صور صادمة تداولتها المواقع في الأيام الماضية للاعب فريق الموردة الأم درماني السابق ولاعب المنتخب الوطني سليمان دفع الله المحينة، تحكي عن مأساة لاعب كان ملء السمع والبصر في فترة الستينات من القرن الماضي، جلباب غاب لونه الحقيقي، فلا تعرف ماذا كان قبل أن يكون، عينان غائرتان، شعر أبيض غطى الوجه وجنبات من الرأس لم تزره يد الحلاق منذ فترة ليست بالقليلة، أحدثت الصور هزة عنيفة في الوسط الرياضي، وفتحت الأبواب على مصراعيها لتساؤلات كبيرة حول الأوضاع الحياتية (الصحية، المعيشية، كل ما يتعلق بحياة آمنة) لإنسان قبل أن يكون مبدعاً أعطى وما بخل لبلده.

فالمحينة لم يكن لاعباً عادياً، كان نجماً فذاً له صولات وجولات في الملاعب، ودفع ضريبة الوطن بشعار المنتخب عندما أصيب بكسر في رجله في مباراة شهيرة أمام أثيوبيا، حركت صور المحينة وهو يسير هائماً على وجهه في الطرقات قطاعات واسعة من أبناء الوسط الرياضي وتفاعلوا مع محنة الرجل بصورة كبيرة، لينتهي به المقام في مستشفي النيل الأزرق طريح الفراش الأبيض يتلقى العلاج.

ولكن ماذا بعد العلاج؟ سؤال كبير لا يعرف له أحد إجابة، ما هو مصيره بعد مغادرة المستشفى؟ هل سيعود من جديد للطرقات أم ماذا سيحدث لرجل وصل مرحلة متقدمة من العمر؟

حياة درامية

عاش الكابتن سليمان دفع الله حياة درامية بكل ما تعني الكلمة من معنى، مرت بمنعطفات كثيرة صعوداً وهبوطاً، لا زوجة له ولا ولد، بعد إصابته بكسر في ستينات القرن الماضي، واعتزال لعب الكرة أعطاه سكرتير اتحاد الخرطوم المحلي لكرة القدم وقتها يحيى الطاهر محلاً لبيع الطعام والشاي داخل دار الرياضة بأم درمان.

وأصبح يدير المحل (البوفيه) في الفترات الصباحية، وفي الأمسيات يتواجد بدار الحكام، الذي يعتبر جزءاً من دار الرياضة مكان عمله، امتلك بيتاً ودكاناً ومع مرور الأيام والشهور والسنوات تحول دكانه إلى منتدى شهير أطلق عليه اسم (منتدى المحينة)، خصصه كما جاء على لسان المقربين منه لرجال المال والأعمال فكان يؤمه عدد ليس بالقليل منهم، يلتقون يوم الجمعة من كل أسبوع على وجبة الإفطار (السمك)، ظل يعتمد في حركته على (دراجة) ارتبطت به وارتبط بها، يتحدث الإنجليزية بطلاقة رغم محدودية تعليمه، اكتسبها من معايشته للإنجليز.

بداية الألم عناد

يصفه أصدقاؤه بالعنيد، سريع الغضب، صعوبة التحكم في ردة فعله أيام كان في كامل صحته البدنية والعقلية، في يوم شعر بألم في رجله اليمني وزاد هذا الألم يوماً بعد يوم لدرجة لم يعد يحتمل، فقرر أصدقاؤه ترتيب سفره إلى إنجلترا للعلاج، وسبق أن كرمته مجموعة منهم بشراء عربة (أمجاد) للترحيل بدلاً عن (الدراجة)، أكمل الأصدقاء ترتيب إجراءات السفر لإنجلترا، وتم حجز الفندق بالعاصمة البريطانية وطلبوا منه اختيار شخص ليرافقه أثناء رحلة العلاج، هنا بدأ بعض المحيطين به يتحدثون عن تكفل أصدقائه بسفره، بطريقة لم تعجبه فثار ومزق تذاكر السفر وأعاد الشيك لأصحابه ورفض المغادرة إلى إنجلترا.

تدهور الحالة الصحية

يرى بعض أصدقائه المقربين أن رفضه السفر وتمزيق التذاكر وإعادة الشيك لأصحابه كان النقطة الفارقة في حياته بعد أن تراجعت علاقته مع رواد المنتدى من رجال المال والأعمال، فلم يعد هو المحينة الذي عرفه الناس، ليدخل في حالة من الاكتئاب ويبدأ في الانزواء والابتعاد عن الناس.

ويؤكد صديقه كمال افرو الرياضي المعروف في حديثه مع "البيان"، انهم ظلوا ملازمين له طوال الست سنوات الماضية التي شهدت انتكاسته الصحية، وانهم قاموا بكل ما في وسعهم كرواد لدار الرياضة امدرمان لعلاجه من طبيب لآخر، وصلوا في النهاية لجهاز الأمن والمخابرات الذي تكفل بعلاجه في مستشفى الأمل وحجز له جناحاً بالمستشفى، ولكنه افتعل مشكلات مع العاملين وغادره، وعاد للمربع الأول، وذكر أن رواد دار الرياضة تكفلوا بشراء "عجلة" متحركة وصيانة المنزل، وأتوا له بمن يخدمه، ولكن حالته لم تتوازن.

غضب

أعرب الصحافي محمد عمر الأمين عن غضبه من مما اسماه المتاجرة الإعلامية بحالة نجم الكرة السابق المحينة قائلاً في حديثه مع "البيان" عمل الخير لا يحتاج إعلاناً، وعلمنا ديننا أن تقدم بيمينك ما لا تعلم يسارك، وظهور أسماء في وسائل الإعلام ساهمت في علاجه أمر غير محبب ومرفوض، فكثيرون وقفوا معه طوال السنوات الماضية رفضوا بشدة الإشارة من قريب أو بعيد لمساهماتهم، وتسأل أين كان هؤلاء طوال السنوات الماضية؟

الحل عند الحكومة

تساءل كثير من المراقبين عن دور الحكومة في حماية أمثال المحينة وما أكثرهم من جور الزمن، واعتبروها الجهة الوحيدة التي تملك الإجابة عن سؤال ماذا بعد انتهاء فترة علاج نجم الكرة السابق المحينة؟ وهل سيعود مرة أخرى هائماً في الطرقات؟ وطالبوا بوضعه في مكان محترم ونظيف يقضي فيه ما تبقى من عمر.