كرة القدم صنعت الأزمة ومهّدت للصلح

أمم أفريقيا تُذيب الجليد بين جماهير مصر والجزائر

كانت الغالبية العظمى تتنبأ بعزوف الجماهير المصرية، عن متابعة مباريات كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم، بعد وداع منتخبهم للبطولة بصورة مخزية من دور الـ 16، على يد منتخب جنوب أفريقيا، في البطولة التي استضافتها مصر، في الفترة من 21 يونيو الماضي وحتى 19 يوليو الجاري، ونالت الجزائر اللقب على حساب السنغال.

حتى إن بعض أصحاب المقاهي في مصر، بدأوا يعيدون ترتيباتهم بتقليص أعداد الكراسي والطاولات، التي كانت تتراص في الشوارع بالمئات. واعتقد أصحاب هذه المقاهي أن «الزبائن» ستقرر العزوف عن مشاهدة بقية المباريات، غير أنه ومع بقاء المنتخب الجزائري في المنافسة، ظل الوضع كما هو، لأن غالبية الجماهير المصرية أعلنت مؤازرة «محاربي الصحراء»، على عكس تصورات البعض بأن ذلك لم يحدث، بسبب غصة في نفوس الجماهير المصرية والجزائرية، على خلفية ذكريات سيئة.

ملأت الجماهير المصرية المقاهي، واستمرت في تشجيع المنتخب الجزائري، صاحب الأداء الرجولي والروح الحماسية، واستمر المصريون يتغزلون في حماس بغداد بونجاح ومهارة رياض محرز وإصرار أدم أوناس، وامتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بصور هؤلاء النجوم، حتى جاء موعد المباراة النهائية.

أجواء

وربما اعتقد غير المهتمين بكرة القدم، أن منتخب مصر هو أحد طرفي المباراة النهائية لكأس الأمم الأفريقية والتي جرت يوم 19 الماضي، بسبب الأجواء التي خيمت على الشارع المصري. مجموعة من الأصدقاء تتجهّز للذهاب إلى ستاد القاهرة الدولي، ومجموعة أخرى تعقد اتفاقاً لمتابعة المباراة على أحد مقاهي وسط العاصمة، لكن كل هذا كان من أجل عيون المنتخب الجزائري، الذي نال اللقب عن جدارة واستحقاق.

كل تلك المشاهد أكدت ذوبان جبل جليدي عمره 10 سنوات، بين الجماهير المصرية والجزائرية، ومثلما كانت كرة القدم سبباً في تكوين هذا الجبل بجزئيات من الغضب وكتل من الاحتقان، نجحت كرة القدم عبر بطولة كأس الأمم الأفريقية، في إعادة المياه إلى مجاريها، ومحو ذكريات سيئة خلفتها أزمة شهيرة عرفت إعلامياً باسم «موقعة أم درمان».

في نوفمبر من العام 2009، حدثت اضطرابات قبل وبعد مباراتي الذهاب والعودة، بين منتخبي مصر والجزائر، ضمن التصفيات الأفريقية المؤهلة لكأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا، ما تسبب في إقامة مباراة فاصلة على ملعب محايد.

مناوشات

وقع اختيار الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «كاف»، على ستاد أم درمان، في العاصمة السودانية الخرطوم، لكن المناوشات السابقة في القاهرة المصرية والبليدة الجزائرية، كانت سبباً في وقوع أحداث شغب دموية، أدت إلى توتر دبلوماسي بين البلدان الثلاثة، وتركت ذكرى سيئة في نفوس الجماهير، ولم تفلح أغلب وسائل الإعلام في التعامل مع الأزمة، وتناولتها بطريقة غير مسؤولة زادت من حدة التوتر.

لكن العلاقات بين مصر والجزائر، كانت أقوى من أن تعكرها مباراة كرة القدم، حتى وإن لم تفلح القيادات الرياضية في البلدين في احتواء الأزمة وقتها، فقد كانت مصر داعماً أساسياً للجزائر ضد الاحتلال الفرنسي، وكانت القيادة السياسية المصرية تندد بهذا الاحتلال في مختلف القمم والمؤتمرات، وتعرضت بسبب ذلك للعدوان الثلاثي عام 1956.

