبات المادية، كونها تعد نسبة ضئيلة من مستحقاتهم التي تقدر بالملايين، فإن عقوبات الإيقاف تؤثر حتماً في أدائهم، وقت لا تشفع الموهبة.

كان محمود عبد المنعم «كهربا»، ظهير فريق الأهلي المصري، بطل آخر حلقات مسلسل الموهوبين أصحاب الأزمات، وتصدر اللاعب حديث الجماهير والنقاد، كما تصدر اسمه محركات البحث ومواقع التوصل الاجتماعي، بعد ما تجاوز في حق مدرب الجنوب أفريقي بيتسو موسيماني، المدير الفني للأهلي، ما ترتب عليه تعرض اللاعب لعقوبة استبعاده عن المشاركة في مباريات الفريق لمدة شهر، وتغريمه مالياً 200 ألف جنيه.

وتعود أزمة «كهربا»، إلى مباراة الأهلي أمام طلائع الجيش بالدوري الممتاز، عندما اعترض اللاعب على عدم إشراكه أساسياً في المباراة، بل وخرج عن حدود اللباقة، ورفض مصافحة «موسيماني» داخل غرفة خلع الملابس، وتحدث معه بطريقة غير لائقة، وهي الأزمة التي دفعت سيد عبد الحفيظ مدير الكرة بالأهلي، إلى أن يوجه رسالة تحذيرية لباقي لاعبي الفريق.

وقال للاعبين: «اللي شايف نفسه نجم يشوف نفسه بره الأهلي».

ونشبت هذه الأزمة، قبل أقل من شهر لأزمة سابقة، كان بطلها «كهربا». ففي أثناء مشاركة الأهلي في كأس العالم للأندية بقطر، في فبراير الماضي، اختلق اللاعب أزمة، ورط فيها فريقه دون أي داعٍ، عندما اخترق الإجراءات الاحترازية «الفقاعة الطبية»، وذهب لمصافحة لاعب الأهلي السابق، محمد أبو تريكة، الذي وجد في المدرجات خلال مباراة الأهلي والدحيل القطري، ما عرضه للإيقاف، هو وزميله حسين الشحات، من قبل الاتحاد الدولي «فيفا».

ولعل الأزمات التي يكون «كهربا» بطلها، تأخذ تحديداً منحنى آخر، وتتسبب في حالة احتقان بين جماهير الأهلي والزمالك، خصوصاً أن لاعب الأهلي الحالي، كان لاعباً سابقاً في صفوف الفريق الأبيض، لذا، يجد من يدافعون عن أخطائه من جماهير الأهلي، على الرغم من أنهم أنفسهم كانوا ينتقدون نفس الأخطاء التي بدرت منه أثناء ارتدائه قميص الزمالك.

وتعددت أزمات «كهربا»، وهو أحد اللاعبين أصحاب المواهب، حيث سبق له أن دخل في مشادة كلامية مع الحارس الدولي محمد الشناوي، قائد الأهلي، وامتد الأمر إلى الدخول في مشادة مع سيد عبد الحفيظ، مدير الكرة، على مرأى ومسمع جميع لاعبي الفريق، ما عرّض اللاعب لأكبر عقوبة في تاريخ النادي، وقيمتها مليون جنيه، بعدها أصدر اللاعب بياناً رسمياً، اعتذر فيه عن تصرفه تجاه زميله ومدير الكرة.

وكانت هناك واقعة أخرى خلال مباراة الأهلي والمقاولون العرب، في أول مواسم «كهربا» مع الأهلي، عندما انفعل داخل الملعب على أحمد فتحي قائد الفريق آنذاك، وتدخل وليد سليمان، وطالب اللاعب بالاعتذار لأحمد فتحي، أمام لاعبي الفريقين، قبلها كانت الواقعة الأشهر، التي أساءت للكرة المصرية، وحدثت أثناء مباراة السوبر المصري الذي استضافته دولة الإمارات، بين الأهلي والزمالك الموسم الماضي، ودخل «كهربا» في مشادة مع لاعب الزمالك طارق حامد، وتطور الأمر للاشتباك، وكادت المباراة أن تلغى.

