يلحظ الراصد للحركة الرياضية الأردنية إحدى الظواهر النادرة، التي مر عليها الكثير من المراقبين مرور الكرام دون الخوض فيها على الشكل الأمثل أو دراستها لمعرفة مسبباتها وتداعياتها.

القضية تتمثل في انحسار الحضور الجماهيري المتابع للنشاطات الرياضية بشكل عام ونشاط كرة القدم على وجه الخصوص رغم التطور الكبير الذي أصاب هذه اللعبة الشعبية، طبعاً يستثنى من ذلك مباريات المنتخب الأردني التي عادة ما تحطم الأرقام القياسية في اعداد المتابعة المباشرة من على المدرجات بعكس مباريات الدوري المحلي والتي لا تحظى غالبيتها بالمشاهدة المطلوبة.

ذاكرة

في العقود الماضية وتحديداً في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، كانت مباريات الدوري الأردني تعتبر قبلة للجماهير، حتى أن الأندية الصغيرة التي لا تملك المقومات المالية المناسبة أو تلك التي تقبع في المناطق النائية تجد قواعدها الشعبية تزحف خلفها في أي مناسبة كروية للتشجيع والتهليل، اما مباريات الديربي او قمة كرة القدم الأردنية التي تجمع الفيصلي والوحدات فقد كانت تعلن لأجلها حالة الطوارئ لدى المؤازرين، كما أن اصداء نتائج هذه المباراة الكلاسيكية عادة ما تظل عالقة في الوعي الجمعي للجماهير لفترة طويلة قد تمتد لأشهر.

الانحسار الكبير في الحضور الجماهيري يعزوه البعض بشكل رئيسي إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطن الأردني جراء التضخم الكبير في الأسعار وتدني المدخولات بشكل عام، إذ باتت الأولوية القصوى لدى المواطن الكد وراء لقمة العيش على حساب الأمور الترفيهية كمتابعة مباراة كرة القدم.

إحدى الملاحظات الغريبة التي تشهدها ملاعب كرة القدم الأردنية، تنحصر في أن ريع الحضور الجماهيري لبعض المباريات لا يوازي تكلفتها المالية، إذ أن تكلفة مباراة واحدة في الدوري تبلغ على الأقل خمسة آلاف دولار وقد تصل الى عشرة آلاف واكثر، في حين أن تعداد الحاضرين لا يكاد يذكر، حتى أن عدد الكوادر الأمنية التي تتواجد في الملعب قد يتجاوز تعدادها، تعداد الجماهير الحاضرة.

مسؤولية الأندية

ويلقي البعض اللوم في انحسار الحضور الجماهيري على الاندية التي ما زالت تحكمها ادارات هاوية، لا تأخذ في عين الاعتبار أهمية التعاطي مع لعبة كرة القدم وفق القواعد الاستثمارية، بحيث تكون هذه الأندية عامل جذب للجماهير، خاصة وأن نظام الاحتراف المطبق في الأردن فرض على كل ناد تسويق مبارياته بنفسه على عكس ما كان سائداً في الماضي عندما كان الاتحاد يدير هذه العملية برمتها.

عزوف الجماهير عن متابعة لعبة كرة القدم الأردنية حد وبشكل كبير من الإثارة التي تغلف البطولة، فيما يتحسر المؤرخون الرياضيون على ما كانت تحدثه مباراة بالخماسي في عمان قبل اكثر من عقدين، إذ كانت تغلق شوارع واحياءً بأسرها جراء الازدحام الجماهيري.

الاستثناء الوحيد من هذه الظاهرة بالتأكيد هو منتخب النشامى الذي يحظى عادة بمؤازرة جماهيرية كبيرة، في مؤشر يدل على تشبث الشعب الأردني بالرياضة وعشقه لها، وكذلك توحده خلف فريقه الوطني، لكن الظروف التي اشرنا اليها سالفاً كانت ولا تزال تحول دون تواصله مع المباريات المحلية على الشكل الأمثل.

أخيراً وليس آخراً يعلم الجميع أن تطور المستوى الفني والتنافسي للفرق المتصارعة على الألقاب المحلية من شأنه أن يزيد من الحضور الجماهيري، وهذا ما لا يشهده الدوري الأردني فعلياً منذ عدة سنوات، إذ لا تتمتع هذه المباريات بالمستوى المطلوب باستثناء المباريات القوية التي يكون احد اطرافها الفيصلي او الوحدات او الرمثا والتي تملك قواعد جماهيرية كبيرة، لكنها لا تتواجد الا في المواجهات المصيرية، في حين أن النسخة الماضية من الدوري شهدت مفارقة عجيبة، تتمثل في أن البطل فريق شباب الأردن لا يملك أي قاعدة جماهيرية لكنه نجح في تجاوز هذا العائق ليعتلي منصة التتويج على مرأى من جماهير الأندية الأخرى.