في المقابل لم تتوان الجزائر عن مساندة مصر في حربها ضد إسرائيل عام 1973. ووقتها وضع الرئيس الجزائري هواري بومدين كل الإمكانات العسكرية في بلاده تحت تصرف شقيقه المصري الرئيس أنور السادات، إضافة إلى أن النشيد الوطني الجزائري، وضع لحنه المطرب والموسيقار المصري محمد فوزي.

كان البعض يعتقد أن أزمة أم درمان هي القطيعة بين البلدين العربيين الشقيقين، وترقبت العيون السياسية قبل العيون الرياضية، أول لقاء يجمع بين رئيسي مصر والجزائر السابقين، «حسني مبارك وعبد العزيز بوتفليقة»، وذلك في قمة (فرنسا - إفريقيا) بمدينة نيس الفرنسية، وعلى عكس المتوقع عندما دخل مبارك القاعة بصحبة الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي، كان بوتفليقة يجلس في الصف الأول، وتعانق الرئيسان العربيان في لقاء أخوي حميمي، يعكس عمق العلاقات القوية بينهما.

احتقان

لكن هذا اللقاء لم يغيّر شيئاً في حالة الاحتقان الجماهيري، حتى بعد عودة السفير المصري في الجزائر، وأيضا عودة الشركات المصرية للعمل هناك، عقب رحيلها بسبب تعرضها لمضايقات عديدة، فالعلاقات السياسية والدبلوماسية، تسير وفق بروتوكولات وحسابات معقدة، بينما ينساق جمهور الكرة وراء مشاعر احتقان وغضب وفرحة معاً، بحسب الحالة التي يجلبها التنافس بين فريقين، وبالتالي فإن عام 2019 هو عام الإذابة الحقيقية لجبل الجليد بين الجمهورين المصري والجزائري.

ويؤكد الناقد الرياضي المصري حسن المستكاوي، أن الرياضة بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص، قادرة على تجميع شعوب العالم، ومن ثم إزالة أي خلافات مع الوقت، وقال لـ «البيان الرياضي»، إن هناك صداقات كثيرة نشأت في مدرجات ملاعب الكرة، وهو ما حدث بين جماهير مصر والجزائر في أمم أفريقيا، لكن مهّد لهذا مؤازرة الجماهير المصرية للمنتخب الجزائري، قبل قدوم المشجعين الجزائريين في النهائي.

ولفت المستكاوي إلى إن تحدث بعثة الجزائر عن حسن الضيافة والتعامل الراقي من المصريين، انتقل إلى بلدهم عبر وسائل الإعلام الجزائرية، التي تواجد مراسلوها في القاهرة لتغطية الحدث الكروي القاري، سهّل أن تكون الجماهير الجزائرية جنباً إلى جنب مع المصريين في المدرجات، وسبق ذلك حرص الجماهير المصرية على مؤازرة الجزائر في الأدوار الإقصائية، بداية من دور الـ 16 وحتى المباراة النهائية.

تذوق

وتعرف الجماهير المصرية بعشقها للعبة كرة القدم، وتذوقهم للأداء الكروي المميز، حتى إن جماهير بعض الفرق المحلية، لا تكتفي بالفوز فقط دون أداء جيد، وظهر ذلك مع منتخب الفراعنة، فبالرغم من تحقيق الفريق للعلامة الكاملة، والفوز في مبارياته الثلاث بدور المجموعات، كانت الجماهير غير راضية عن الأداء المتواضع.

ولأن منتخب «محاربي الصحراء»، قدم أداء رائعا منذ بداية البطولة، لفت أنظار المصريين وحرصوا على الاستمتاع بما يقدمونه، وهذا ما لفت إليه المحلل الكروي المصري، خالد بيومي، موضحاً أن العاطفة أيضاً غلبت على المصريين لمؤازرة منتخب عربي، حتى وإن اتسمت مباريات مصر مع دول شمال أفريقيا بالحماس الذي قد يصل لدرجة العنف، سواء على مستوى الفرق أو المنتخبات.

