لم يكن أبو راشد يدري وهو يبتاع قطعة الشوكولاتة التي وضعها في جيب معطفه بهدف إعطائها إلى نجله قصي، بعد المجهود الكبير الذي سيبذله في مباراة اليوم، بأن الأخير سيرحل عن هذه الدنيا أمام عينيه بتلك السهولة الموجعة، وأنه لن تتاح له فرصة معانقة فلذة كبده والإثناء على أدائه في تلك الموقعة التي لن تكتمل أحداثها.

الشاب الطيب قصي الخوالدة، الذي شاءت الأقدار أن تصعد روحه إلى بارئها خلال مباراة فريقه الفيصلي أمام الجزيرة في دوري الشباب الأردني لكرة القدم، أبى إلا أن يدعو زملاءه إلى مشاركته الصلاة لحظة وصوله إلى الملعب، رد عليه احدهم قائلاً: لماذا لا نصلي بعد المباراة، لكن قصي أصر على إقامتها مع رفاقه جماعة.

مدرب الفريق سأل قصي عن استعداداته، رد عليه بأنه سيكون نجم المباراة الأول بلا منازع، وبالفعل فقد كان نجماً بكل ما تحمله الكلمة من معنى عندما أثار أحزان الأردنيين جميعاً.

أطلق الحكم صافرة البداية، الفيصلي يؤدي جيداً وينسج هجمات منظمة على مرمى الجزيرة، مضى بعض الوقت قبل أن يسجل الفريق الهدف الأول أعقبه بالهدف الثاني، اقتربت أحداث الشوط الأول من نهايتها، لحظة ما الذي يجري هناك .. أحد لاعبي الفيصلي وقع على الأرض، في أقصى ملعب الجزيرة باتجاه الزاوية الركنية، الحكم لم يلحظ الأمر، قبل أن يتأمل حارس الجزيرة اللاعب بعد دقيقة من سقوطه ويراه ينتفض، يصرخ الحارس بأعلى صوته مطالباً الحكم بإيقاف اللعب، هرول الجميع باتجاه قصي، وهنا بدأت القصة المأساة.

اللاعب لا يحرك ساكناً، أنفاسه متوقفة لكن قلبه ينبض، أين سيارة الإسعاف؟ .. تساؤل طرحه جميع الحاضرين، سارع أحدهم إلى الاتصال بالدفاع المدني، كان الجميع يحاول معرفة ما يجري، خاصة وأن اللاعب توقف عن التنفس، وقد يزداد الأمر سوءاً بابتلاع لسانه، لذا سعوا جاهدين إلى فتح مجرى التنفس، الدقائق تمضي ومنسوب الأكسجين ينخفض في جسده.

دعوات

يقف الوالد أبو راشد عند رأس نجله يدعو الله أن تمضي هذه الحادثة على خير، يلحظ الارتباك على الحاضرين، لكن دون أن يطرح أي منهم الحل السحري الذي يكفل لنجله تجاوز الأزمة، مضت بضع دقائق اخرى شهدت محاولات محمومة لفتح مجرى التنفس وهذا ما كان، لكن اللاعب لم يستيقظ، وصل الدفاع المدني بعد برهة، وقفوا على الإجراءات التي اتخذت، لكن قصي ما زال مغشياً عليه، بحاجة إلى إنعاش جسده ودماغه بالأكسجين، والمأساة الكبرى عندما اكتشف الجميع أن إسطوانة الأكسجين فارغة، ليحمل قصي على عجل إلى المستشفى وهناك أعلنت الوفاة بشكل رسمي.

وقف الوالد في أروقة المستشفى التخصصي مذهولاً من هول الصدمة، تشبث بإيمانه العميق وقالها على الملأ : (الله يرحم قصي ويجعل مثواه الجنة .. لا أحمل أي أحد المسؤولية، لكن اتقوا الله في اللاعبين، كيف سنصل إلى كأس العالم واللاعب يموت ولا يوجد سيارة إسعاف، هؤلاء اللاعبون أمانة في أعناقكم سامحكم الله .. إدعوا لقصي بالرحمة وسامحوه).

قال أبو راشد هذه الكلمات قبل أن يخرج قطعة الشوكولاتة من جيبه ليتأملها طويلاً والألم والحسرة تعتصره على فتى كان مؤمناً بالله .. باراً بعائلته .. نجماً بين أقرانه، لكنه رحل تاركاً في القلب جرحاً لن يندمل.

خيط رفيع

فتح رحيل اللاعب قصي الخوالدة الباب على مصراعيه أمام تساؤلات جادة بسطتها جماهير كرة القدم الأردنية، حول الإجراءات الصحية والأمنية المتخذة في ملاعب كرة القدم، ومدى قدرتها على تلبية الحالات الطارئة التي قد تحدث.

الملاحظات التي وضعتها الجماهير، انحصرت في أن حالات بلع اللسان تعتبر من الحالات الصعبة والسهلة في آن معاً فهي تحتاج إلى الخبرة والجرأة في التعامل معها من قبل المعالج أو الطبيب، لكن الظروف التي رافقت إصابة الفقيد لم تكن على الشكل الأمثل.

خيط رفيع يفصل المصاب ببلع اللسان عن الموت، فالمتصفح لموقع اليوتيوب بإمكانه رؤية العديد من المقاطع للاعبين سقطوا إما مغشياً عليهم او وهم في حالة من الصحو جراء إصابتهم ببلع اللسان، فيما تمت عملية علاجهم بسرعة قياسية حتى أن بعضهم كان يعود الى الملعب بعد ذلك لإكمال المباراة وبشكل طبيعي، علما بأن تعريف هذه الإصابة طبياً يتمثل في انه ارتخاء يصيب عضلة اللسان بحيث تعود إلى الخلف وتغلق مجرى التنفس.

ومما يؤسف له أن معظم الأندية الأردنية لا تولي النواحي الصحية الاهتمام المطلوب، لكن حادثة رحيل قصي الخوالدة فرضت عليها الوقوف بشكل جدي على ضرورات تأمين الظروف الملائمة للاعبين، إذ قد تتكرر مثل هذه الإصابة مستقبلاً مع أي لاعب، علماً بأن الموسم الماضي كان قد شهد حالة مماثلة مع نجم الفيصلي المخضرم حسونه الشيخ خلال مباراة فريقه مع الرمثا ببطولة الدوري حيث تمت معالجته على ارض الميدان قبل أن يتم نقله في المستشفى.

 

خطوات الإنقاذ

علاج الإصابة ببلع اللسان يتطلب بداية القيام بمحاولة فتح مجرى التنفس عبر إمالة المصاب على جنبه ورفع رأسه إلى الأعلى ومحاولة إرجاع اللسان عبر سحبه، وفي حال وجد المعالج صعوبة في سحب اللسان، يفترض أن يقوم بإدخال أنبوب للتنفس داخل المجرى، وفي حال استعصى عليه هذا الأمر أيضاً فقد يضطر إلى عمل فتحة في القصبة الهوائية من الخارج وإدخال أنبوب يكفل للمصاب التنفس لحين نقله الى المستشفى.