ولم تكن أزمات كهربا مع الأهلي فقط، ومع ناديه السابق الزمالك تعرض للعقوبة عام 2015، بعدما اعترض على محمد حلمي، مديره الفني، بسبب استبداله في مباراة الأهلي، وتكرر الأمر نفسه مع كريستيان غروس، المدير الفني للزمالك، بعد استبداله في مباراة سموحة، ما دفعه للتصرف بصورة غير لائقة، كما أنه كان صاحب التصرف المخزي الشهير مع جماهير الزمالك، عندما قام بالبصق تجاه الموجودين منهم في ملعب مباراة بترو أتليتكو الأنغولي عام 2019، في البطولة الكونفيدرالية.

«كهربا»، وهو بطل آخر مسلسل للأزمات، لم يكن وحده في القائمة التي ضمن العديد من أصحاب المواهب، ممن جاروا على موهبتهم بأفعالهم، وسبق «كهربا» في حبات العقد، صانع ألعاب الأهلي السابق صالح جمعة، وسيراميكا كليوباترا الحالي، ولا يمكن لأحد أن يتخيل أن محمد صلاح نجم ليفربول الإنجليزي، وأحد أهم نجوم العالم حالياً، كان يجلس احتياطياً للاعب مثل صالح جمعة في المنتخب المصري الأولمبي، غير أن التزام صلاح واتزانه، ذهب به بعيد إلى العالمية، في حين انتهى المطاف بصالح جمعة في فريق «سيراميكا»، الوافد الجديد للدوري المصري الممتاز.

واشتهر جمعة بعدم الالتزام، والتغيب عن التدريبات، بسبب اتجاهه إلى السهر والملاهي الليلية والحفلات الصاخبة، وعلى الرغم من حصوله على أكثر من فرصه لتعديل مساره، حرصاً على موهبته، إلا أن اللاعب نفسه لم يراعِ هذه الموهبة.

وبعد رحلة احتراف في البرتغال، عاد جمعة للنادي الأهلي، ولفت اللاعب لدرجة أن البعض اعتقد أن الفريق الأحمر عثر على بديل «أبوتريكة»، إلا أنه فاجأ الجميع بعدم الالتزام، ما عرضه لعقوبات متكررة، حتى بات معروفاً باسم «صالح خصومات».

وعندما وصل محمود الخطيب إلى رئاسة الأهلي، كان صيت أزمات صالح جمعة يملأ الشارع الرياضي في مصر، لذا، طلب رئيس الأهلي تقريراً تفصيلياً عن سلوك اللاعب منذ انضمامه للنادي، وبعد الاطلاع عليه، طالب برحيله فوراً، وخرج في إعارة إلى النصر السعودي، وبعد شهور قليلة لم يستطع النادي السعودي تحمل أزمات اللاعب، فطلبوا فسخ التعاقد معه.

أيضاً يعتبر إبراهيم سعيد، واحداً من أبرز اللاعبين الموهوبين في الملاعب المصرية، الذين أضاعوا موهبتهم بأيديهم، وعلى الرغم من أنه كان من أفضل المدافعين في تاريخ مصر، إلا أنه أجاد اللعب في أكثر من مركز في مشواره المحلي، مع أندية الأهلى والزمالك والإسماعيلي، لكن عقليته حالت دون استمراره في التألق، حيث اشتهر بالخلافات مع مدربيه، فضلاً عن عشقه للسهرات.

وعلى سبيل المثال، في إحدى المباريات، كشف اللاعب لزملائه عن نيته تقليد إدجار ديفيدز، لاعب المنتخب الهولندي السابق، وارتداء نظارات شمسية في مباراة السوبر الأفريقي أمام كايزر تشيفز، لكن مانويل جوزيه مدرب الأهلي السابق، اكتشف الأمر، ورفضه تماماً، واستجاب اللاعب لمدربه، وترك النظارة مع الجهاز الفني، وعندما سأل عنها، وشعر من ناحيتهم بالخداع، هدد بأنه سيسجل هدفاً في مرماه.

لعب سعيد بقميص الأهلي بين عام 1998 و2003، وتم الاستغناء عنه بعد إيقافه في أواخر عام 2003، ثم انضم معاراً لإيفرتون الإنجليزي، ولكنه لم يشارك، ورحل عن النادي في قصة ظريفة، عندما احتفل بإحراز فريقه هدفاً في مرمى ليفربول، الغريم التقليدي لإيفرتون، بخلع فانلة فريقه، والتي كان يرتدى من تحتها فانلة حمراء، وهو لون قميص المنافس، فغضبت الجماهير، وتم طرده في نفس اليوم.

وضمت القائمة أيضاً، لاعب الزمالك السابق، عمرو زكي، الذي أبهر الجميع بأهدافه، وصولاته مع الفريق الأبيض، بل ازدادت الجماهير إبهاراً بعد نصف موسم فقط قضاها الملقب بـ «البلدوزر»، مع فريق ويغان الإنجليزي، وأحرز 9 أهداف خلال 13 مباراة، لكنه اكتفى بذلك، وبدأ رحلة عدم الالتزام والغياب عن التدريبات.

والتأخر في المواعيد، حتى إن ستيف بروس مدرب ويغان، قال وقتها إنه لم يجد محترفاً أسوأ التزاماً منه، وبسبب عدم الالتزام، أنهى زكي مسيرته مبكرا عام 2015، وكان عمره 31 عاماً، وقبلها قضي عاماً كاملاً دون نادٍ، بعد أن فسخ تعاقده مع الرجاء المغربي، ومن قبله العهد اللبناني، لعدم التزامه.

وهناك موهبة أخرى لا يختلف عليها اثنان، وهو نجم وقائد فريق الزمالك، محمود عبد الرازق «شيكابالا»، الذي اشتهر بافتعال الأزمات، سواء مع اللاعبين أو المدربين أو الجماهير، وعلى الرغم من أن معظم النقاد أجمعوا على أن «شيكابالا» تفوق على جميع لاعبي الدوري المصري في مركز صانع الألعاب، في المهارة والسرعة وقوة التسديد، إلا أنه كان ينقصه العقلية المحترفة.

وبدأ «شيكا» رحلته مع الزمالك، ولعب للفريق الأول وعمره لم يتجاوز 16 عاماً، عندما دفع به البرازيلى كارلوس كابرال، في إحدى المباريات، ليظهر بشكل جيد، ومع تألقه، تلقى عدة عروض احتراف أوروبية، بدأت من نادى جنت البلجيكى، مقابل 150 ألف دولار، ثم باوك اليوناني، الذي انضم إليه اللاعب بالفعل.

لكن دون علم ناديه، ما تسبب في نشوب أزمة كبيرة بينه وبين نادى الزمالك، ومنذ ذلك الوقت بدأت الأزمات، واعتاد مسؤولو الفريق الأبيض على اختفاء اللاعب دون علم أحد، خصوصاً عقب أي تألق، وهو الأمر الذي تسبب في سوء علاقته بمعظم المدربين الذين تعاملوا معه، ما تسبب في إيقافه أكثر من مرة.

وكذلك لاعب الأهلي السابق، عمرو سماكة، الذي لم يسمع أحد اسمه حالياً، بل إن الجيل الحالي، ربما لا يعرف هذا اللاعب، على الرغم أنه أحد المواهب الفذة في الملاعب المصرية، وكان بطل صراع شرس بين الأهلي والزمالك، من أجل شرائه من نادي الترسانة، وبعدما انتقل إلى الأهلي، اختار اللاعب إنهاء مسيرته بيده هو، بعد رسوبه في كشف لاختبار المنشطات، عقب إحدى المباريات الأفريقية، فضلاً عن سلوكه السيئ خارج الملعب، وارتباطه بقصص عن المخدرات والسهرات.

القائمة طويلة، والظاهرة يبدو أنها لن تنقطع من الملاعب المصرية، وهي ليست موجودة في مصر فقط، بل في أغلب الملاعب العربية والأوروبية، لكنها في مصر تحتاج إلى تدخل من علماء النفس، خصوصاً أن سببها معروف للجميع، وهو أن بعض اللاعبين لم يتحملوا الشهرة وتسليط الأضواء عليهم، ما يجعلهم يشعرون بأنهم أقوى من الأندية التي صنعت أسماءهم.

 
طباعة Email