وأوضح بيومي أن دعم المصريين للجزائر ليس وليد اللحظة، لأنهم يشجعون اللاعب الجزائري رياض محرز مع نادي مانشستر سيتي الإنجليزي، كما هو الحال مع المصري محمد صلاح في ليفربول، لذا وبعد خلاف عمره 10 سنوات، تبين أن ما يجمع الجماهير المصرية والجزائرية أكثر بكثير مما يفرقهما، سواء اجتمعا على حب نجم أو أداء، وإذا كانت سنوات مضت خففت حدة التوتر بين جماهير البلدين، فإن كأس الأمم الأفريقية جاءت بعدة عوامل، دفعت الجمهور المصري للتعاطف مع منتخب الجزائر.

ويرى بيومي أن الأداء السيئ للمنتخب المصري، هو أحد هذه العوامل بعد صدمة الجماهير المصرية بالخروج المبكر، وازدادت الصدمة بسبب أزمة اللاعب عمرو وردة الأخلاقية، ودفاع زملائه عنه رغم الخطأ الذي ارتكبه، فضلا عن ارتباك اتحاد الكرة المصري في التعامل مع الأزمة، وما زاد الطين بلة هو إعلان الاعتذار الذي سجله لاعبو مصر.

أداء جميل

وعلى النقيض ظهر المنتخب الجزائري بأداء جميل، خطف انتباه المصريين، وفوجئوا بلاعبين يقاتلون من أجل الفوز بطريقة كان يتوقعونها من منتخب بلادهم، لذا كانت المؤازرة الجماهيرية تزداد من مباراة إلى أخرى، ودون سابق إنذار تفاعلت الجماهير المصرية مع لاعبي الجزائر، وباتوا يعرفونهم عن ظهر قلب.

هكذا هي كرة القدم، بسببها تتسلل المشاعر إلى قلبك وتخرج على هيئة تشجيع وهتافات، وبسببها تنشأ صداقات عديدة، فقد تدخل المدرج وحدك لتخرج عقب 90 دقيقة بمجموعة أصدقاء، بعد أن يدور بينكما حديث غير مرتب حول سير مستوى المباراة، وقد تجد نفسك عانقت أحدهم بحرارة عقب إحراز هدف.

البطولة الأفريقية انتهت وفاز المنتخب الجزائري باللقب، للمرة الثانية في تاريخه، لكن هناك مشاهد عديدة بدّلت الاحتقان بين الجمهورين المصري والجزائري إلى ود، ففي يوم المباراة تواجد الجزائريون في شوارع العاصمة القاهرة، واستمتعوا بالتنزه على كورنيش النيل، والجلوس على المقاهي والتقاط الصور التذكارية، وذلك وسط ترحاب شديد من المصريين.

وفي لفتة طيبة حاولت بعض الجماهير الجزائرية توجيه الشكر للمصريين، فرفعوا لافتة كبيرة مكتوب عليها: «تحية من شعب الجزائر إلى الشعب المصري الشقيق ونشكركم على كرم الضيافة وكرم الاستقبال»، لذا كان الوداع بالدموع.

وداع

مشهد الدموع كان بطله شاب مصري عشريني يدعى «عمر»، وفي مطار القاهرة وقف عمر يودع صديقه الجزائري بالدموع، فقد رافقه طيلة 28 يوما مدة البطولة، اصطحبه خلالها إلى أماكن عديدة سواء مطاعم أو مقاه أو حدائق، إضافة إلى وجودهما معاً في المدرجات لتشجيع «محاربي الصحراء» حتى نشأت بينهما صداقة قوية، جعلته لم يسيطر على دموعه أثناء الوداع، في حين كان صديقه الجزائري يعده بتكرار الزيارة.

فيما احتفل رواد مواقع التواصل الاجتماعي بفوز المنتخب الجزائري باللقب، وهو الاحتفال الذي شارك فيه نجوم الكرة وفنانون وإعلاميون مصريون بارزون، ممن حرصوا على تهنئة «الخضر» باللقب، ومن قبلها دشن عدد من مستخدمي موقع «تويتر»، بعض الوسوم تدعو لدعم منتخب الجزائر أمام السنغال في النهائي.

كما أبرزت وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة في البلدين، حالة الود الجماهيري، حيث أفردت صفحات تطالب بطي الخلافات، والإشادة بسلوك المصريين في حسن الضيافة، وروح الجزائريين في البطولة، واكتملت الصورة عندما تشابكت يد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، مع الرئيس الجزائري المؤقت قايد صالح، في مراسم تسليم كأس البطولة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات